العقار بين المضاربة والاحتكار

|
الجميع يتحدث عن تلك الأسعار الخيالية التي تتصاعد بشكل جنوني بين الفترة والأخرى للعقارات بشكل غير منطقي لا يخدم المصلحة العامة للوطن والمواطن، وهذا يشمل العقارات بكل أنواعها من أراض ومبان تجارية وسكنية، سواء للبيع أم للتأجير، فما السر الذي يقود الأسعار للارتفاع بهذه الوتيرة رغم ارتفاع نسبة التضخم في المعيشة وقلة ذات اليد لدى أغلبية المواطنين؟ ثم لِمَ هذه الارتفاعات تشكل خطراً يلوح في الأفق القريب على المواطن والوطن؟ لقد تأملت القضية كثيراً وبحثت عن أسبابها وناقشت فيها عدداً من المهتمين والعاملين في الشأن العقاري، ففي حين يمكن تبرير هذه الارتفاعات في وسط المدن، حيث تتمركز قطاعات التجارة والأعمال مع وجود بوادر طفرة استثمارية كبيرة في المملكة، كما يمكن تبريرها نسبياً للعقارات الاستثمارية في الأحياء، إلا أن الجميع يتفق على أن هذه الارتفاعات الكبيرة للأسعار غير مبررة تماماً للقطاعات السكنية في الأحياء خصوصاً في المناطق البعيدة عن وسط المدينة بل العكس صحيح من المفترض أن تنخفض الأسعار خصوصاً للفلل القديمة بعد نزول أسعار الحديد ومواد البناء وقلة الطلب الحقيقي للشراء، إلا أن هذه الارتفاعات تقودها عمليات احتكار عدد من كبار تجار العقار لكثير من الأراضي السكنية والأراضي الخام والتي تم تجميعها عبر فترة من الزمن بأبخس الأثمان خصوصاً ما تم شراؤه من أراض منحت للمواطنين باستغلال حاجتهم الماسة للمال، وفرض هؤلاء التجار لأسعار خيالية هم يطمحون لها دون النظر لأسعار السوق الحقيقية، ولأن الحاجة غير ملحة لديهم مع توافر السيولة الكبيرة فلا مانع لديهم من تكديس تلك العقارات لسنوات دون تخفيض أسعارها ريالاً واحداً!! كما أن هناك عمليات تدوير – مضاربة – وبيع على المكشوف Short Selling وبيوع وهمية بين بعض التجار وموظفيهم أو ذويهم بغرض فرض حالات سعرية جديدة للعقارات، ولئن كانت بعض هذه الصور من الغش والتدليس على الناس وأكل أموالهم بالباطل في أسواق المال تراقب نسبياً من قبل هيئة سوق المال وتتم معاقبة عدد ممن يثبت تورطهم، فهي في سوق العقار متاحة بشكل مفتوح دون رقيب أو حسيب!! إلا رب العالمين، والأدهى من ذلك رفع الإيجارات بشكل جنوني للمنازل والشقق والمعارض مع فرض تلك الأسعار بشكل إجباري دون النظر لحالات العرض والطلب ويدل على ذلك عرض كثير منها بأسعار خيالية مما يظل ما يقارب السنة أو أكثر دون إيجار أو تخفيض في الأسعار وهذا ما يحصر المواطن المسكين بين الصبر على نار الإيجارات والفرار إلى رمضاء التمليك عبر دوامة الاقتراض من البنوك أو شركات التقسيط!! وما يؤرق العقلاء والمهتمين بهذا الشأن من الغيورين على وطنهم أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل سلبي كبير في المواطنين ليس في سكنهم فقط بل حتى في استثماراتهم ومصادر أرزاقهم ففي حين يكتوي أكثر من 70 في المائة من السكان بنار الإيجارات المستعرة لا يزال أكثرهم يعاني مرارة وآثار نكبة الأسهم وما أكلته من مدخراتهم حتى أصبح كثير منهم غير قادر على دفع الإيجار، وقد تراكم عليه إيجار سنتين أو أكثر، أما في جانب الاستثمارات في المشاريع الصغيرة فقد أصبح الإيجار غير المنطقي للمعارض والمكاتب والذي يتجاوز أحياناً كثيرة 100 ألف ريال عائقا كبيرا أمام نجاح و استمرار تلك المشاريع التي في أغلب الأحيان لا يتجاوز صافي أرباحها دون حساب الإيجار عشرة آلاف ريال. ورغم أن الدولة ـ وفقها الله ـ كانت حريصة على حلحلة مشكلة الإسكان العامة للمواطنين وتوفير السكن المجاني أو الرخيص للأسر ذات الدخل المحدود من خلال دعم صندوق التنمية العقارية ومشاريع الهيئة العامة للإسكان ومنها ما أعلن أخيرا من أمر الملك ـ حفظه الله ـ ببناء ألف وحدة سكنية في العارضة وستة آلاف في أحد المسارحة وثلاثة آلاف في صامطة لنازحي جازان، إضافة إلى عدد من المشاريع السكنية السابقة في مناطق مختلفة من بلادنا الغالية، إلا أن هذه المشاريع على روعتها وأهميتها لا تكفي لحل مشكلة الإسكان مع وجود هذه الظاهرة السلبية من الاحتكار وما يصحبها من عمليات بيوع وهمية أو مضاربة وتدوير في وسط عقاري ضيق بغرض رفع الأسعار وتحقيق الثروة السريعة دون وجود هيئة أو جهة رقابية تضبط حركات المخالفة والغش ودون وجود أنظمة ولوائح تمنعها أو تحد منها حتى ولو كان عبر فرض ضرائب سنوية على قطع الأراضي الخام أو على صكوك الأراضي الإضافية التي لا يتم بناؤها لفترة زمنية طويلة في المدن للحد من الاحتكار وفرض مدد زمنية معقولة – ستة أشهر مثلاً – لا يسمح فيها ببيع العقار مرة أخرى بعد شرائه للحد من حركات المضاربة، كما يمكن إيجاد الكثير من الحلول النظامية الجيدة إذا ما تمت مناقشة الموضوع مع خبراء الاجتماع والاقتصاد والمثقفين بشفافية وبعيداً عن الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية الضيقة.
إنشرها