أبناؤنا والجامعة .. بين تحديد الوجهة وتغيير المسار

|
تبدأ الجامعات والكليات في المملكة هذه الأيام في استقبال خريجي المرحلة الثانوية (بنين وبنات), ومعها تبدأ الحيرة في اختيار الجامعة واختيار التخصص ثم يبدأ القلق يتغلغل في نفوس كثير من هؤلاء الشباب حول إمكانية القبول في الجامعة وفي التخصص الذي تقدموا له. ومن مشاهدتي أرى أن كثيرا من شبابنا لا يدرس في التخصص الذي يناسب ميوله ومواهبه، فكثير منهم لم يتعود اتخاذ القرار في الأمور الحاسمة في حياته بنفسه, إنما كان الاعتماد دائماً على الأبوين أو أحدهما. ومن جهة أخرى, فالجامعات عندنا لا تعتمد طريقة علمية صحيحة ــــ في رأيي ــــ لفرز الطلاب وتوجيههم لتخصصاتهم, فهي تفرز بناء على مقدار نسبة الثانوية سابقاً والآن تعتمد على النسب الموزونة بين نسبة الثانوية ونسب القدرات والتحصيلي أو القياس, وكل هذا تحدده الطاقة الاستيعابية للأقسام والكليات، ولا ننسى أن هذا كله يمكن أن تنسفه نتيجة السنة التحضيرية للأقسام العلمية التطبيقية مثل التخصصات الصحية والطبية والهندسية, التي تعتمد في الأخير على نتيجة السنة التحضيرية وحدها. المفارقة هنا أن أكثر تخصص يمكن أن يناسب مواهب الطالب ويفجر قدراته على الإبداع يمكن ألا يتطلب هذه النسب وهذا الجهد كله، فالطالب الحاصل على معدلات ونسب تؤهله للقبول في كلية الطب يمكن أن يكون تخصص المحاسبة مثلاً هو الأحب والأقرب إلى ميوله والأنسب لمواهبه وقدراته، ومن هنا تأتي أهمية اختيار الطالب تخصصه بنفسه بعناية بغض النظر عن رغبة من حوله أو تعقيدات القبول وغيرهما، ومن ثم البحث عن فرص دراسته في هذا التخصص في كل الجامعات والكليات الجيدة المعترف بها من التعليم العالي, التي تتسابق قطاعات الأعمال على استقطاب خريجيها. لقد دفعني لكتابة هذا المقال ما أتلقاه كل فترة قبول من بعض الأقارب أو الزملاء والأصدقاء من أسئلة واستشارات لأبنائهم أو إخوتهم حول أفضل الجامعات أو أفضل التخصصات لهم رغم أني لم أعمل قط في إدارات القبول والتسجيل أو في حقل الإرشاد الطلابي، وهذا يدل بشكل جلي على أن اختيار التخصص لكثير من الطلاب يتم بواسطة أولياء أمورهم، ويدل على الضعف العام في قدرة أكثر هؤلاء الطلاب على معرفة ميولهم الدراسية والتخصصية، وهذا ــــ في نظري ــــ يتطلب ما يلي: أولاً: ينبغي لوزارة التربية والتعليم توجيه المدارس الثانوية بإعطاء دورات تدريبية قصيرة أو على الأقل محاضرات ولو ضمن برامج النشاط الطلابي أو بعد صلاة الظهر من بعض الأيام في نهاية كل عام دراسي حول مهارات اختيار التخصص. ثانياً: ينبغي للجامعات قبل كل ''فترة قبول'' عقد دورات تدريبية أو محاضرات مجانية للطلاب القادمين ''حول مهارات اختيار التخصص'', ويمكن أيضاً تنظيم الجامعات والكليات أياما مفتوحة للطلاب والطالبات وأولياء أمورهم للتعرف على الجامعة عن قرب ومعرفة تخصصاتها وماهية هذه التخصصات ومحتواها النظري والعملي والإجابة عن تساؤلاتهم، هذا ما يتم في معظم الجامعات العريقة عالمياً، وأعجبني حرص جامعة الأمير سلطان مثلاً في الرياض على هذا النهج. ثالثاً: ينبغي على الطالب التعرف على التخصص الذي يوافق ميوله الحقيقية ويتناسب مع قدراته الشخصية ومع مواهبه, ولهذا توجد أدوات واختبارات منوعة علمية يمكن للطالب بها قياس رغبته وميوله نحو الدراسة أو العمل في تخصص معين وقياس مقدار ذكائه وقدراته الذهنية أو النفسية, ويمكن البحث في هذه الأدوات وتجربتها أو استشارة المختصين فيها، كما عليه أن يفتش في مواقع تلك الجامعات على الإنترنت للبحث عن الخطط الدراسية للتخصصات المتاحة له في الجامعة والمواد الدراسية التي تعطى فيها وعدد الساعات وغير ذلك من المعلومات المفيدة في هذا المجال. هناك كثير من المراجع وكثير من الكتابات المتفاوتة في طرحها حول شروط الاختيار الجيد للتخصص الدراسي الناجح، ومن وجهة نظري حسبما قرأت وجربت, يمكن حصرها في ثلاثة شروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن تختار التخصص الذي تحبه وتحب العمل في مجاله ــــ لأنك إن لم تفعل في الغالب إما ستغير مسار تخصصك أثناء الدراسة أو بعد التخرج والعمل, وإما ستظل تعمل في تخصص لا تحبه, وبالتالي تكون غير مرتاح نفسياً وضعيف الإنتاج نسبياً. الشرط الثاني: أن يكون العمل في هذا التخصص متوافرا ومطلوبا ويمكنك العمل فيه في بلدك خاصة، فليس من المناسب مثلاً اختيار تخصص يخرج الآلاف سنوياً فيما لا تتوافر له إلا عشرات الوظائف. الشرط الثالث: أن تتوافر معه ظروف الاستمرار في التعلم وتطوير الذات لمن يطمح دائماً إلى الأفضل ويتوق دائماً للتميز والعطاء. كثير من الطلاب بسبب سوء اختياره أو الاستعجال فيه بعد فترة من الدراسة يقوم بتغيير تخصصه فيخسر كثيرا من الجهد والمال ومن الوقت الذي أمضاه في دراسته السابقة, والبعض يغيره بعد التخرج, والبعض ربما بعد سنوات من العمل. أعجبني مقال للكاتبة في جريدة ''الرياض'' هيــام المفـلح تم نشره في 4 شعبان 1431هـ بعنوان ''جرأة تغيير المسار .. مهارة نخشاها'', وهي تستفتحه بجملة ''تذهلني قدرة بعض الناس على تصحيح مسارات حياتهم أو مواقفهم .. بالشكل الصحيح والوقت الصحيح!'', وهي تصف الجرأة في تغيير التخصص بعد دراسة متأنية ومتزنة كمثال من الأمثلة المطروحة في مجالات تصحيح المسار بالإيجابية, وتذكر أن تصحيح المسار عموماً يلعب ''دوراً مهماً في قلب حياة الشخص رأساً على عقب، ما قد يزيد في سعادته ونجاحه ويشعل جذوة طموحه وأمانيه المدفونة في أخيلة العمر الماضي''. إني أتذكر كثيرا من هذه الصور والأمثلة في حياة بعض الأصدقاء أو زملاء الدراسة، منصور غير تخصصه بعد عام من الدراسة, بل غير الجامعة معها، وفيصل بعد البحث عن وظيفة مناسبة لستة أشهر بعد التخرج رغم تفوقه في هندسة الإنتاج ذهب ليدرس من البداية إدارة أعمال في جامعة أخرى! ومنصور آخر! بعد عمله لمدة عام في إحدى الشركات عاد ليدرس ويتخرج في كلية الشريعة، وهنا أيضاً كانت لي تجربتي الخاصة فبعد حصولي على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية والعمل في تدريسها لخمسة أعوام غيرت مجال عملي في برمجة تطبيقات الويب وإدارة مشاريع الخدمات الإلكترونية ثم بعد ستة أعوام من العمل في هذا المجال درست وحصلت على الماجستير في علوم الحاسب (نظم البرمجيات)، لقد كان تغيير التخصص من بدايته إلى الآن بالنسبة لي منعطفا في حياتي أسعدني في مجال عملي وزاد كثيراً من قدرتي على العطاء. ختاماً، إن الاختيار الصحيح والسليم للتخصص والتمكن من دراسته أفضل بكثير من تغيير التخصص أو تصحيح المسار, فالعمر كما يقال ''قصير فلا تقصره بالأكدار''.
إنشرها