تأثير الطقس في حياة الإنسان وسلوكه

نجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن الطقس، وتأثيراته المتنوعة: رزقاً من الله أو عقوبة أو تخويفاً.. فالطقس يعد من أهم العوامل المؤثرة في حياة الإنسان ووجوده وسلوكه. فمن حيث تأثيره في الصفات الجسدية نجد أن سكان أوروبا، حيث البرودة والصقيع، أجسادهم بيض الجلود، شقر الشعر، أنوفهم رفيعة تساعدهم على تسخين الهواء قبل استنشاقه، بينما سكان أواسط إفريقيا، حيث يعيشون في طقس حار، تجد جلودهم سودا تحميهم من حرق الشمس لأعصابهم، سود الشعر، فطس الأنوف واسعة لا تأبه لسخونة الهواء، فسبحان الله! وللطقس تأثير في الأحوال الصحية للإنسان، فسكان البلاد الباردة يعزون سبب الإصابة ببعض الأمراض، كالروماتيزم وذات الرئة ولسعة الصقيع، أو "الكآبة الشتوية" كحالة نفسية تصيب البعض، وغيرها.. إلى تغيرات الطقس، لا بل تصف العامة، الفصل البارد في بعض البلاد، بأنه حصاد الموت! كذلك، تسبب الرطوبة العالية في البلاد الحارة أمراضاً، مثل الطفح الجلدي والروماتيزم والتهاب المفاصل، بينما تسبب الرطوبة المنخفضة تمزقاً للجلد، وتشققاً للشفاه ونزيفاً في الأنف! وللطقس تأثير في الغذاء، إذ يلعب المناخ دوراً مهما في المردود الغذائي للنباتات والحيوانات، فتأثيره لا يخفى على إنتاجية الأرض الزراعية، ونمو وتكاثر الحيوانات الأليفة، مما يؤثر مباشرة في كمية الغذاء، إذ قد يسبب لها تلفاً وتخريباً، نتيجة المعوقات المناخية، كالصقيع والجفاف والرياح والصواعق وما لها من تأثير، وقد أظهرت الدراسات علاقة وثيقة بين معدلات الحرارة السنوية والمستوى الغذائي للفرد. والأهم من كل ما سبق، أن للطقس تأثيرا في السلوك الديني للأفراد والجماعات، فعند انحباس الأمطار، وحدوث الزلازل، والعواصف والطوفان، تجد الناس وقد اندفعت نحو المساجد والكنائس وغيرها من المعابد.. ليسألوا الله ـــ العلي القدير ـــ أن يرفع عنهم ما هم فيه من كرب هذه العوارض المناخية، وتجد رب البيت وقد جمع عائلته، مضطرباً.. ولكن، في النهاية مستسلماً لقوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). كذلك، أثبتت الدراسات أن الطقس يؤثر في التصرفات الاجتماعية، إذ بيَّنت أن جرائم العنف؛ كالقتل والضرب، تكثر في أيام الحر، لارتفاع إفرازات "الأدرينالين"؛ الذي من شأنه رفع درجة التوتر، أما البرد، فيساعد على هدوء الأعصاب؛ فتكثر جرائم السرقة والسطو والاحتيال؛ بما أنها جرائم أقل عنفاً من تلك التي تحدث في البلاد الحارة! ويؤكد الدكتور طلال عيسى: أن فصل الصيف في البلاد الحارة يستحوذ على نصف حالات الطلاق التي تقع على مدار العام! كذلك، يؤكد الدكتور ناصر عطية الله الذبياني وجود ارتباط بين فصول السنة وحالة المزاج عند الإنسان؛ حيث تظهر الانفعالات النفسية الحادة، والاضطرابات العقلية، والتوتر في السلوك، مع حرارة الصيف الشديدة. وللطقس تأثير في بيئة العمل والإنتاج، وفي اختيار المكان المناسب لمكان العمل كالمصنع والمتجر، فالأعمال التي تتم في فضاء البيئة تتأثر بالتغيرات المناخية، وأكثر تلك الأعمال تأثراً هي الأعمال الزراعية الحقلية، كذلك كثافة الضوء وحركة الهواء، إلى جانب الحرارة، تؤثر كثيراً في النشاط الإنساني، خاصة عند إنجاز الأعمال التي تجري داخل المباني. وبما أن المقام لا يسمح بالتفصيل، إذ، للطقس تأثيرات متنوعة أخرى في الملبس، والشعور الجسماني، والحالات المعيشية، وشكل السكن، كذلك في الثقافة، خاصة الشعر والفن.. فإن ما قدمته هنا للقارئ ليس سوى بعض العناوين والإشارات.. أختمها بنصيحة لكل من يعاني نتيجة الانتقال من بيئة مناخية إلى أخرى متناقضة مع ما اعتاد عليه، أن يبذل الجهد للتأقلم حيث هو، محتسباً الأجر عند الله، وهو على يقين أن الله قدَّر له هذا الانتقال لحكمة.. خاصة حين نتدبر قوله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)، فلربما كانت منيته في ذلك البلد المنتقل إليه! إذ جاء في تفسير القرطبي: أن رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ قال: "ما مِنْ مولودٍ إلا وقد ذرّ عليه من تراب حفرته"، أي أن المَلَك حين أخذ النطفة، التي منها تَكَوَّن الإنسان، المنتقل من بيئة مناخية إلى أخرى، ذرَّ عليها من تراب المكان الذي سيدفن فيه! فالتسليم، مع حُسن الظن بالله، هو الحل.. إذ لله الأمر من قبل ومن بعد.
إنشرها