تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الاثنين 28 شعبان 1431 هـ. الموافق 09 أغسطس 2010 العدد 6146
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1347 يوم . عودة لعدد اليوم

كيف أخدم وطني؟

د. عمار بكار

الوطنية بلا شك ضرورة حيوية لنهضة أي وطن، لكن المشكلة الأساسية في مفهوم الوطنية, كما أراها, هي تركيز من يتحدث عن الوطنية على أدبيات معنوية مثالية ونظرية بدلا من تحويلها إلى مبادئ عملية يعتنقها الصغير والكبير ويلمسون آثارها في حياتهم اليومية.

ولعل أجمل المبادئ العملية التي تمثل الوطنية ـ في رأيي ـ هي ''الخدمة العامة'' Public Service بشقيها المدني والعسكري، حيث يعمل المواطن متكاتفا مع أفراد الوطن الآخرين على خدمة الوطن وأفراده، وهي الخدمة التي كلما ارتقت، ارتقى مستوى الوطن حضاريا في مختلف المجالات بلا استثناء. هذا المفهوم يواجه مشكلات وتحديات كبيرة تجعله ضعيف التطبيق ويحتاج إلى نظرة تأمل وبرامج مكثفة لعلاج تلك المشكلات حتى يعود للمفهوم حيويته وتأثيره الإيجابي والعملي في نمو الوطن.

يطلق مصطلح ''الخدمة العامة'' على تكريس الإنسان حياته لخدمة وطنه، بمقابل مادي، أو متطوعا، سواء كان ذلك كموظف حكومي، أو كناشط لتطوير الوطن من خلال القنوات السياسية الرسمية، أو كمتطوع بجزء أو كل وقته. إن نمو روح ''الخدمة العامة'' والشعور بأن الساعات الطويلة التي يقضيها الإنسان في العمل الحكومي هي في الحقيقة لغاية أسمى من ''الوظيفة'' وتصب في نمو وطن الآباء ووطن الحاضر والمستقبل، هو ما يشجع الإنسان على إتقان عمله في الخدمة العامة، والتفاني فيه، وكلما نمت هذه الروح لدى عموم العاملين في الخدمة العامة, الموظفون الحكوميون على وجه الخصوص, فإن هذا أدعى لنمو الدولة وتفوقها وتطور خدماتها.

لكن هذه الروح في الحقيقة تعاني الاضمحلال والضعف, هذا ليس خاصا بدول العالم العربي, بل حتى في أوروبا العريقة بأنظمتها الحكومية والسياسية, تعاني هي الأخرى ضعف ارتباط الأجيال الجديدة بأوطانها واهتمامها بالخدمة العامة.

يمكن لأي مراقب أن يحكي لك مجموعة أسباب تؤدي إلى ضعف روح الوطنية والخدمة العامة لدى الموظفين اليوم، أو باختصار ضعف أداء الموظفين الحكوميين أعمالهم، ومنها كما هو معروف شعور الموظف الحكومي بأنه جزء من آلة ضخمة (الوزارة أو المؤسسة الحكومية)، وأن جهده فيها لا يؤثر، وأن البيروقراطية تحيط بالمؤسسة من كل جوانبها بحيث تمنعها من الإنجاز، ولأنه يرى أن كبار الموظفين هم الأقل جهدا والأكثر استمتاعا بثمرات مناصبهم الوظيفية، بل الموظفون في آخر السلم يعملون أكثر بمحصلة أقل، حتى يتحول جهد الموظف إلى الحصول على ترقية بعد الأخرى في السلم الوظيفي، بأي طريقة كانت، بما فيها التملق لرؤسائه، فيما يلجأ آخرون إلى اعتبار العمل الحكومي كضمان اجتماعي ويضعون جهدهم خارج ساعات العمل في عمل خاص.

علاج هذه المشكلات يحتاج إلى جهود جبارة لإشعار الموظفين الحكوميين في جهاز ضخم بأنهم يؤدون في الحقيقة عملا ذا قيمة، وإعادة تحليل الأنظمة الإدارية بحيث تكون قائمة على الأهداف وليس على المهام، وأن يتم تقييم هذه المهام بشكل عادل، وإيجاد أنظمة تمنع سيطرة المديرين غير المنطقية، وأنظمة أخرى تكافئ أو تعاقب الموظف على قدر إنجازه أهدافه آخر العام، وهذه أنظمة ليست جديدة, كما هو معلوم, بل مطبقة بشكل واسع في الشركات الكبرى في كل مكان.

بكلمات أخرى، تحتاج الإدارات الحكومية إلى أن تتحول إلى أنظمة مختلفة، تشبه أنظمة الشركات، لكن الفارق هنا، وهو فارق كبير طبعا، أن الشركات تضع أهدافها على أساس تحقيق الأرباح في آخر العام، بينما تضع الأجهزة الحكومية أهدافها على أساس خدمة المواطن بأفضل شكل ممكن في آخر العام.

سألت مديرا حكوميا بارزا عن أهم معايير الأداء والإنجاز السنوية التي يقاس بها عمل وزارته في آخر العام (ما يسمى الـ KPIs)، وضحك طويلا من سؤالي وكأنني إنسان لا أفقه شيئا مما أقول، أو أتحدث عن شيء لا يمت للواقع بصلة.

هناك تحد آخر ومهم، وهو كيفية السماح للموظفين غير الحكوميين بالخدمة العامة, لأن خدمة الوطن يجب أن تكون متاحة لكل الناس وليست حكرا على أشخاص بعينهم، وهناك حلول عالمية كثيرة توجد برامج يشارك فيها الناس كمتطوعين أو بدوام جزئي أو خلال سنوات محدودة في حياتهم كمستشارين مثلا، وتعمل هذه البرامج على مزج عاطفة الخدمة العامة مع الطاقات المميزة في المجتمع لتعمل ضمن الأجهزة الحكومية، لكن هذه الحلول ـ في رأيي ـ لا يمكنها أن تؤدي ثمراتها ما لم يتم إحداث ثورة إدارية في ضمن الأجهزة الحكومية لترتبط بالأهداف التي تتوزع من أعلى الهرم ضمن الجهاز الحكومي إلى أصغر موظف، وحينها يمكن ببساطة البحث عن دور لهؤلاء المتطوعين أو ''المتعاونين'' للمساهمة في تحقيق هذه الأهداف.

الوطن هو ما ينبغي أن تتجه إليه الطاقات التي تبحث عن وسائل خدمة الناس وخدمة الأمة، وهي طاقات ضخمة لو وجدت السبل الصحيحة للاستفادة منها بأكبر قدر ممكن.

المواطن الحقيقي إنسان عاشق ''يعطي'' وطنه ومجتمعه، عندما يجد الطريقة المناسبة لذلك.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

9 تعليقات

  1. خالد عبدالعزيز 1 (مسجل) (1) 2010-08-09 05:42:00

    شكر وتقدير للمبدع كعادته د.عمار
    موضوع مهم للغاية وفي الصميم
    في العبارة الاخيرة اذا تم غرسها في المواطن (50%) من المواطنين .. ستصبح دولتنا من الدول المتقدمة ..

    -1
  2. MISS (2) 2010-08-09 07:53:00

    المواطن الحقيقي إنسان عاشق ''يعطي'' وطنه ومجتمعه، عندما يجد الطريقة المناسبة لذلك.
    شكرا جزيلا . أتفق مع تعليق الأخ خالد تماما

    -1
  3. محمد سعد الغامدي (مسجل) (3) 2010-08-09 09:49:00

    خدمة الوطن التطوعية لا تكون الا من خلال تعزيز مؤسسات المجتمع المدني التي لا تهدف الى الربح اساسا والموجهة اصلا لخدمة الوطن. دخول الجهات الحكومية على خط التطوع يزيدها طينا على اباله ولسنا بحاجة الى ترزز المديرين اما كاميرات الإعلام بل نحن بحاجة الى كل غيور على وطنه بحيث يعمل ضمن اطار مؤسسي مدني.

    -1
  4. علي القحطاني (4) 2010-08-09 09:54:00

    الوطنية مثلها مثل المثل العليا والالتزام الديني اذا لم تنتقل عن طريق الوالدين يصعب ترسيخها و الالتزام بها. واعتقد بأنه من اسباب ترسيخ الوطنية في نفوس الكبار قبل الصغار حفظ الكرامه والاحترام للمواطن من قبل موظفي الدولة في الوزارات والجهات المعنية . كذلك توفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية التي هي حق لكل مواطن من جميع اطياف المجتمع. واعتقد بان افضل مقياس للوطنية هو قدرت المواطن على قضاء حاجياته الأساسية بدون واسطة.

    -1
  5. محمد سعد الغامدي (مسجل) (5) 2010-08-09 09:58:00

    من جهة اخرى بامكان كل انسان ان يخدم وطنه ليس بالفعل فقط وانما بعدم الفعل. على سبيل المثال عدم القاء القمامة من نافذة السيارة الى الشارع وعدم تعريض الممتلكات العامة للتخريب وعدم الوقوف بشكل خاطيء وعدم القيادة بتهور وعدم تجاوزه حقوق الآخرين بواسطة او خلافها انما هو امتناع وليس فعل... وهكذا. يمكن ان نخدم وطننا بالإمتناع عن الفعل المسيء بكافة اشكاله وليس فقط بالفعل الجيد. ليتنا نعزز هذا النوع من اللافعل لكي نخدم وطننا باقل مجهود!

    -1
  6. لافي حسين العنزي (6) 2010-08-09 10:41:00

    يقول الريئس الامريكي جون كيندي لاتسال ماذا يقدم لي وطني بل اسال نفسك ماذا انت تقدم لوطنك؟ والعمل التطوعي يعزاز روح الولاء والانتماء في احد الدول الخليجيه بشكل مستمر يقومون بحملات تطوعيه وافكار جدا جميله رغم عدم المشاركه الفعاله من قبل الشباب والبنات بس يكفي روح المبادره. دكتور عمار كيف استفيد من الفيس بوك والمواقع الاجتماعيه الاخرى من اعمل وادعو للعمل التطوعي وتحياتي لك

    -1
  7. خريجي (مسجل) (7) 2010-08-09 11:56:00

    العمل التطوعي أو الخدمة العامة جزء من الثقافة المجتمعية حين يشعر المواطن و المواطنة انهما عنصران لهما قيمة! حين تشعر بقيمتك كإنسان يتمتع بحريتة الشخصية يكون العطاء! وكما يقول المثل: بيتك- الوطن- حيثما تجد قلبك!
    مفهوم الخدمة العامة ياسادتي مغيب من إرثنا الثقافي لاننا لانملك ذرة إنتماء! نحن نشعر أن تلكم الأعمال هي من مهام "الرعاع والدهماء" أو كأضعف الإيمان من مهام المؤسسات المدنية.

    -1
  8. أبو خالد (8) 2010-08-09 15:24:00

    أخدم وطني بانتشال المنحرفين والعمل على إصلاحهم... كما وجه البعض طاقته كلها لإصلاح المواطن لورانس ونجحوا في ذلك.. بل حولوه بين ليلة وضحاها إلى مصلح اجتماعي.. وصار مربيا للمجتمع

    -1
  9. احمد (9) 2010-08-09 17:48:00

    تربيه اجيال تؤمن بالقوميه السعوديه

    -1
التعليق مقفل

السيرة الذاتية

مدير الإعلام الجديد، مجموعة MBC

ammarba@yahoo.com

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات د. عمار بكار