التعليم والتدريب .. أمام تداخل الاختصاص وضعف التكامل

|
لا أظن أن أحدا من المختصين يجادل في أهمية تكامل التعاون بين محاور التعليم والتدريب الثلاثة وهي: التعليم العام, التعليم العالي, والتدريب التقني والمهني, في دفع عجلة التنمية مجتمعة عبر تأهيل القوى البشرية علمياً وعملياً في شتى الاتجاهات، ووعت الدولة ــ رعاها الله ــ هذه الأهمية منذ بداياتها في عصر مؤسسها الملك عبد العزيز ــ رحمه الله ــ حيث أمر بإنشاء مديرية المعارف العامة عام 1344هـ وفقاً لكتاب التعليم العام في المملكة العربية السعودية لحمد بن إبراهيم السلوم، وعملت مديرية المعارف بالتعاون مع مجلس المعارف الذي تم تشكيله عام 1346هـ على إنشاء أول نظام تعليمي في المملكة. ولأن لكل عصر ظروفه, فإن ذلك يتطلب تقييم مؤسسات الدولة باستمرار وتطويرها وفقاً لهذا التقييم أو إعادة هيكلتها بما يخدم المصلحة العامة ويزيد من كفاءتها وجودتها، لذا فقد تم تحويل مديرية المعارف إلى وزارة المعارف عام 1373هـ برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ــ رحمه الله ــ كأول وزير لها، ورغم اهتمام هذه الوزارة بافتتاح وإدارة المدارس والمعاهد بشتى مراحلها وتخصصاتها, فقد تمت إعادة تقييم الوضع، ثم تأسيس وزارة التعليم العالي عام 1395هـ لتعنى بمراحل التعليم الجامعي (ما بعد الثانوي)، ثم في عام 1400هـ تم تأسيس المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني لتهتم بالتعليم والتدريب المهني, خصوصاً ما قبل الثانوي عبر المعاهد المهنية مع بعض المعاهد الثانوية المهنية, إضافة إلى التدريب على رأس العمل, وكانت صغيرة بما يكفي للسيطرة على أعمالها وتطوير مخرجاتها دعماً للتنمية عبر احتضان وتأهيل من يتسرب من التعليم العام أو الجامعي رغبة في اختصار الزمن والحصول على وظيفة يعول بها نفسه أو أهله، لذا فقد كان التكامل بين تلك المؤسسات الثلاث جيدا حتى تم إنشاء أول كلية تقنية لتمنح درجة الدبلوم الجامعي، فبدأت هنا تتداخل الصلاحيات بدلاً من تكاملها. ورغم اجتهاد المسؤولين في المؤسسة العامة للتعليم الفني آنذاك في الجمع بين متطلبات التعليم الفني والتدريب المهني في الثانويات الصناعية والتجارية والصحية والزراعية وكذلك في الكليات التقنية التي كانت تطبق معايير التعليم العالي في كادر أعضاء التدريس الذي كان يشترط درجة دكتوراه في تدريس المواد النظرية ومعيد أو محاضر في التدريب في المعامل والورش، إلا أن هذا خلق كثيرا من الشد والجذب بين المؤسسة العامة والوزارات ذات العلاقة بهذه التخصصات كوزارة التعليم العالي ووزارة الصحة وغيرها في تداخل الصلاحيات وتضارب المعايير العامة بينها، لذا منذ ذلك الحين حتى الآن لم تعترف الجامعات السعودية بدبلوم الكليات التقنية كدبلوم جامعي يحق لبعض حملته وفقاً لشروط قبول منطقية إكمال دراستهم في هذه الجامعات, في حين يتم الاعتراف به من معظم الجامعات العريقة حول العالم! ولئن كانت هذه المؤسسات الثلاث تعمل بكل تفان في نظر من يعرفها من كثب وتحاول جاهدة تطوير كوادرها وخططها وهياكلها، فمن الطبيعي أن يظل هناك دائماً مواطن نقص تحتاج إلى تكملة ومواطن ضعف تحتاج إلى تطوير, إذ إن هذا من طبيعة أعمال البشر، وأنا هنا أعتقد كما يعتقد كثيرون غيري أنه قد حان الأوان للأخذ في الاعتبار في هيكلة هذه المؤسسات الثلاث منع أو تقليل التداخل الحالي في الاختصاص وتضارب المسؤوليات بالشكل الذي يقلل من كفاءة العمل وتكامله، وحتى يتم التوضيح أكثر لا بد من التأمل في التطورات التي تمت في السنوات الأخيرة على هذه المؤسسات الثلاث, وبشكل خاص ما يتعلق بما يمكن أن أسميه ـ حسب رأيي الشخصي ـ مشروع عملية زيادة الاختصاص وتطوير التكامل بين قطاعات التعليم والتدريب: أولاً: التعليم العام: كل عام يتمخض بمزيد من التغيرات في إطار جهود وزارة التربية والتعليم لتطويره ليكون أكثر تخصصية مع الحفاظ على كونه عاما فيتيح للطالب مبكراً التأهل لتخصصه الجامعي مع قدرته على الاندماج في حالة تغيير المسار الجامعي إذا ما ثبت له خطؤه في تحديد المسار المناسب، وتم تطوير الخطط الدراسية للمرحلة الثانوية لتتضمن برنامجا مشتركا من مقررات المرحلة يدرسه جميع طلاب المرحلة، وبرنامجا تخصصيا ذا مسارين يستطيع الطالب أن يحدد اختياره منهما (مسار العلوم الإنسانية/الأدبية ومسار العلوم الطبيعية)، مع وجود برنامج اختياري يتضمن عددا من المقررات الدراسية التي تدعم كل مسار من المسارين الرئيسين بمزيد من المواد المتخصصة, وهناك النظام المطور قيد التجربة بما يوحي بنقلة نوعية ـ إن شاء الله ـ لهذا القطاع. ثانياً: التعليم العالي: وهو أيضاً يزمجر بثورة من التطوير في عهد خادم الحرمين الشريفين نتج عنه حتى الآن عشرات الآلاف من الخريجين في جميع التخصصات العامة والدقيقة من أفضل الجامعات العالمية، والتطوير المطرد في الجامعات الوطنية, الذي شمل إعادة هيكلة بعضها وإنشاء أخرى جديدة، ولعل في فصل عدد من الكليات من الجامعات الكبرى المتضخمة كجامعة الملك سعود ودمجها في جامعات جديدة فكرة رائعة للحفاظ على رشاقة جامعاتنا العريقة والحد من تشتت الجهود, وكذلك مساعدة الجامعات الجديدة في سرعة النهوض والتطور. ثالثاً: التدريب التقني والمهني, وهو بدوره يتطور بشكل كبير منذ سنوات، ومن أهم جوانب هذا التطور إعادة تصنيفه الوظيفي ضمن كادر جديد خاص في محاولة لجذب الموظفين ذوي الكفاءة العالية في التخصصات الإدارية والأكاديمية كافة، وفي نظري أن أهم التطورات التي تمت في المؤسسة هي التوسع في خلق شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص عبر إنشاء معاهد متخصصة ذات طابع مهني بحت لدعم المصانع والشركات الوطنية بكوادر وطنية مؤهلة ذات تأهيل احترافي يتناسب بشكل كامل مع متطلبات سوق العمل التي تشارك بشكل مباشر في صياغة برامجه عبر هذه الشراكة، وبالتالي يضمن انخراط الخريج في العمل الخاص فور تخرجه في تلك المعاهد، ومن أمثلة هذه المعاهد المعهد العالي للصناعات البلاستيكية والمعهد السعودي للإلكترونيات والمعهد التقني السعودي لخدمات البترول، وكثيراً ما نرى محافظ المؤسسة يفتخر, ويحق له أن يفتخر, بهذه المعاهد في سابقة متميزة في تاريخ المؤسسة وخطوة رائعة في الطريق الصحيح. مما ذكر أعلاه وبقليل من التأمل يمكن أن نرى أن بقاء المؤسسة العامة للتدريب التقني بهذا الشكل في ظل هذا التطور المستمر والتوسع الكبير في أنشطتها وفروعها سيزيد من تضخمها أكثر فأكثر ويقلل من جودتها النوعية والقدرة على السيطرة عليها إداريا, إضافة إلى تضارب الاختصاص بينها وبين التعليم العالي ممثلاً في الكليات التقنية التي تمنح دبلوما جامعيا وبكالوريوسا, وهما إطار أكاديمي بحت لمراحل الدراسة العليا (ما بعد الثانوي) حتى إن كان توجهها تقنيا فمعظم تخصصاتها تُدّرس في الجامعة من علوم هندسية وعلوم حاسب وسياحة وفندقة، حتى إن كان لكل مقرر تقني فيها ورشة أو معمل فهذا ما يطبق في جامعاتنا وكل الجامعات العالمية، وإلا فليتم ضم كليات الهندسة والطب التي يغلب عليها الجانب العملي التقني إلى المؤسسة بدلاً من الجامعات! كما تجدر هنا الإشارة إلى أهمية إسناد الإشراف الكامل على كل الجهات الخاصة التي تمنح دبلوما أو بكالوريوسا جامعيا إلى التعليم العالي فقط, وأن يتم الفصل بين الجهات التي تمنح تلك المؤهلات العالية وتلك التي تعطي دورات قصيرة (أقل من سنتين)، ومن جهة أخرى يمكن أن يضاف مسار ثالث من التخصص في المرحلة الثانوية التابعة لوزارة التربية والتعليم ليغطي العلوم التقنية إضافة إلى مسار العلوم الإنسانية ومسار العلوم الطبيعية، وبهذا الشكل لا تكون المؤسسة في حاجة إلى الثانويات الفنية المتخصصة كالصناعية أو التجارية، إن هذا سيجعل المؤسسة أكثر تخصصية في إدارة عمليات التدريب التقني على رأس العمل وتوفير البدائل من التأهيل التقني المتخصص والقصير للمتسربين من التعليم العام والعالي, وهذا بالتالي ما يتناسب مع اسمها الجديد الذي استبعد كلمة التعليم واكتفى بالتدريب, كما سيؤهلها مستقبلاً لعملية الخصخصة بما يتوافق أيضاً مع اسمها الذي ينتهي بكلمة Corporation. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المقال انعكاس لرأي شخصي يشاركني فيه كثيرون من المختصين من أصحاب التأهيل العالي والخبرة في كل جهات التعليم والتدريب الثلاثة, وكتب عنه لبعضهم قبلي بصور مختلفة، وهو لا يقلل بأي شكل من قدر وجهود المسؤولين فيها أو يشكك في إخلاصهم وعملهم بتفان لخدمة وبناء هذا الوطن، خصوصاً المؤسسة العامة للتدريب التقني, الذين هم جميعاً محل التقدير والاحترام, وأفتخر حقيقة بعملي معهم منذ أكثر من 15 عاماً. ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها