المصارف الإسلامية لم تكن في منأى عن الخطر ولن تبقى بعيدة عن دائرته

|
لقد حقق قطاع التمويل الإسلامي مستويات نجاح مرتفعة في عالم المال، ولكن بالرغم من ذلك يجدر بالقائمين على هذا القطاع أن يحرصوا على اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لكي لا يسمحوا لأي مشكلة كانت بالتحول إلى معضلة صعبة الحل كما حدث في قطاع التمويل التقليدي الذي يعاني أزمة. أدت الأزمة المالية العالمية إلى انهيار كبير في النظم المصرفية والمالية التقليدية، وعانت وما زالت الأسواق العالمية تعاني الأزمة على الرغم من التدخلات الحكومية وتدخلات البنوك المركزية. كما أدت الأزمة المالية إلى انكماش اقتصادي عالمي حاد وانخفاض كبير في أسعار السلع، بما فيها النفط. وتصاعد الضغوط على أسعار الأسهم والعقار، وهناك ركود كبير في نشاطات الإقراض المدعوم بالأصول، ولا سيما في مجال الرهن العقاري. ولقد أشار البعض إلى أن المجالات التي يمكن أن تتأثر لدى المصارف، تتجلى في تدني أسعار الأصول، وليس ضياع الأصول، حيث إن مشكلة كثير من المصارف التقليدية العالمية هي ضياع الأصول بكاملها. أما في المصارف الإسلامية، فإن تدني أسعار الأصول هو فقط المشكلة، ولكن ليس الأصل في حد ذاته، ولا حتى ربحيته. ومن ناحية أخرى، تنطوي المصارف الإسلامية بحكم طبيعتها، على مخاطر أقل من نظيراتها التقليدية، لأنها لا تستثمر في القروض (بسبب تحريم الفائدة)، ولا الخيارات الآجلة أو صناديق التحوط، وسيبقى تجنب المخاطر على سلّم الأوليات خلال الفترة القريبة القادمة مع التركيز على المهمة الأساسية في تقديم أسلوب استثماري غير تقليدي ويخلو من الفائدة. وأعتقد أن كل المؤشرات المصرفية الإسلامية كانت إيجابية، من حيث قدرتها على الخروج من الأزمة المالية، باستثناء بعض من التأثيرات الجانبية غير المباشرة، حيث لا تزال البنوك الإسلامية محتفظة بسيولة كبيرة نتيجة إقبال المستثمرين في المنطقة على الإيداع فيها، ما يشير إلى زيادة ثقة المستثمرين بها، خاصة بعد الأزمة بدليل زيادة حجم الإيداعات في البنك الإسلامي البريطاني بنسبة تقترب من 25 في المائة. إلا أنه وبالرغم من ذلك هناك عديد من التحديات التي تواجه قطاع المصرفية الإسلامية، منها ضعف التنوع في الاستثمارات ومحاولة إيجاد أدوات خاصة بها لتقليل المخاطر بالرغم من استخدامها لبعض الأدوات. كما يعتبر عدم توافر المؤهلات المصرفية عائقا آخر للمصارف الإسلامية، فمن أجل التوسع في مستقبل القطاع المصرفي الإسلامي لا بد أن يتم إيجاد نوعية موظفين مؤهلين ولديهم القدرة على كسب قلوب وعقول العملاء في المنطقة، لأن هذا القطاع بدأ في اكتساب اهتمام المستهلكين المتزايد. وتواجه المصارف الإسلامية تحديات قانونية عديدة، ويعود السبب في ذلك إلى أن القوانين الحالية لا تأخذ في الحسبان خصوصية القطاع المصرفي الإسلامي، كما أن تعليمات ''بازل 2'' أيضا تعامل المصارف الإسلامية مثل المصارف التقليدية، ونسبة المعيارية مفقودة في البنوك الإسلامية، على اعتبار أن كل مجموعة مصرفية لديها معايير شرعية خاصة بها تختلف عن مجموعات أخرى من المجال نفسه، وهذا يعني عدم وجود قدرة على القياس، وبالتالي يؤدي إلى الحد من قدرة تلك البنوك على الانتشار العالمي. وهناك عديد من الأصول الإسلامية ليست سائلة، حيث تتأثر المصارف بتلك الأصول بطريقة مباشرة نتيجة انخفاض قيمة أصولها عن قيمتها الحقيقة، إضافة إلى مشكلة انخفاض أسعار الأسهم والعقارات بالتالي يصعب إيجاد سيولة جديدة. ويؤدي ذلك إلى صعوبة التقييم نتيجة الكساد، حيث يوجد صعوبة في عملية شراء تلك الأصول وبالتالي صعوبة في عملية بيعها. وأعتقد أن المصرفية الإسلامية لم تكن في منأى عن الخطر الناجم عن الأزمة المالية العالمية، ولن تبقى بعيدة عن دائرة الخطر، لأن كثيراً منها يرتبط بتعاملات مالية مع مصارف عالمية تعاني أزمة الائتمان، وأن الكساد الذي يصيب الاقتصاد العالمي يلقي بثقله على المصارف الإسلامية والتقليدية على حد سواء. ولا بد من أن يكون للأزمة أثرها في مكونات الساحة الاقتصادية كلها، خاصة في ظل وجود نظام اقتصادي أحّادي يسيطر على السوق، ويوجهها من دون أن يكون له منافس يشاركه في هذه المعركة الاقتصادية، وهو الأمر الذي يستدعي سرعة البدء في وضع الخطط والاستراتيجيات لعمليات تحديث وتطوير شاملة وتشمل فيما يجب أن تشمل: إعادة النظر في آليات العمل المصرفي الإسلامي ومدى ارتباطها بالسوق العالمية، التركيز على الأنشطة الاستثمارية والتمويلية في العالم الإسلامي، التركيز على تطوير وتجهيز الكفاءات المصرفية الإسلامية اللازمة. واستحداث آليات لإدارة المخاطر، خصوصا فيما يتعلق بمؤشرات الإنذار المبكر للعملاء والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
إنشرها