هل حان الوقت لبورصة نفط سعودية.. بعد خطوتي دبي وإيران

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

في عام 2003م اقترحت مشروع إنشاء بورصة للنفط في المملكة العربية السعودية، وأوضحت أن المناخ ملائم جداً لإنشائها، نظراً لأن تلك البورصة المقترحة ستسد فجوة موجودة بين البورصات العالمية، بحيث تغطي المكان، أي منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي الزمن وذلك بسدها الفجوة الزمنية الناشئة من اختلاف وفروق التوقيت، ولما فيها من مصالح جمة للمملكة وللعالم أجمعه في إيجاد آليات عمل جديدة لتحقيق الاستقرار في الأسعار بجانب قرارات منظمة الدول المنتجة للنفط «أوبك»، وأنها ستسهم بإيجاد آليات شفافة تتشكل بموجبها أسعار النفط. كما أن وجود بورصة للبترول في السعودية سيشكل كذلك أساسا شفافاً لإمدادات النفط العالمية وأداة معيارية للنفط العربي المصدر للاعتراف به كصنف محدد من النفط على أنه قياسي في العالم، وستساعد تلك البورصة على إحلال صنف البترول العربي محل الصنف العالمي الآخر من نوع «برنت»، الذي تتحدد عليه الأصناف الأخرى من النفط الذي يتحدد سعرها بعد ذلك إما بحسم أو زيادة بحسب جودتها، رغم محدودية إنتاجه وإمداداته، ففي ظل وجود معاملات بورصة مفتوحة في سوق السلع يمكن أن يحل صنف محل آخر بمواصفاته المماثلة. وسيتحكم في اختيار وتحديد المعيار النفطي في سوق البورصة المفتوحة، البلد الذي تقع فيه السوق النفطية. وبينت في حينها أن معظم الشروط لإقامة البورصة النفطية على أراضي المملكة العربية السعودية متوافرة، نظراً لتميزها كأكبر منتجي ومصدري البترول، الذي يعتبر أكثر السلع مبيعا في العالم، وفي الوقت نفسه تمتعها بمناخ ملائم يساعدها على تكوين وتأسيس تلك البورصة، باعتبار أنها أهم القنوات التي تحكم العلاقة بين قوى الإنتاج والاستهلاك مع عدم ازدواج أعمال البورصة مع مناطق نفوذ البورصات الأخرى، نظراً للموقع الجغرافي المتميز في قلب الشرق الأوسط بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض والبحر العربي، حيث سيكون عمل تلك البورصة مكملاً لأعمال البورصات العالمية، ولن يكون هنالك ازدواج مع أعمال البورصة مع مناطق نفوذ البورصات الأخرى. وفي عام 2005م تم طرح هذا الاقتراح في صحيفة سعودية إلكترونية، مرة أخرى، وتم أخذ استفتاء محدود للقراء على هذا الاقتراح، وكانت النتيجة على النحو التالي: 45 في المائة مؤيد لإنشاء البورصة، و48 في المائة معارض لإنشائها في السعودية. ومنذ ذلك الحين، ونحن نرى أنه إلى جانب بورصات النفط التقليدية في نيويورك ولندن وسنغافورة، بدأت تنشأ بورصات نفطية في مواطن النفط من حولنا شهدتها دبي وكذلك مدينة كيش الإيرانية، حينما أنشأوا نواة لبورصات السلع شكلت الخطوة الأولى لهذين البلدين على هذا الطريق، ونحن في السعودية مازلنا نراوح مكاننا في هذا الصدد، ويبدو أن نتيجة الاستفتاء السلبية التي أخذت عام 2005م على اقتراحنا بمشروع إنشاء بورصة للنفط في المملكة العربية السعودية، على الرغم من محدودية ذلك الاستفتاء، كان سببها عدم إيضاحنا الكافي لطبيعة البورصات النفطية وطبيعة تعاملاتها وقواها، وعقودها الحاضرة أو الآجلة .. إلخ، وعدم إبرازنا بوضوح المميزات الهائلة التي تجنيها المملكة حكومة ومواطنين من إنشاء البورصة، في هذا المقال سنحاول إعادة طرح ذلك الاقتراح من خلال إلقاء الضوء على ماهية البورصات النفطية وشروطها وأهمية تأسيسها محلياً كقناة لتنظيم سوق النفط دولياًً، وملء الفراغ العالمي المتمثل في المكان والزمان، ولما فيها من مصالح جمة في إيجاد آليات عمل جديدة ولما تتمتع به المملكة من مناخ ملائم يساعدها على تكوين وتأسيس تلك البورصة، وباعتبار أنها أهم القنوات التي تحكم العلاقة بين قوى الإنتاج والاستهلاك. طبيعة البورصات النفطية تعد السوق النفطية، أو البورصة النفطية، وسيلة فاعلة لتسويق وإجراء التعاقدات الدولية والإقليمية للمنتج النفطي. لذا فالحاجة ملحة لإقامة سوق دولية منظمة «بورصة» لبيع النفط في المملكة العربية السعودية للراغبين في شرائه، ما من شأنه أن يساعد على حماية وصيانة حقوق المملكة النفطية بشكل سليم، حيث سيكون لذلك تأثير إيجابي على تنشيط حركة التعاقدات النفطية وانعكاسات راشدة على نظام تسعير نفط المملكة في الأسواق العالمية بالشفافية اللازمة وسواء كان في سوق لندن أو نيويورك أو سنغافورة. ولا يمنع بل يستحسن أن يكون إنشاء تلك البورصة بمساهمة رجال أعمال وتجار محليين وإقليميين وحتى دوليين، ويكون الإشراف عليها بالطبع من لدن هيئة رسمية دون تدخل، إلا لحماية السوق. إن نظرة سريعة على المداولات النفطية تبين أن النفط الخام من أكثر سلع العالم تداولا في العالم، ويُباع النفط العربي السعودي دولياً حسب اتفاقيات ثنائية تعقدها المملكة مع الدولة الراغبة في الاستيراد، أما الأسعار فيتم تحديدها وفقاً لقوى العرض والطلب والزمن أو التاريخ الذي ستنفذ فيه هذه التعاقدات، وهذه القوى يتحكم فيها في المقام الأول عدد محدود جدا من البورصات النفطية العالمية. وهنا يثور تساؤل عن عدم وجود بورصة نفطية في أي من دول الشرق الأوسط بما فيها المملكة العربية السعودية، على الرغم من الاحتياج الماس، وعلى الرغم من توافر مقومات تلك البورصة في المملكة كونها أكبر بائع لكميات نفطية هائلة للعالم، ومن كونها تتمتع بالاستقرار السياسي ومناخ اقتصادي غير مقيد .. إلخ. البورصات العالمية توجد أكبر أسواق النفط في العالم في بريطانيا، وتعرف بـبورصة النفط الدولية IPE ومقرها لندن. كما توجد أيضاً بورصة nymex «نيمكس» في الولايات المتحدة ومقرها نيويورك. وفي الشرق الأقصى توجد بورصة simex «سيمكس» ومقرها سنغافورة. بورصة نيمكس تغطي منطقة أمريكا، وبورصة لندن تغطي منطقة شمال غرب أوروبا، أما منطقة الشرق الأدنى فتغطيها بورصة سنغافورة، بينما يوجد فراغ حالياً في سوق النفط في الخليج والشرق الأوسط التي تبيع أكثر من 70 في المائة من مجمل مبيعات النفط في العالم. وهذا يعني الحاجة الملحة إلى إقامة بورصة في هذه المنطقة حتى تستكمل أعمال البورصات العالمية الأخرى وتغطية الفجوات الزمنية والجغرافية. وكما أشرنا آنفاًً أنها ستسد الفجوة الجغرافية أي منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تغطي الفجوة الزمنية الناشئة من اختلاف وفروق التوقيت بين بورصة simex في سنغافورة وبورصة nymex في نيويورك. فضلاً عن أن هذه البورصة ستربط منطقة الشرق الأوسط عالمياً، ولا يستبعد أن تكون تلك البورصة بعد وقت قصير جداً من إنشائها، أن تكون أهم بورصة نفطية في العالم، نظراً لتوسطها العالم من حيث المكان والزمان ووجود أكثر من ثلثي النفط المباع دولياً في هذه المنطقة. قوى العرض والطلب .. عقود حاضرة أو عقود آجلة إذا جازت المقارنة، فكما للبشر بصمة وراثية، فللنفط الخام أيضاً بصمة جغرافية، فله أنواع وخواص مختلفة تتوقف على وزنه النوعي ومحتواه من الكبريت وهما عاملان يختلفان باختلاف موقع استخراجه. وتصنف أنواعه ويشار إليها بالخام الحلو أو الحامض، أي أنه إذا كانت نسبة الكبريت فيه تقل عن 0.5 في المائة فهو حلو، أما الخام الذي يحتوي على أكثر من 0.5 في المائة من الكبريت فيشار إليه على أنه الحامض. والعلاقات التعاقدية في الأسواق النفطية، بشكل عام، لا تختلف عن مثيلاتها في أسواق السلع الأخرى، أي أنها تعتمد في المقام الأول على قوى العرض والطلب، ويتحدد من خلالها شكل وأنواع وحجم وكم التعاقدات بين منتجي النفط ومستهلكيه. ولكن وجه الاختلاف هو في أن ذلك يتم في شكل عقود حاضرة أو عقود آجلة، ويتم ذلك عادة في صورة عقود آجلة تسلم في الشهر التالي. وفي مثل هذا النوع من المعاملات يتفق المشتري على تسلم الشحنة ويوافق البائع على توفير كمية محددة من النفط بسعر متفق عليه مسبقا في موقع معين. ولا يتم تداول العقود الآجلة إلا من خلال معاملات مالية منظمة تسدد يوميا بناء على قيمتها الحالية في السوق والحد الأدنى للشراء هو ألف برميل. وتأسيساً على ذلك فإن بورصة النفط بورصة سلعية تحكمها علاقات العرض والطلب لتنفيذه في شكل عقود حاضرة أو عقود آجلة، كما هو النمط السائد في لغة التعاقد في الأسواق النفطية الدولية أو الإقليمية، ما يجعل عامل السعر وعامل الزمن هما المحددان لنشاط البورصات النفطية. معايير دولية بحكم أنه توجد أصناف ودرجات مختلفة كثيرة من النفط الخام فقد تعارف البائعون والمشترون في كل سوق على عدد محدود من خامات النفط وجعلها معيارا. وحيث أن كبرى الأسواق النفطية في العالم توجد في لندن IPE، فلقد تم استخدام خام برنت معيارا لتسعير التعاملات في ثلثي مبيعات النفط الخام في العالم، رغم أن الكمية المباعة منه لا تتعدى 250 ألف برميل في اليوم، وهو كما يتضح يقل بكثير عن أي من خامات السعودية التي تنتج أكثر من 11 مليون برميل يومياً. والأصناف الأخرى من النفط يتحدد سعرها بعد ذلك إما بحسم أو زيادة بحسب جودتها. ويعني ذلك أن التحكم في اختيار المعيار النفطي وتحديده في سوق البورصة يأتي من واقع البلد الذي تقع فيه السوق النفطية، ويتضح جلياً في حالة شح ومحدودية الإمدادات، حيث تتأرجح الأسعار ويفقد المعيار معياريته ويتم على أثرها الاتفاق مؤقتاً على معيار آخر. أما المعيار المتبع في أمريكا الشمالية فهو خام وسط تكساس المتوسط، ويعني ذلك أن جميع التسعيرات والتعاملات مع الولايات المتحدة في شؤون مبيعات النفط الخام تكون وفقاً للمعيار الأمريكي، أي مقارنة بخام وسط تكساس المتوسط، ولكن أسعار الخام في بورصة نيويورك عادة ما يُشار إليها بخام «الخفيف» أو «الحلو». وقد يشير ذلك إلى أي من عدة خامات محلية أمريكية أو أجنبية لكن الوزن النوعي ونسبة الكبريت فيها تقع في نطاق معين. أما في بورصة سنغافورة فخام دبي يستعمل معيارا لتسعير مبيعات خامات المنطقة الأخرى المباعة لدول آسيا. ويعود ذلك إلى أن خام دبي أحد خامات قليلة يتسنى التعامل فيها من خلال تعامل فوري واحد مقارنة بالعقود طويلة الأجل لخامات الخليج الأخرى. كما أن «أوبك» لها أيضاً تسعيرة تعرف بسلة خامات «أوبك» وهي سبع خامات، منها ستة أنواع تنتج من أعضاء «أوبك»: الخام العربي الخفيف، وتنتجه المملكة، خام دبي الإماراتية، خام صحارى الجزائري، خام ميناس الإندونيسي، خام بوني النيجيري، خام تياخوانا الفنزويلي، والخام السابع من غير الأعضاء في «أوبك» وهو خام إيستوس المكسيكي. شروط البورصة في ظل توافر وسائل الاتصال والارتباط العالمي الإلكتروني السهلة عن طريق الأقمار الصناعية مع باقي بورصات العالم للوقوف أولاً بأول على اتجاهات العرض وحركات الطلب والعلاقات السعرية والتعاقدية الأخرى، تتحقق فكرة إقامة سوق دولية في المملكة، ولا سيما أن معظم الشروط لإقامة البورصة النفطية على أراضي المملكة العربية السعودية متوافرة، فمكانة المملكة مكانة متميزة في هذه السلعة، التي تعد من أكثر السلع بيعا في العالم، حيث تعد من أكبر منتجي النفط الخام ومصدريه في العالم. وهناك حجم تعامل نفطي عظيم، ولديها الخبرات الإدارية والمؤهلات الفنية للتعامل مع هذا النشاط، وتتمتع بقدر كبير من الاستقرار السياسي ومناخ اقتصادي يوفر حرية مطلقة للتعامل بالعملات الدولية دون أي قيود على التحويل سواء داخل البلاد أو خارجها. فتتميز المملكة بحرية مطلقة للتعامل في النقد الأجنبي وتوفير مقومات التعامل الفعلي كالبنوك، وكذلك المستودعات المطلوبة للقيام بعملية الربط بين التعاملات الفعلية والمستقبلية. كما أن لدى المملكة مواصفات متفق عليها عالمياً للمنتجات المطروحة في البورصة ما يسهم في نجاح نشاط بورصة النفط. كما أن توفير المناخ التجاري الناجح في المنطقة مع عدم ازدواج أعمال البورصة مع مناطق نفوذ البورصات الأخرى، أي ضرورة وجود تناسق مع هذه البورصات مع توافر المنتج النفطي والموقع الجغرافي المتميز في قلب الشرق الأوسط بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض والبحر العربي من الضرورات الأساسية لإنجاح عمل بورصة النفط. حيث سيكون عمل تلك البورصة مكملاً لأعمال البورصات العالمية ولن يكون هنالك ازدواج مع أعمال البورصة مع مناطق نفوذ البورصات الأخرى. ومن بين الشروط الأخرى التي تعد شروطا مساندة نوعاً ما، ولكن يجب توافرها لكي تعمل بورصة النفط بنجاح، توافر الملحقات كافة التي تشمل الأنظمة والقوانين والشروط التي تنظم عمل البورصة، وكذلك وجود البنوك والهيئات الضامنة التي تنظم التعاملات بين جميع الأطراف، خاصة بيوت السماسرة. من هذا المنطلق فالحاجة ملحة لإنشاء بورصة نفطية، كون المملكة تتمتع بمكانة متميزة وكبيرة في منطقة الشرق الأوسط، ولا تقاربها أو تدانيها دولة أخرى، لذلك فإنه من المناسب جداً أن تبذر نواة البورصة النفطية في مدينة الملك عبد الله المالية المزمع إنشاؤها في الرياض، كما أن أي من المدن الاقتصادية الجديدة الأخرى مرشحة لأن تصبح المقر الرسمي لهذه البورصة. وسوف يؤدي إنشاء بورصة للنفط إلى جذب عديد من الخبراء والمتخصصين الدوليين في هذا المجال الذين بدورهم يديرون الصفقات وينقلون الخبرة لأبناء المملكة. وستؤدي إقامة البورصة حتماً إلى إيجاد فرص وظيفية لعديد من المواطنين، فضلاً عن استخدام الخبرات المختلفة التي تتوافر في المملكة واستخدام الآليات الجديدة والنظم الاستثمارية الحديثة مما سيؤهل المملكة لتصبح منارة للخبرات النفطية. فضلاً عن أن حجم التعاقدات التي ستشهدها بورصة النفط المقترحة سوف يعطي عائدا لا يُستهان به من العملات والإيرادات الذي يصب في خزانة الدولة والتي تستطيع المملكة من خلاله تعظيم المردود والعائد الاقتصادي للنفط.
إنشرها