التقدم التقني.. اكتشاف ورعاية العباقرة والموهوبين

|
ذكرت في مقال سابق بعنوان ''العباقرة تحت الكراسي'' أن تاريخنا التعليمي القريب في السعودية وفي معظم الدول العربية إن لم يكن كلها، لم يأخذ ذوي الاحتياجات الخاصة في اعتباره ضمن قوافل التعليم العام أو الجامعي، وفي مقدمتهم طبعاً الموهوبون والعباقرة، وأنه تم الانتباه لذلك في السنوات الأخيرة في كل الدول العربية على تفاوت بينها، ومن ذلك السعودية، إذ تم تأسيس ''مركز الملك عبد الله لرعاية الموهوبين''، وبدأت المؤتمرات السنوية التي تُعنى بالموهبة والابتكار تتكرر على المستوى الوطني وعلى مستوى دول الخليج، كما زاد الاهتمام في الجامعات السعودية بتخصص التربية الخاصة الذي يضم ضمن تخصصاته تخصص ''موهبة وتفوق''، كما أن وزارة التربية والتعليم مشكورةً قد بدأت أيضاً تهتم بهذا التخصص بل وتمنح بعض المزايا الإضافية لرواتب المتخصصين فيه من منسوبيها، وهذا شيء يبعث على التفاؤل، وقد ختمت المقال بتساؤل: هل واءمنا بين استخدام جميع وسائل الكشف عن الموهوبين والعباقرة وبين تطوير بيئة تعليم تُراعي تلك الفروق الفردية بين الطلاب في تعليمهم وقياس قدراتهم كالتميز في الجانب العملي أو في المهارات السلوكية دون المعرفية أو العكس، أو التميز في جوانب البحث أو العمل الأكاديمي ومن لديه القدرة العالية على الحفظ فقط أو لديه القدرة على التفكير العميق والاستنباط دون أن يملك القدرة على الحفظ والاستذكار لعشرات الكتب في ليالي الامتحانات! ومن وجهة نظري، وبحسب ما أراه من معطيات على الواقع، فإن مؤسساتنا للتعليم العام والعالي والتدريب وإن نجحت نسبياً في اكتشاف أعداد قليلة من الموهوبين وتم رعايتهم في بعض الجوانب بشكل جيد، إلا أنها لم تنجح في تطبيق المعايير الدولية لتقدير درجات المواهب والقدرات العقلية العالية بين طلابها، كما أنها لم تنجح في تطبيق وسائل الكشف عن الموهوبين والعباقرة، وبالتالي أنى يكون لها القدرة على رعاية مواهبهم وتنميتها ومن ثم استثمارها لنفعهم ونفع بلادهم بها، استناداً إلى ما ذكره البروفيسور عمر هارون الخليفة في ''ملف'' مجلة ''المعرفة السعودية'' في عددها لذي القعدة 1431هـ، فإن السعودية استخدمت وسائل الكشف عن الموهوبين التالية: ــ تقديرات المدرسين. ــ درجات التحصيل الدراسي. ــ التحصيل في العلوم والرياضيات. ــ اختبارات القدرات العقلية. ــ اختبار التفكير الابتكاري. ــ ومقياس وكسلر لذكاء الأطفال - المعدل. ولو تأملنا معظم هذه الوسائل مع واقع الحال في مدارسنا وكلياتنا لأدركنا هذا الإخفاق في تطبيق هذه الوسائل، فكثير من المعلمين وأعضاء هيئة التدريس ليس لديه المعرفة والإلمام الكافي بهذه الأساليب، ولم يتلق التدريب المناسب عليها حتى يكون قادراً على تقدير تلك المواهب واكتشافها، كما أن درجات التحصيل الدراسي في مدارسنا وجامعاتنا أصبحت غير معيارية ولا ذات موثوقية، إذ تخضع في مراحل التعليم الأولى لتقدير المعلمين والمعلمات وما يؤثر في بعضهم من ضعف في بعض الأحيان أو التجني أحيانا أخرى لأسباب عرقية أو مناطقية أو فكرية أو مذهبية، أو تحيز ومحاباة أحياناً أخرى بسبب قرابة أو جيرة أو غنى أو تعاطف أو ميل للطالب بسبب هدوئه في الفصل أو قدرته على الكلام أو لطرافته أو لجمال شكله، أما بالنسبة لدرجات التحصيل الدراسي فالجميع يعلم أنها فقدت مصداقيتها، إذ لا معيارية ولا توحيد أو تكامل بينها، فمن يريد درجات عالية فعليه أن ينتقل لبعض المدارس الخاصة أو بعض المدارس الحكومية المعروفة بكرم الدرجات (والكيل بالكريكات كما يقال)، وهذا التباين قد كشفته جلياً اختبارات القياس والقدرات، وهي أسلوب رائع للكشف عن الموهوبين، لكنه يأتي متأخرا بعد مرحلة التعليم العام، وبعد أن تموت أو تضعف الكثير من المواهب والقدرات دون أن تجد من يعينها فضلاً عن أن يرعاها. ختاماً، في رأيي الشخصي أن الحل الأمثل لإصلاح التعليم العام والعالي والتقني والمهني وفي تعزيز القدرات العادية واكتشاف القدرات العالية ورعايتها، يحتاج إلى قرار قيادي حازم مع تطبيق جاد وصادق له يتبنى المحورين التاليين، أولاً: توحيد الاختبارات على مستوى المملكة لكل مقرر وفي كل مرحلة من مراحل التعليم ضمن بنك أسئلة يتم فيها استخدام معامل الحاسب الآلي المتوافرة حالياً في كل مدارسنا وكلياتنا على أعلى المواصفات لامتحان الطلاب ويكون ذلك بجهود وإشراف الوزارات أو المؤسسات المعنية بتلك المدارس أو المعاهد أو الكليات، وتعتمد النتيجة منها فقط دون الازدواجية في التقييم التي تشترط (اختبارات القياس والقدرات من مركز القياس والتقويم)، أما المحور الثاني فهو تحويل مركز القياس والتقويم بهيئته الحالية إلى مركز لقياس ومراقبة جودة التعليم بكل أنواعه (العام والعالي والمهني أو التقني) يقوم بشكل دوري بعمل اختبارات على النسق نفسه الذي يعمل به حالياً لمجموعات عشوائية من الطلاب في مجموعات عشوائية من المدارس والكليات لاكتشاف بعض المواهب فيها وقياس جودة التعليم فيها، ومن ثم البحث في جوانب القصور التي يتم اكتشافها فيها وتطبيق مبادئ وأدوات التحكم بالجودة لمعالجتها، وكذلك لتقوم بالفحص والاختبارات المهنية، كما يعكف المركز حالياً على تغطية بعضها حسب علمي، لكن على أن يتم تطبيقها بشكل جاد خصوصاً على من يريد التدريس أو ممارسة الطب من خريجي جامعاتنا أو الوافدين للعمل من الخارج ويكون اجتياز امتحاناتها شرطاً أساسياً للحصول على هذه الوظائف أو تأشيرات الدخول. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها