تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الثلاثاء 1430-11-15 هـ. الموافق 03 نوفمبر 2009 العدد 5867
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1633 يوم . عودة لعدد اليوم

الديموغرافيا والنمو والبيئة

انخفاض معدلات الخصوبة

في وقت ما في السنوات القليلة المقبلة، سيصل العالم إلى نقطة تحوّل (إذا لم يكن قد وصل إليها بالفعل): ستنجب نصف البشرية عددا كافيا فقط من الأطفال لاستبدال نفسها. وهذا يعني أن معدل الخصوبة في نصف العالم سيصل إلى 2.1 أو أقل. ويعد هذا ''مستوى إحلال الخصوبة''، الرقم السحري الذي يتسبب في إبطاء تكاثر سكان العالم واستقراره في النهاية. ووفقا لشعبة السكان في الأمم المتحدة، كان 2.9 مليار شخص من أصل 6.5 مليار يعيشون في دول عند أو أقل من هذه النقطة في الأعوام ما بين 2000-2005. وسيزيد العدد إلى 3.4 مليار شخص من أصل سبعة مليارات شخص في السنوات الأولى من 2010 وإلى أكثر من 50 في المائة في منتصف العقد المقبل. ولا تشمل هذه الدول روسيا واليابان فقط، بل أيضا البرازيل وإندونيسيا والصين، بل وحتى جنوب الهند.

يعد هذا الانتقال إلى مستوى إحلال الخصوبة أحد أكثر التغيرات الاجتماعية إثارة للاهتمام في التاريخ. وقد تجلى هذا الانتقال في المظاهرات العنيفة التي نظمها الطلاب ضد الحكام من رجال الدين في إيران هذا العام. فلا شك أن هذا الانتقال أسهم في زيادة أعداد الناخبين من الطبقة الوسطى الذين دعموا الحكومات الحالية في إندونيسيا والهند. ويظهر هذا الانتقال في المناطق الريفية في ماليزيا، في القرى الأكثر ثراء والأقل ازدحاما بالسكان التي تحيط بها مزارع مزودة بالآلات. ويسهم هذا الانتقال في كل مكان في تغيير الحياة العائلية التقليدية عن طريق تمكين النساء من العمل والأطفال من التعليم. وفي الوقت الذي تدق فيه أجراس الإنذار المالثوسية (نظرية مالثوس القائلة إن عدد السكان يتزايد بنسبة تفوق ازدياد الموارد الغذائية وبأن النسل يجب أن يحدد) بسبب الضغوط البيئية، قد يوفر انخفاض معدل الخصوبة قدرا من الاطمئنان فيما يتعلق بالاتجاهات السكانية العالمية.

إن معدل الخصوبة معدل افتراضي، فهو عدد تخميني تقريبا. وهو يختلف عن معدل المواليد، أي عدد الأطفال المولودين في عام معين كنسبة من مجموع السكان. إلا أن معدل الخصوبة يمثل عدد الأطفال الذين من المحتمل أن تنجبهم المرأة العادية خلال سنوات الإنجاب، التي تكون عادة بين سن 15 و49. ولو لم يكن هناك حالات وفاة مبكرة، لكان معدل الإحلال يبلغ 2.0 (بل أعلى قليلا في الواقع لأن عدد المواليد من الإناث أقل الآن من عدد المواليد من الذكور). ويتم استبدال الأبوين بطفلين، إلا أن الابنة قد تموت قبل أن تبلغ سن الإنجاب، لذا عند تقدير الرقم يجب أخذ الوفيات المبكرة في الحسبان. وبما أن معدل وفيات الأطفال أعلى في الدول الفقيرة، فإن معدل الإحلال هناك أعلى أيضا. ويبلغ في الدول الغنية 2.1 تقريبا. وقد يتجاوز في الدول الفقيرة 3.0. ويبلغ المتوسط العالمي 2.33. وبحلول عام 2020، سينخفض معدل الخصوبة العالمي ليصبح أقل من معدل الإحلال العالمي للمرة الأولى.

ويميل أنصار نظرية مالثوس في هذا العصر إلى التقليل من أهمية انخفاض معدل الخصوبة. فهم يعتقدون أن هناك الكثير جدا من الناس في العالم، لذا فإن المهم بالنسبة لهم هو العدد المطلق. ولا يزال هذا العدد المطلق في تزايد، حيث تقول إحدى التوقعات إنه سيصل إلى 2.4 مليار خلال الـ 40 عاما المقبلة. وقد يزيد عدد السكان في الوقت الذي ينخفض فيه معدل الخصوبة، وذلك بسبب الجمود، الذي يعد أمرا بالغ الأهمية في علم السكان. وإذا أصبح هناك، بسبب ارتفاع معدل الخصوبة في الأجيال السابقة، عدد أكبر من النساء في سنوات الإنجاب، سيتم إنجاب عدد أكبر من الأطفال، مع أن كل أم تنجب عدد أقل من الأطفال. وسيكون هناك المزيد من العائلات الأصغر حجما. وتقول الأمم المتحدة إنه على افتراض انخفاض الخصوبة بالمعدلات الحالية، سيزيد عدد سكان العالم من 6.8 مليار إلى 9.2 مليار في عام 2050، وسيستقر في هذه المرحلة.

وهناك وراء هذا انخفاض كبير جدا في معدل الخصوبة. ففي السبعينيات، كانت 24 دولة فقط تبلغ معدلات الخصوبة فيها 2.1 أو أقل، وكلها دول غنية. أما الآن، فهناك أكثر من 70 دولة بمثل هذه المعدلات، وفي كل قارة، بما في ذلك إفريقيا. وبين الأعوام 1950 و2000، انخفض معدل الخصوبة في الدول النامية بنسبة النصف من ستة إلى ثلاثة - ثلاثة أطفال أقل في كل عائلة في غضون 50 عاما فقط. وخلال الفترة نفسها، انتقلت أوروبا من طفرة المواليد إلى أدنى حد من المواليد وانخفض كذلك معدل الخصوبة فيها بنسبة النصف تقريبا، من 2.65 إلى 1.42- إلا أن الانخفاض في عدد الأطفال بلغ 1.23 فقط. والانخفاض الذي يحدث الآن في الدول النامية قريب مما حدث في أوروبا خلال التصنيع في القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20. إلا أن ما حدث في بريطانيا على مدى 130 عاما (1800 - 1930) حدث في كوريا الجنوبية على مدى 20 عاما فقط (1965 إلى 85). وتتغير الأمور بشكل أسرع اليوم. فقد انخفضت الخصوبة بصورة أكبر في كل دولة في جنوب شرق آسيا (باستثناء الفلبين) مما حدث في اليابان. وانخفض معدل الخصوبة في بنجلادش بنسبة النصف من ستة إلى ثلاثة في غضون 20 عاما فقط (1980 إلى 2000). وحدث الانخفاض نفسه في موريشيوس خلال عشر سنوات فقط (1963-73). وما حدث في إيران كان الأكثر إثارة. حين تولى نظام الحكم الديني السلطة عام 1979، ألغى الملالي، الذين كانوا يعتقدون, على ما يبدو, أن رعاياهم يجب أن يتكاثروا، نظام تنظيم الأسرة في الدولة. وارتفع معدل الخصوبة، حيث بلغ سبعة عام 1984. ولكن وفقا لإحصاء السكان عام 2006، انخفض معدل الخصوبة إلى 1.9 فقط و1.5 فقط في طهران. ويعني انخفاض معدل الخصوبة الذي يبلغ واحد إلى أدنى من مستوى الإحلال خلال 22 عاما فقط أن التغير الاجتماعي حدث بسرعة كبيرة جدا. فليس من المستغرب إذن أن تبدو المظاهرات في شوارع إيران هذا العام كأنها صراع بين العالمين: بين البالغة أعمارهم 15 إلى 29 عاما، الذين يشكلون ثلث عدد السكان والحاصلين على تعليم أفضل ولديهم توقعات مختلفة، وبين النظام الراسع والتقليديين.

لماذا انخفضت الخصوبة بهذه السرعة وعلى هذا النطاق الواسع؟ لقد كان مالثوس نفسه يعتقد أن الأشخاص الأكثر ثراء سينجبون عددا أكبر من الأطفال، وكما يعرف أي عالم أحياء، فإن عدد الحيوانات يتزايد حين يكون هناك مزيد من الغذاء. ولفهم سبب اختلاف الأشخاص الأكثر ثراء عن الحيوانات جيدة التغذية، تخيل أنك فلاح فقير (ذكر) تبلغ من العمر 50 عاما. وتخيل أن حقولك تقع في مكان ناء وأنه لا توجد في قريتك مدرسة أو مستشفى أو خدمات حكومية، وبالطبع لا يوجد معاشات تقاعدية. وتخيل أن القليل فقط من السلع يصل إلى القرية من الخارج، على الرغم من تفشي المرض وهشاشة الوضع الأمني. وتخيل أنك تقوم بالحراثة وجني المحاصيل بيديك. فإذا كان المحصول في مستوياته المعتادة، ستحصل على طعام كاف للجميع. وفي ظل هذه الظروف، فإن فائدة وجود المزيد من الأشخاص لجمع المحصول تفوق في أهميتها تكلفة إطعام شخص إضافي (الذي يقع الآن على عاتق زوجتك بصورة أكبر). وحين لا يعود بإمكانك العمل في الحقول، فإن أطفالك هم الوحيدون الذين سيعتنون بك. وفي مثل هذا المجتمع، تشير جميع الحوافز إلى الميل لتكوين عائلات أكبر.

القرية المهجورة

تخيل الآن أنك أكثر ثراء بقليل. وربما تكون قد انتقلت إلى إحدى المدن، أو ربما نمت قريتك. وتخيل أن بالإمكان الوصول إلى المدارس والأسواق والمصانع. وهنا تتغير الحوافز فجأة. فالجرار الزراعي أفضل من الأطفال لجني المحاصيل. وقد تحصل زوجتك على وظيفة في المصنع - ويجب الآن موازنة أجورها الضائعة بفوائد إنجاب طفل آخر. وفي هذه الظروف، يصبح التعليم والاقتصاد في الإنفاق والاستعداد للمستقبل أكثر أهمية، وهذه المزايا للطبقة الوسطى تتحقق عن طريق تكوين عائلات أصغر حجما. فالتعليم يكلف مالا، لذا قد لا تتمكن من تحمل تكاليف الأسرة الكبيرة. وقد تعطيك الدولة معاشا تقاعديا ولا تكون في حاجة إلى أطفال للعناية بك. وقد تصبح زوجتك أقل استعدادا لإنجاب عدد كبير من الأطفال. ويمكّنك ارتفاع مستويات المعيشة والاتصالات الأفضل والحصول على قدر أكبر من التعليم من الاعتماد على الأسواق والخدمات العامة، وليس فقط على نفسك وعائلتك.

وتثبت بحوث الاقتصاد الكلي هذه الصورة. فمعدل الخصوبة يبدأ في الانخفاض عند بلوغ الدخل السنوي للفرد ألفا إلى ألفين، ويظل ينخفض إلى أن يصل إلى مستوى الإحلال عند بلوغ الدخل الفردي أربعة آلاف إلى عشرة آلاف سنويا. وهذا يوضح المسار من الفقر إلى حالة الدخل المتوسط ومن المجتمع الزراعي إلى المجتمع الحديث. وبعد ذلك، يستمر معدل الخصوبة عند أو أقل من معدل الإحلال إلى أن يرتفع ثانية بالنسبة للبعض.

وتوجد العلاقة بين مستويات المعيشة ومعدل الخصوبة داخل الدول أيضا. فمعدل الخصوبة في أكثر الولايات فقرا في الهند، وهي بيهار، يبلغ أربعة؛ أما معدلات الخصوبة في ولايتي تاميل نادو وكيرالا الأكثر ثراء فيبلغ اثنين. ومعدل الخصولة في شنغهاي أقل من 1.7 منذ عام 1975؛ ويبلغ المعدل في أكثر محافظات الصين فقرا، Guizhou، 2.2. والعلاقة بين الثراء والخصوبة قوية جدا بحيث إن الدول القليلة التي لا ينخفض فيها معدل الخصوبة هي تلك الممزقة جراء الحروب، مثل الكونغو وليبيريا وسيراليون، التي لم ترتفع فيها مستويات المعيشة.

وتضيف بحوث الأسر تفاصيل إلى هذه الصورة. فقد أظهر مسح الحياة الأسرية في إندونيسيا أن كل ولادة تقلل، في المتوسط، احتمالية حصول المرأة على وظيفة بنسبة الخمس - مما يقلل دخل الأسرة ويدفع بعض العائلات نحو الفقر. وبالتالي فإن العائلات الأصغر حجما تجعل الوصول إلى حالة الطبقة الوسطى أكثر احتمالا. وبين الأعوام 1974 و1996، حوّلت بنجلادش منطقة فيها تسمى Matlab إلى تجربة ديموغرافية ضخمة: حصلت بعض القرى والأسر على وسائل تنظيم الأسرة فيما لم تحصل غيرها على ذلك. ووفقا لإحدى الدراسات لنتائج هذه التجربة، انخفض معدل الخصوبة في المناطق التي تلقت المساعدة بنسبة أكبر بنحو 15 في المائة عنها في المناطق التي لم تحصل عليها. وعلى مدى عقدين من هذه التجربة، كانت مؤشرات رفاه النساء وأطفالهن - الصحة، الإيرادات، أصول الأسرة، وما إلى ذلك - أعلى في القرى التي حصلت على وسائل تنظيم الأسرة. فهل يعني هذا أن انخفاض الخصوبة يؤدي إلى الثراء، أم أن الثراء يؤدي إلى انخفاض الخصوبة؟ من الأفضل القول إن الأمرين يسيران جنبا إلى جنب.

ما يريده الأبوان

إلا أن العلاقة بين الثراء والخصوبة لا تفسر كل شيء, ففي بعض الدول، تنجب النساء الفقيرات العدد نفسه من الأطفال الذي تنجبه النساء الثريات. ويوحي هذا بوجود عوامل أخرى. وأكثرها وضوحا هو أن الكثير من الناس في الدول الفقيرة يريدون عددا أقل من الأطفال، ويساعدهم تنظيم الأسرة على تحقيق رغبتهم. وتتوافر معلومات كثيرة حول عدد الأطفال الذين يريد الأبوان إنجابهم، وذلك بفضل مجموعة من المسوحات من برنامج المسوحات الديموغرافية والصحية. والصورة التي تقدمها هي أعداد هائلة من حالات الحمل غير المخطط لها. ففي البرازيل مثلا، كان معدل الخصوبة المرغوب عام 1996 (آخر سنة تتوافر فيها البيانات) 1.8؛ وكان معدل الخصوبة الفعلي حينها 2.5. وفي الهند، كان المعدل المرغوب عام 2006 يبلغ 1.9، فيما كان المعدل الفعلي 2.7. وفي غانا كانت الأرقام لعام 2003 هي 3.7 و4.4. ويبدو أن القاعدة هي أن المرأة تريد تقليل عدد الأطفال الذين تنجبهم بواقع طفل واحد (ما عدا في بعض الدول الغنية، حيث يقلن إنهن يردن المزيد).

وأشارت تقديرات دراسة عام 2002 إلى أن ربع حالات الحمل في الدول النامية في التسعينيات كانت غير مقصودة. إلا أن دراسة أخرى وجدت أن عدد النساء الإفريقيات اللواتي يقلن إنهن يردن استخدام وسائل منع الحمل ولكنهن لا يستطعن الحصول عليها (25 مليونا) أكبر من اللواتي يستخدمن مثل هذه الوسائل فعلا (18 مليونا). ويعني هذا الطلب غير الملبى بدوره أن الخصوبة في بعض الدول قد تنخفض أكثر مما هي عليه فعليا إذا توافرت المزيد من وسائل تنظيم الأسرة. ونسبة النساء اللواتي يستخدمن وسائل منع الحمل في أمريكا اللاتينية وشرق آسيا أكبر بأربعة أضعاف عن المعدل في إفريقيا.

ويشير هذا إلى سبب مهم آخر يفسر انخفاض الخصوبة: انتشار تعليم الإناث. فإذا نظرنا إلى الدول التي انخفض فيها معدل الخصوبة بشكل أسرع سنجد فيها برامج رائعة لمحو الأمية. وفي عام 1962 مثلا، كانت 80 في المائة من النساء الشابات في موريشيوس قادرات على القراءة والكتابة. وفي إيران عام 1976، كانت نسبة 10 في المائة فقط من النساء الريفيات اللواتي تراوح أعمارهن بين 20 و24 عاما يعرفن القراءة والكتابة. وقد ارتفعت هذه النسبة الآن إلى 91 في المائة، والسكان في إيران الآن هم الأفضل تعليما في الشرق الأوسط، ليس ذلك فحسب، بل يملك فيها الرجال والنساء فرص تعليم متساوية بصورة أكبر من دول الشرق الأوسط. وعدد سنوات الدراسة بالنسبة للفتيات الإيرانيات بين سن 15 و19 عاما مساو لعدد سنوات الدراسة للأولاد. والنساء المتعلمات أكثر احتمالا للخروج للعمل ولاستخدام وسائل منع الحمل وأقل احتمالا لتكوين عائلات كبيرة.

وأخيرا، تعد سياسة الطفل الواحد في الصين حالة خاصة، فقد بدأ تطبيقها على المستوى القومي في أوائل السبعينيات. ومن المرجح أن عدد سكان الصين أقل بواقع 300 إلى 400 مليون مما كان سيكون عليه لو لم يتم إدخال هذه السياسة. وكان لهذه السياسة (التي تعد سياسة للسيطرة على السكان، وليس لتحديد النسل) ثمن مروع، بما في ذلك الانتشار الواسع لوأد البنات، وعدم توازن النسبة بين الجنسين، وفظائع مثل التعقيم الجماعي والإجهاض القسري. ولكنها نجحت في مسعاها - ينضم 20 مليون شخص إلى قوة العمل كل عام، بدلا من 40 مليون شخص - كما أن نسبة التلوث التي تنتجها الصين أقل مما كانت ستكون عليه، مما يعود بالنفع على بقية العالم.

الحجم الوسط

إذن، يساعد ارتفاع مستويات المعيشة على تخفيض معدل الخصوبة، كما أن انخفاض الخصوبة يسهم في تحسين مستويات المعيشة. هذا ما تقوله الحكومة الصينية. وهي أيضا وجهة النظر التي أظهرتها البحوث الديموغرافية خلال الـ 20 عاما الماضية. وفي الثمانينيات، كان عدد السكان يعتبر عاملا غير مهم نسبيا في الأداء الاقتصادي. وفي مؤتمر للأمم المتحدة عام 1984، قال المندوبون الأمريكيون إن ''النمو السكاني بحد ذاته ليس جيدا أو سيئا؛ فهو ظاهرة محايدة.'' إلا أن البحوث الحديثة تشير إلى خلاف ذلك.

وقد يساعد تخفيض معدل الخصوبة من ستة إلى اثنين الاقتصاد بعدة طرق. أولا، مع انخفاض الخصوبة يتغير هيكل السكان، مما يزيد حجم قوة العمل نسبة إلى أعداد الأطفال والمسنين. وحين يكون معدل الخصوبة مرتفعا وعدد الشباب في الدولة كبيرا (متوسط العمر أقل من 20)، يكون هناك عدد كبير من الأطفال وتكون نسبة الإعالة الإجمالية مرتفعة. وحين يكون عدد المسنين في الدولة كبيرا (متوسط العمر فوق 40) يكون فيها أيضا معدل إعالة مرتفع، ولكن هنا بسبب العدد الكبير من المسنين. إلا أن التحول من مجتمع إلى آخر ينتج جيلا وسطا، حيث يكون هناك عدد قليل نسبيا من الأطفال بسبب انخفاض معدل الخصوبة، ويكون هناك عدد قليل نسبيا من المسنين بسبب ارتفاع معدل الوفيات. وبدلا من ذلك، يكون في الدولة عدد متزايد من البالغين في سن العمل. وقد حدث هذا في أوروبا بعد طفرة المواليد في الأعوام 1945- 65 مما أدى إلى 30 عاما من النمو. وهو يحدث الآن في آسيا وأمريكا اللاتينية. وقد كان أداء شرق آسيا أفضل من أمريكا اللاتينية، مما يبين أن انخفاض معدل الخصوبة وحده لا يحدد النجاح الاقتصادي. وفي النهاية، ستواجه الدول النامية المشكلات نفسها المتعلقة بالشيخوخة التي واجهتها أوروبا واليابان. ولكن في الوقت الحالي، يتمتع الآسيويون واللاتينيون بمعدل خصوبة ليس كبيرا جدا ولا منخفضا جدا. ووفقا لـ David Bloom من كلية هارفارد للصحة العامة، فإن ''العائد الديموغرافي'' (على حد تعبيره) أسهم بثلث النمو في شرق آسيا في الأعوام 1965- 90.

وهناك فوائد أخرى لتباطؤ معدل الخصوبة. فهو يسهم، عن طريق تسهيل حصول المرأة على عمل، في زيادة حجم قوة العمل. ولأن هناك عددا أقل من الأطفال والمسنين الذين يجب إعالتهم، يكون لدى الأسرة مزيد من المال المتبقي للادخار، الذي يمكن استخدامه في الاستثمار. وقد بلغت نسبة ادخار الأسر الصينية (التي من الواضح أنها تأثرت بعديد من العوامل وليس فقط العامل الديموغرافي) نحو 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008، مما ساعد على تمويل الاستثمار بنسبة غير مسبوقة بلغت 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأسهم هذا بدوره في جميع الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الصيني في النصف الأول من هذا العام. وأخيرا، فإن انخفاض الخصوبة يجعل من الممكن تزايد تراكم رأس المال للفرد الواحد. ولمعرفة الكيفية التي يحدث فيها هذا، فكر فيما يحدث لمزرعة ما حين تتوارثها الأجيال في دولة لا توجد فيها بكورة (حق الإرث للابن الأكبر). فكلما زاد عدد الأطفال، زاد تقسيم المزرعة. وفي النهاية، تصبح أجزاء المزرعة صغيرة جدا بحيث لا تعود فاعلة. وهذا يحدث في بنغلادش.

وقد تم التقليل من أهمية معالجة مثل هذه المشكلات، التي تعرف باسم ''تقليل رأس المال''، في الثمانينيات، ولكنها عادت الآن. وتشير تقديرات Hu Angang من جامعة Tsinghua إلى أنه يمكن عزو نصف النمو في الصين للشخص الواحد في الأعوام 1978- 98 إلى زيادة رأس المال للفرد الواحد. وتثير العلاقة بين النمو والخصوبة أسئلة محرجة. ففي الثمانينيات، تم التقليل من أهمية هذه العلاقة كرد فعل على أجراس الخطر المالثوسية في السبعينيات، حين كان من المألوف القول إنه يجب كبح النمو السكاني لأن النفط والموارد الطبيعية بدأت تنضب. فإذا كان عدد السكان أمرا مهما إذن، هل يعني هذا أن أنصار نظرية مالثوس كانوا على حق؟ ليس تماما. يعتقد أنصار نظرية مالثوس الجدد أن هناك كثيرا جدا من الناس في العالم. ولكن بالنسبة لمعظم الدول، فإن الأسئلة الأكثر أهمية فيما يتعلق بالسكان هي إما: هل هناك عدد كاف من الناس لدعم المجتمع المسن؟ أو: كيف يمكننا الاستفادة من الحصول على العدد المناسب تماما من السكان لتعزيز النمو الاقتصادي؟ من الممكن القول إن هذه التصورات لا يستبعد بعضها بعضا. فقد يكون هناك في العالم فعلا الأعداد المناسبة لتعزيز النمو ويكون فيه في الوقت نفسه عدد كبير جدا بالنسبة للبيئة. إلا أن الاستجابة الصحيحة لهذا هي كبح التلوث ومحاولة تغيير نمط النمو لجعله أقل استخداما للموارد بدلا من السيطرة على عدد السكان مباشرة. والسبب في ذلك أن مستوى إحلال الخصوبة المتسع يعني أن النمو السكاني يتباطأ على أية حال. ومن الممكن حدوث تخفيض أكبر لمعدل الخصوبة إذا انتشرت وسائل تنظيم الأسرة إلى تلك الأجزاء من العالم التي لا تمتلكها بعد (خاصة إفريقيا). إلا أن هذا لن يؤدي إلا إلى تخفيض النمو في أعداد العالم من 9.2 مليار عام 2050 إلى 8.5 مليار مثلا. وعلى الأرجح أن تخفيض المعدل أكثر من ذلك سيتطلب اتخاذ تدابير صارمة، مثل سياسة التعقيم أو سياسة الطفل الواحد. والأخبار السيئة هي أن الفتيات اللواتي سينجبن الأجيال المقبلة الأكبر قد ولدن بالفعل. والأخبار الجيدة هي أنهن سيرغبن في إنجاب عدد أقل من الأطفال مما أنجبته أمهاتهن أو جداتهن >


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل