التقدم التقني .. بين مناهج البناء ومناهج الترميم

|
في زماننا هذا تتسابق العلوم بكل تخصصاتها مع بعضها بعضا وكأني بكل تخصص يريد أن يستأثر بنسبة العصر إليه، فهل نحن في عصر الصناعة أم في عصر المعلومات أم في عصر الاتصالات أم الطب أم النانو أم ماذا؟! يصعب التحديد، ولكن يمكننا أن نجمع كل ذلك في مسمى ''عصر العلم''، فكل العلوم النافعة أياً كان مجالها علوم ربانية سخرها عالم الغيب والشهادة لمن اجتهد في طلبها، وهي خير ومصدر قوة وبناء للفرد والمجتمع والأمة ففي حديث أبي الدرداء عن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أنه قال: ''إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر''، لا شك أن الأمم التي تهيمن على العالم الآن قد أخذت بهذا السبيل ـــ سبيل العلم ـــ وتنافست فيه وما زالت تتنافس وهذا سر تفوقها ومكمن قوتها بدءاً من الولايات المتحدة إلى روسيا إلى اليابان والصين وغيرها من الدول ذات النفوذ والقوة، هذه الدول لم تهتم بعلوم الصناعة فقط بل اهتمت بكل جوانب العلم بدءاً بلغتها الوطنية وقيمها ومبادئها التي تعتز بها وتعمل على نشرها عالمياً، وامتداداً إلى كل المجالات الأخرى في الإدارة والسياسة والاقتصاد والصناعة والطب وغيرها، لذا تجد أفضل الكتب ومصادر التعلم في جميع العلوم عدا علوم الشريعة الإسلامية هي من تلك الدول، بل حتى بعض من علوم الشريعة تفهرس وتطبع بشكل أفضل وأجود هناك ـــ كما حدث مع ''المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي'' الذي ترجمه العلامة محمد فؤاد عبد الباقي ـــ رحمه الله ـــ عن كتاب ''مفتاح كنوز السنة'' لفنسك أستاذ اللغات الشرقية في جامعة لندن (عام 1352هـ)، وكذلك الحال مع ''المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم'' الذي ترجمه عن كتاب ''تفصيل آيات القرآن الكريم'' لجول لابوم عن الفرنسية (عام 1353هـ) كما ورد في موقع ''إسلام أونلاين''، خلاصة الكلام هنا أن الدول المتقدمة رغم حرصها بشكل واضح للجميع على الحفاظ على لغتها وإرثها الثقافي حتى وإن غلبت عليه الأساطير، وحرصها على نشره لم يَحول ذلك دون بنائها مواردها البشرية تقنياً بالشكل الذي يُؤهِلها للابتكار والبناء والإبداع وبطبيعة الحال للصيانة والترميم بعد ذلك لكل ما يمكن أن تَصنع وتُنتِج تلك العُقول المُبتكرة والأيدي الماهرة المُنتجة. كَثُرَ الكلام في السنوات الأخيرة وما زال عن تركيبة ومحتوى مناهجنا في التعليم العام خصوصاً وعلاقتها بضعف التأهيل التقني عموماً في مواردنا البشرية فتحول النقاش في معظمه إلى وسيلة للصراع و''محاولة كيل التهم للآخر'' والصيد في الماء العكر بين ما يسمى بالتيار المحافظ و''التيار الليبرالي''، وقد وجد ''التيار الليبرالي'' في هذا فرصة لضرب خصمه عبر المطالبة بإلغاء أو تقليص مناهج اللغة العربية ومناهج الشريعة الإسلامية باعتبارها تُزاحم مناهج العلوم العصرية وفي مقدمتها ''اللغة الإنجليزية!!''، وفي المقابل أوجد هذا ردة فعل مندفعة قليلاً لدى فئات من المحافظين بكيل التهم والمؤامرات، وبالتالي رفض التطوير في المناهج ـ وفي هذا وذاك تجن وخروج عن أصول الحوار والنقاش والبحث عن الحلول المتزنة والمناسبة وتغاضي عن أهمية الإصلاح الحقيقي النابع من غيرة وطنية حقيقية تحافظ على قيم الوطن المسلم ومبادئه الراسخة وتأخذ بأسباب العلم العصري كمصدر من مصادر عمارة الأرض وتنمية وبناء الوطن والإنسان ومصدر للقوة التي أمرنا ديننا بها لتكون سبباً ـــ بإذن الله ـــ يحمينا من أعدائنا ويكفينا شرهم. قال تعالى: ''وأعدُّوا لهُم ما استَطعتُم من قُوة ..'' الآية (60) من سورة الأنفال، وأي قوة أعظم بعد قوة الإيمان، من قوة العلم النافع بكل أشكاله وأنواعه. ولنا في تاريخنا عبرة وحكمة وفي اليابان وكيف استطاعت بالعلم والعمل النهوض من هزيمتها وجرحها الأليم بعد قنبلتي الدمار الشامل الأمريكتين عليها لتصبح إحدى أقوى الدول اقتصاديا وتقنياً وسياسياً. لا شك في أن هناك خللا في تركيبة مناهجنا عموماً كما أن هناك خللا في القدرة على تدريس تلك المناهج رغم الدعم السخي من قيادة هذه الدولة المباركة للتعليم عموماً، الذي لا يجاريه دعم في أي دولة أخرى. وهذا واضح في البنية التحتية للجامعات والمدارس ومجانية التعليم في كل مراحله والكتب في مراحل التعليم العام والمكافآت الشهرية لطلاب المعاهد والجامعات، والآن في منح وبرامج الابتعاث وكراسي الأبحاث وغيرها، ورغم ذلك كله فما زلنا غير قادرين على البناء التقني ـــ الابتكار والتصنيع والإنتاج ـــ وبالكاد نستطيع صيانة وترميم ما نستورده من منتجات تقنية من الخارج! أو نقوم بتجميعها فيما تسمى مصانعنا الوطنية التي في معظمها تتجاوز نسبة العمالة الأجنبية وخصوصاً ''الشرق آسيوية'' 80 في المائة في المجال الهندسي والفني، فأين إذاً مكمن الخلل في تلك المناهج؟ ولماذا لا تتجاوز قدراتنا عموماً حالة الصيانة والترميم إلى الابتكار والبناء؟ ختاماً: أنا أجزم بأن الإجابة الأفضل لهذين السؤالين هي عبر التفكير والحوار الجماعي العميق المبني على تجربة وممارسة وتقييم وتحليل وعلى حوار حضاري صادق يهدف لبناء الوطن ويضع المصالح والنظرات الشخصية الضيقة بعيدا، ويُغلب مصلحة الوطن ثم الوطن ثم الوطن، وتحت مظلة الوطن ينعم الجميع ويسعد، ثم أجزم بأن المحافظة على ثوابت اللغة والدين في التعليم هي داعم قوي وأصيل للتعليم عموماً وللتقدم الحضاري خصوصاً، ولا تعارض بينها ـــ كما أوضحت في مقدمة المقال بالأمثلة ـــ وبين تعزيز وتطوير التعليم في مجالات العلوم والتقنية بمجالاتها كافة، وبناء على ذلك أترك مناقشتي لِسُؤالَي هذا المقال في المقال القادم ــــ إن شاء الله ــــ بعد أن أتلقى أيا من مقترحاتكم أو تعليقاتكم عليها عبر بريدي الإلكتروني الموضح أعلاه. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها