يا أخي، دَعْ الأميرَ يبكي!

|
* أهلاً بكم في «مقتطفات الجمعة» رقم 374. *** * حافزُ الجمعة: بشرٌ يصلون إلى قمة السلطة فلا يرأسهم بشريٌ آخر.. يكونون أحد نوعين: بقمة التخوف.. أو بقمة التسلط. *** * أين قرأت ذلك؟ لا أدري. لمَ ترسخُ هذه القصة في رأسي؟ لا أدري.. لماذا أرويها الآن؟ ربما أدري وربما لا أدري.. عن موعظة عمرو بن عبيد للخليفة العباسي المنصور وجاء فيها: "فصبّ عليهم ربُّك سوطَ عذاب، إن ربك لبالمرصاد" فبكى المنصورُ بكاءً شديداً، كأنه لم يسمع الآياتِ إلا تلك الساعة. ثم تابع عمرو موعظته: "وإني أحذرك ليلة تتمخض صبيحتُها عن يوم القيامة". فبكى المنصورُ بكاءً أشدّ من بكائه الأوّل حتى رجفَ جنباه. فقال له الوزيرُ سليمان بن مجالد: "رفقاً بأمير المؤمنين فقد أتعبْتـَه". فردّ عليه عمرو: "وبمثلك ضاع الأمرُ وانتثر، وماذا خفتَ على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله؟". *** * مسألة السلطة وسياسة السلطة عالجها المفكرون العرب الأوائل بفخامة الرؤية الذهنية، ولطافة الرؤية الإنسانية، قبل "مكيافيللي" في كتابه الشهير "الأمير"، الذي جعل السلطة هدفا يحافظ عليها بأي ثمن وبأي وسيلة. كانت السُلطة بأنواعها موضع عناية في كونها تصب بمصالح الرعية من مصنّفي وواضعي الفكر السياسي في التراث العربي، وعالجها الماوردي، والشيرزي، وابن الأزرق، وابن خلدون، وابن الربيع، وابن الداية، وابن طفيل، وابن رشد، وحتى الجاحظ وابن المقفع. *** * وأنك ستجد تفسيرات كثيرة للمسئول أكان سلطانا أم وزيرا أم قاضيا في الفكر العربي، ومن ألطف ما قيل الوصف الذي وضعه الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيرزي فوصف المسئولَ: "بأنه كالغيث والقمر والريح والنار والماء".. ويعني كالغيث ينزل ويساوي بين الجميع منفعة في المرتفعات وفي المنخفضات في بيوت الثراء وفي أكواخ الفقر. وأما الريح فهي تحيط بكل شيء من تحت إلى فوق، والنار هي الحدة على أهل الفساد تعاقبهم وتطهرهم من آثامهم، وكالماء في لينه وسيولته وفي ثورته يحطم السدود التي يقيمها أصحاب المصالح الطُغاة. *** * يا سلام على الفكر العربي السياسي.. تقرأ أن البطانة هم آلات السلطان ولا ينتظم العدل والنمو إلا بحسن اختيارهم، وضرب المفكرون أروع الأمثال التي تهز الفكرَ والوجدان فحذروا مثلا من الاستعانة بأصاغر الرجال على أكابر الأعمال.. وما رأيت أدهي ولا أصدق ولا أكثر واقعية من هذا المثال. *** * الذي دقّ أولَ إسفين في ضياع حضارة أمتنا الإسلامية كان وزيرا خائنا، وحاجبا جاهلا، في بطانة الخليفة المستعصم، اتصلا بالتتار، وزينا لهم أخذ بغداد حاضرة كل الدنيا آنذاك، والوزير هو ابن العلقمي من أعطى السكينَ للتتار لذبح بغداد، وقال عنه شاعر عربي: بادتْ وأهلوها معاً فبيوتهم ببقاء مولانا الوزير خراب وأما الحاجب فهو عبد الغني بن الدرنوس، كان حمالا في أسواق بغداد ثم عمل في حاشية الأمير المستنصر وما زال يجد في التزلف حتى صار مقربا يعزل ويعين الوزراء، وتآمر مع ابن العلقمي لتجري وحشية التتار في رقاب أهل بغداد حتى صار النهرُ دَمَاً. *** * شخصية الجمعة: الأستاذ "عبد الله بن محمد الناصر" عضو مجلس الشورى صديق عزيز وزميل، والدرسُ الذي تعلمته أنك تعرف من تظنه قريبا إليك من أبعد الناس عنك. لما انشغلت مع مبتعثي بريطانيا وأيرلندا من الطلبة السعوديين كان يأتي اسم عبد الله الناصر والذي كان ملحقا ثقافيا في بريطانيا وأيرلندا تحمله أشاعيرٌ من حبٍّ مصهورٍ بقوالب من الإعجاب، ويسمون "عهدَه" بأجمل الأوصاف، فمنهم من يقول لك عهد الناصر الذهبي، بل إن في حماسته قال مبتعثٌ للدكتوراه: "إنه من الألماس الصافي الذي لم تشبه شائبة"، فقلت له: "معقول؟ ألهذه الدرجة؟" - وأرجو ألا يعتبر الصديقُ عبد الله أن ذلك كان بدافع الغيرة منه.. أرجو!- ردّ عليّ بطاقة من الحماسة أكبر: "والله لو شاب الألماسُ شيئاً لما شابَ عهدَ الناصر ما يخدش ذاك الصفاء". ومنذ عرفت الناصر لم يقل لي يوما عن دوره قط تجاه الطلبة المبتعثين، بل إني سألته يوما عن بريطانيا فأخبرني عن جمال قرية من أعمال أدنبرة في اسكتلندا، وكأنه سائح من السوّاح وكأنه لم يسلخ جزءا كبيرا من عمره كملحقٍ ثقافي فيها.. إن اسم الناصر ما زال يراه المبتعثون متألقا في النجوم.. بالفعل. اسمٌ حُفر ليس في ذاكرتهم، بل في ذاكرة تاريخ الابتعاث الدراسي السعودي في بريطانيا، فيستلهمه القادمون الجدد، كما خبَرَه القدامى من الباقين ومن المغادرين.. إن هذا الرجلَ أدى عمله عن حبّ لعمله ووطنه وأبناء وطنه وبعقل واع صهرته الثقافة المتأصلة، فصنع منتجا جانبيا قد يكون في أهمية المنتج الرئيس أو يفوقه، وهو تعلق الطلبة أكثر بوطنهم.. وتجذُّر حبّهم له.. كان الناصر ملحقاً ثقافياً، ومحلقاً وطنياً.. وما زال. *** * كتاب الجمعة: كتاب رائع عن الكون للعالمة الفيزيائية الكونية الشابة "جانا ليفن" وعنوان الكتاب: "كيف اكتسب الكونُ بُقعَهُ" How The Universe Got Its Spots، إنها دراسة جديدة عن الكون وسُدُمِهِ وتساؤل عميق عن كونه نهائيا أم بلا نهاية.. مع عبق روحي، ونسمات من الرومانسية.. والألطف أنها كتبتها رسائل لأمها التي غضبت عليها كي ترضيها! *** * والمهم: من كل ثلاثة أطنانٍ من الصخور الذهبية في المناجم لا يستخرج إلا أوقية صغيرة من الذهب الصافي.. وهكذا بعض البشر!
إنشرها