قراءة في كتاب: جواسيس في بلاد العرب

|
أثناء الإجازة قرأت كتاب: جواسيس في بلاد العرب – الحرب العالمية الأولى والأسس الثقافية للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط. الكاتبة هي برفيا ساتيا مؤرخة من أصل هندي أستاذة تاريخ في جامعة ستانفورد. يتحدث الكتاب عن الفترة التي سبقت سقوط الدولة العثمانية وحتى نهاية العشرينيات من القرن الماضي. يتحدث عن تاريخ استعماري ممزوج بنشاط ثقافي محموم لعدة أفراد استطاعوا فهم المنطقة والمساهمة في رسم خريطة جديدة أمثال لورنس وبل وقريدا بل وبرى وفلبي وكوكس وهو قراث وولسون وسايكس وليشمان وآخرين. كانت بريطانيا في حاجة إلى تأمين الطريق إلى الهند بينما كانت الدولة العثمانية تعيش الرمق الأخير – هذا التزامن جعل من تحقيق الرغبة الاستعمارية أمرا ممكنا. للتجهيز لهذا التحول استطاعت بريطانيا إعداد كادر موهوب وعاشق للمغامرة في الصحراء بل حتى التمرد على الحياة المادية والرغبة في استكشافات جديدة خاصة في بلاد مهد الأديان ذات الجاذبية التاريخية والاستراتيجية. استطاع هؤلاء الانغماس والتعمق في الحياة القبلية ومعرفة النقاط المفصلية، وبذلك حققت بريطانيا نجاحات كبيرة بأقل أعداد ممكنة، مرة بالتخويف والتهويل ومرات بدراهم قليلة واستغلال الخلافات ومرات أخرى بالمراهنة على التحولات الموضوعية مثل الرغبة في الاستقلال. تتناقض الحالة البريطانية الداخلية في تقاطع الضغوط الديمقراطية الشعبية مع الاستحقاقات الاستعمارية وحتى تعاطف بعض هؤلاء الجواسيس مع العرب بل إن البعض منهم اتخذ مواقف معارضة الحكومة إلى حد التجسس على الحكومة البريطانية وحتى التحول إلى الإسلام، وكذلك كان للنخب العربية والشعوب ورغبة في مزيد من الاستقلال وصلت إلى حد العنف في العراق في مقاومة الاستعمار. ما أشبه الليلة بالبارحة حينما يستخدم الأمريكيون نفس التقول بالديمقراطية والنهضة، كما استخدمها البريطانيون قبل 85 عاما. أوجه التشابه بين الاستعماريين كبيرة في المقاومة ثم اللعب على الخلافات الداخلية ثم الاستقلال الاسمي والمصالح التجارية. يذكر البعض أن التاريخ يعيد نفسه ويقول آخرون إن التاريخ لا يعيد نفسه ولكنه يعزف موجات متماثلة، ولكن لا تخفى الكاتبة مدى التشابه في التجربة فبعد احتلال العراق عسكريا في 1920، لم يستقل اسميا إلا في عام 1932. فالعنف البريطاني في استخدام الطائرات لأول مرة ضد المدنيين يجاريه عنف أمريكي في أبو غريب وغيرها. والتدرج في الانسحاب والتلاعب على مسميات الديمقراطية والاستقلال تبدو مصطلحات متشابهة، بل إن كثيرا من الضباط الأمريكيين رجعوا إلى مدونات وكتب جواسيس تلك المرحلة. مصير هؤلاء الجواسيس انتهى بدرجة عالية من الغموض فلورنس توفي في حادث سير حينما بدأ بمعارضة المواقف البريطانية في 1935، وفلبي اهتدى إلى الإسلام وأصبح خصما للحكومة البريطانية وقرتيدا بل انتحرت. فترة عشق هؤلاء وفهمهم العميق وتعاطفهم أحيانا انتهت بمواعيد كاذبة وعنف وسياسة فرق تسد إلى أن بدأت إمبراطورية جديدة بعد الحرب الثانية. لعل الذي لم تذكره الكاتبة أن المنطقة في ظل كيانات سياسية هشة وغياب رغبة تنموية جادة لا تزال أرضا خصبة لمن يقوم بهذا الدور من الدول الغربية وغيرها.
إنشرها