الضوابط الشرعية والمصرفية في القرار الائتماني

|
تزداد أهمية المصارف الإسلامية يوماً بعد يوم في عالمنا الإسلامي، إذ أصبحت تعبر عن مستوى من النضج والتقدم الاقتصادي للدول الإسلامية، باعتبارها صورة من صور الاستقلالية الاقتصادية عن النظم الغربية، وكلما ازدادت إمكاناتها ونشاطاتها المالية انعكس ذلك على الاقتصاد والمجتمع، وهي بذلك تعدُّ عصب الاقتصاد ومحركه الرئيس، لأنها تحفظ الأموال وتحركها وتنميها وتخطط في استثمارها، وكما هو الحال في المؤسسات المصرفية التقليدية، فإن البنوك الإسلامية تسعى بدورها هي الأخرى إلى التقليل من مخاطر تعثر العمليات التمويلية والاستثمارية التي عقدتها مع الغير، من خلال إجراء دراسات تسبق قرارات التمويل. يهدف القرار الائتماني في المصارف الإسلامية إلى دراسة الجدارة الائتمانية للعميل وكفاءة إدارة نشاطه والتأكد من صحة المعلومات والبيانات المقدمة من طرف العميل حول شخصيته ونشاطاته وجميع تعاملاته المالية والاقتصادية، وهي بذلك تُعنى بالدرجة الأولى بدراسة طالب التمويل ومؤسسته دون التطرق إلى دراسة العملية محل التمويل بصفة مباشرة، وقبل المضي في دراسة جدواها (القرارالائتماني) . إن للقرار الائتماني في المصارف الإسلامية أبعادا أخرى تختلف عنها في البنوك التقليدية من خلال مراحلها وضوابطها التمويلية, حيث إن ممارسات المصرف الإسلامي لها ضوابط ومميزات تجعلها مختلفة عن نشاطات غيره من البنوك الأخرى، ويقصد بضوابط التمويل الإسلامي, القواعد والمبادئ التي يجب أن يعمل مالك رأس المال (المصرف الإسلامي), أي متخذ القرار الائتماني, على أن يحققها وهو يقوم بمنح التمويل اللازم لعميله طالب التمويل. ومن ضوابط التمويل المهمة في نظام المصرف الإسلامي الائتماني: الضوابط الشرعية والضوابط المصرفية. ويقصد بالضوابط الشرعية التزام العمليات التمويلية بجميع حدود القواعد والأحكام الشرعية لاستثمار الأموال وتشغيلها، وأن تراعى حتما نظرة الشرع الحنيف في المعاملات المختلفة، ومراتبها بين الحلال والإباحة، والتحريم والكراهية، وبالأحكام الخاصة بالعقود محل التعاقد. لقد وضع الإسلام قنوات معينة لاكتساب الأموال، وأكد أن تكون من الحلال الطيب، فالأموال التي تأتي بالطرق غير الشرعية مرفوضة تماما، فالإسلام حدد القواعد لمعرفة المال الشرعي، ورسم الطريق للوصول إليه، ووضع القواعد والمبادئ لتملكه وإنفاقه وتنميته، ومن أهم هذه المبادئ تحريم الربا والميسر ومنع جعل المال وسيلة للإضرار بمصالح الناس. ونظراً إلى أن المصارف الإسلامية تتعامل وفق الحدود والقيود التي جاءت بها الشريعة الإسلامية فمنعتها من التعامل مع الأنشطة التي فيها رباً أو غرر أو جهالة أو غير ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، أو الإضرار بالمسلمين وانتهاك حرماتهم أو إضرار المسلمين خاصة وبالبشرية عامة في حياتهم وأخلاقهم وضرورات حقوقهم، وغير ذلك ممن حُرمـَتُه معلومة لدى المسلمين وكذلك شركات القمار والميسر، وما ذكر ليس حصرا وإنما كل نشاط محظور في المنشأة. كما تعمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على تعبئة الموارد المالية المتاحة وتوجيهها إلى الاستثمارات التي تخدم أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفق صيغ تمويلية لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. أما الضوابط المصرفية فيقصد بها ألا يتعارض المشروع المقترح من طرف العميل مع استراتيجية وإمكانات المصرف الإسلامي وأهدافه، المتمثلة في: 1 ـ أهداف شرعية تلتزم من خلالها المصارف الإسلامية بتحقيق مقاصد الشريعة واستخدام وسائل في العمل تتلاءم معها، عن طريق توظيف المصارف الإسلامية مواردها بالشكل الذي يحدث الموازنة بين تحقيق الربح الاقتصادي والربح الاجتماعي. 2 ـ أهداف استثمارية من خلال توظيف الموارد المالية المتاحة من طرف المدخرين وفق صيغ تمويلية إسلامية تعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع. 3ـ إلى جانب الأهداف الأخرى المتمثلة في الربحية المثلى والنمو والحصة السوقية، وعدم تعارض المشروع المقترح من طرف العميل مع استراتيجية المصرف الإسلامي في توظيف موارده وإمـكاناته المالية . ومما لا شك فيه أن الضوابط الشرعية والمصرفية لاتتعارض، إذا أخذت المصارف الإسلامية بها، فلا يوجد ما يمنع المصرف الإسلامي من المشاركة في بناء المجتمعات الإسلامية وتطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة ما دام ذلك ضمن الضوابط الشرعية, وفي الوقت نفسه يتمكن المصرف من تحقيق حجم مقبول من الربحية يجعله قادرا على النمو والاستمرارية وتوزيع حصص الأرباح على المضاربين وأصحاب رأس المال من المشاركين. إلا أن سلامة القرار الائتماني تتأثر بنوعية التمويل وحجمه من ناحية، ونوعية المشروع والجدارة الائتمانية للعميل، ما يستدعي توافر البنية التحتية الملائمة من موظفي الائتمان الذين يتميزون بالعلم الشرعي والمصرفي حتى تكون قرارات التمويل في إطارها الصحيح ولا تتعرض المصارف الإسلامية بشكل عام إلى أزمات غير محسوبة.
إنشرها