قوافل المبتعثين وتحديات ما بعد العودة (2)

|
لا شك أن ابتعاث الشباب السعودي بهذه الأعداد الكبيرة التي ربما تجاوزت أربعين ألفاً حتى الآن هو نوع من الاستثمار الرائع والمكلف في الوقت نفسه في مجال القوى البشرية مما يتطلب من وزارة التعليم العالي والوزارات ذات الصلة التنسيق لمتابعة مخرجاته ضمن خطة عمل استراتيجية تضمن تحقيق البرنامج أهدافه التنموية مستقبلاً وإلا فلن يؤتي هذا الاستثمار ثماره كما يطمح له مبدعه وداعمه الأول خادم الحرمين، حفظه الله، أو كما يطمح له المجتمع السعودي, فهل يوجد هذا النوع من التنسيق لمتابعة الخريجين والحرص على توظيفهم في مجال تخصصاتهم؟ بهذا التساؤل وبعض الأسئلة الأخرى تم ختم مقالي السابق حول الموضوع، الذي نشر في هذه الصحيفة النخبوية الغراء في عددها (5932) وتاريخ 21/01/1431هـ، و قد أرسلت الموضوع بكل تساؤلاته عبر «الاقتصادية» وبالفاكس وبالبريد الإلكتروني للجهة المعنية في وزارة التعليم العالي، فلم تصلني أي إجابة منهم ولكنها وصلت من خلال رسائل عدد من المبتعثين المتفاعلين مع المقال ومفادها أنه حتى الساعة لا يوجد أي تنسيق يذكر في هذا المجال كما لم يكن هناك أي نوع من التواصل معهم بعد تخرجهم لتقييم تجاربهم في الابتعاث، ومما يدعوني للدهشة أنه قبل ثلاثة أيام من كتابة هذا المقال قابلت أحد خريجي الماجستير من المبتعثين في الهندسة الميكانيكية، الذي أفاد بأنه تم توجيهه للعمل في إحدى الوظائف الإدارية التي لا تمت لتخصص البعثة بصلة، كما أخبرني مبتعث آخر يعمل في إحدى الوزارات حاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه بتميز في أحد التخصصات الدقيقة للهندسة الكهربائية بأنه تم توجيهه للعمل في إدارة المناقصات .. وغيرهم كثير!! والحقيقة رغم أن العمل في غير التخصص قد يكون مبررا أحياناً بالنسبة للمبتعثين ممن لا يشغلون وظائف حكومية - للضرورة لا غير والقبول المؤقت بوظيفة تسد الرمق - إضافة إلى أن هذه المشكلة تعتبر ظاهرة موجودة في كل دول العالم حتى المتقدمة منها، إلا أن ذلك غير مقبول أبداً لمن تم ابتعاثهم من جهات عملهم حيث تقتضي المصلحة منذ البداية اختيار التخصص ونوع الدراسة التي يحتاج إليها عمل المبتعث وهذا يعيدنا للسؤال مجدداً: لم تبتعثهم جهات عملهم في تخصصات علمية دقيقة ومهمة ومفيدة في مجال تنمية الوطن ثم بعد عودتهم تكلفهم بالعمل في وظائف إدارية؟! قد يظن البعض أني ألقي اللوم فيما سبق على التعليم العالي، والحقيقة هي أني أشيد باستمرار بجهود الوزارة في السنوات الأخيرة على التطوير المستمر لأعمالها وأشد من أزرهم وأدعو الله لهم بالتوفيق، إلا أني أتمنى منهم إكمال جهودهم الرائعة من خلال إنشاء إدارة أو مجلس يتابع الخريجين في الجامعات السعودية والمبتعثين للتأكد من التحاقهم بأعمال تتناسب مع تخصصاتهم ودرجة تأهيلهم وكذلك للتواصل معهم وتسجيل انطباعاتهم عن الدراسة ومدى رضاهم عنها وتقييمهم علمياً ومهارياً لقياس مدى نجاح مخرجات تلك الجامعات مما يساعد عملياً على الاستمرار في عمليات التطوير المنشودة لقطاعات التعليم العالي وبرامجه. يبقى هنا أن أشير إلى أن الخريج يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية تجاه إصراره ما أمكن على ممارسة عمله في مجال تخصصه الذي قد تغرب وأرهق نفسه وأهله لأجل دراسته ونفع الوطن به، كما تقع عليه المسؤولية تجاه محاولة نقل وتطبيق ما تعلمه في بعثته واكتسبه من مهارات في مجال منهجيات التطوير بشتى أنواعها إدارية كانت أو علمية، ولأن مجتمعاتنا كما هو حال كل المجتمعات لا تتقبل الشيء الجديد عليها بسرعة بل قد تقاومه أو تستميت في مقاومته فقد جاء سؤال الزميل المبتعث في المقال السابق عن الأسلوب العملي الأمثل الذي يستطيع باتباعه تطبيق ما تعلمه في تخصصه من علوم حديثة وأساليب أو منهجيات عمل رائعة غير مطبقة في جهة عمله دون أن يصطدم بزملائه أو مسئوليه، ومن وجهة نظري يمكنه تحقيق ذلك إذا ما نجح في اتباع وتطبيق الخطوات التالية: 1 - الحرص الشديد على التواضع أمام زملائه وكل العاملين معه لأن من تواضع لله رفعه. 2 - الحرص على دراسة أساليب العمل وإجراءاته المتبعة قبل طرح أي بديل أو فكرة تطوير ومناقشة زملائه حولها بطريقة لبقة تحترم أفكار وآراء الجميع فقد تكون هذه الأساليب والإجراءات منهجية وجديرة بالاحترام والحرص على اتباعها. 3 - محاولة نشر ثقافة التطوير والتغيير للأفضل وعكس المشكلات الموجودة بكل مصداقية وواقعية ودون تعصب وتشنجات نفسية أو أهواء شخصية. 4 - مشاركة الآخرين في النقاش وطرح الأفكار واتخاذ القرار وتعديل ما يراد تطبيقه من منهجيات إلى الشكل الذي يناسب الحال دون التغيير في جوهره. 5 - الصبر والإصرار على مواصلة مسيرة التطوير واحتساب هذا الجهد لله عز وجل، الذي أمرنا بأداء الأمانة على أكمل وجه فكلنا «راع ومسئول عن رعيته». ،، ودمتم بخير وسعادة.
إنشرها