النفط في مواجهة الاتهامات الدولية المتنامية حول تغير المناخ

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

الآن ونحن على بعد أشهر قليلة من تاريخ انعقاد اجتماع عالمي في كوبنهاجن '' الدنمارك ''، للبحث في إمكانية تعديل أو حتى إيجاد بديل لبروتوكول كيوتو للبيئة عام 1997م عن ظاهرة الاحتباس الحراري وجدولة التقليص من انبعاث تلك الغازات التي تسبب هذه الظاهرة، يبدو، وكما هو في السابق، أن الاتجاهات تحورت ضد البترول، ويبدو أن كثيرا من الدول المنتجة والمصدرة من داخل ''أوبك'' ومن خارجها، وعلى الرغم من جهود المملكة في هذا المجال، لم تعط الجدية الكافية لتلك القضايا والمؤتمرات العديدة التي عقدت قبل وحتى بعد مؤتمر كيوتو، وكان دورها ولا يزال من تلك المؤتمرات لا يعدو كونه دور المتلقي على الرغم من أن أصابع اللوم في بعض الأحيان كانت تتجه نحو البترول بطريق غير مباشر في السابق، وبطريق مباشر في الآونة الأخيرة. التطورات البيئية والمناخية والمذاهب البيئية المتتبع للتطورات البيئية والاهتمام العالمي بها، يرى أنها شهدت في النصف الأخير من القرن العشرين تطوراً سريعاً ومفاجئاً وبالتحديد في بداية الثمانينيات من القرن الماضي وما تعرض له المناخ من استمرار حدوث موجة من الحرارة غير معتادة، وبدأ حماة البيئة وأنصارها وخبراؤها يبحثون في ظاهرة التغير المناخي وتم تفسير تلك الظاهرة من قبل بعضهم بـ ''الاحتباس الحراري'', أي احتباس الحرارة داخل غلاف الأرض الجوي, الذي يؤدي بدوره إلى سخونة متزايدة على سطحها بصورة غير عادية واحتمال تسببها في كوارث بيئية وربما انتهاء الحياة على وجه الأرض. وكأي ظاهرة في الطبيعية، تباينت رؤية العلماء لظاهرة التغير المناخي وتشكلت النظريات البيئية حولها، وبرزت ثلاث مدارس أو ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً ''مذاهب بيئية''، حيث شكل المذهب البيئي المعاصر علماء بيئة اتحدت آراؤهم حول تأثير ما أطلقوا عليه ''الغازات الدفيئة''، ويتلخص رأيهم العلمي في أنه ينتج عن اختلال توازن مكونات الهواء الجوي الذي يتكون بشكل طبيعي في مجمله من عنصري النتروجين والأوكسجين وبنسبة قليلة جداً لا تتعدى الثلث في الألف وحدة من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى بخار الماء وقليل جداً من غازات خاملة وأن زيادة نسب التلوث الجوي فيها، أي زيادة انبعاث غازات الدفيئة، يؤدي إلى الاحتباس الحراري، وأن الأسباب الرئيسة المسببة للاحتباس الحراري تكمن في الملوثات والغازات الصناعية والغازات السامة المنبعثة من المصانع, إضافة إلى حرائق الغابات وقطع الأخشاب وإزالة الغابات، التي بدورها تؤدي إلى زيادة انبعاث الغازات الدفيئة. وحدد ذلك المذهب توصياته بالتركيز على الحد من الملوثات الغازية المصنعةً، وانصبت الدراسات العلمية والنظريات البيئية لهذه المدرسة إلى الخطر الأعظم على البيئة وتغير المناخ من الغازات الخطيرة, خصوصاً المصنعة منها والملوثة للبيئة وتغير المناخ وذلك بسبب تأثيرها في طبقة الأوزون. وكان رأي هذا المذهب يؤكد أن تلك الغازات المصنعة هي المتسبب في الخلل البيئي وخلافاً للغازات الموجودة طبيعياً كغاز ثاني أكسيد الكربون، فإن هذه الغازات المصنعة لا توجد بشكل طبيعي، بل تم تكوينها صناعياً كـغازات الهيدروكربونات الهالوجينية المحتوية على الكلور أو البروم، (أكبر مجموعة معروفة من الهيدروكربونات الهالوجينية هي مركبات الكلوروفلوروكربون CFCs وبما تتميز به هذه الغازات من سهولة الصنع ورخص التكاليف, ما جعلها عنصراً أساسياً وتدخل في صناعات كثيرة منها بعض الصناعات البتروكيماوية وفي أعداد لا تحصى من الغازات المضغوطة ''الأيروسولات'' كالمبيدات الحشرات المنزلية وبعض المنظفات وأنواع مثبتات الشعر وغاز الفريون وكثرة تسربه من أجهزة المبردات والمكيفات، وتكمن خطورة تلك الغازات المصنعة في أنها غير طبيعية ولا يتم تحللها أو امتصاصها طبيعياً بل تبقى عالقة في الجو وحال ملامستها بالطبقات العلوية وخصوصاً طبقة الاستراتوسفير، تتفاعل مع غاز الأوزون، وتقلل نسبة تركيزه، كما أن ذلك المذهب أو المدرسة وجه أصابع الاتهام أيضاً إلى خطورة ما تبعثه المفاعلات النووية من إشعاعات وغازات كارثية على البيئة، إضافة إلى خطورة التجارب والتفجيرات النووية فوق سطح الأرض وفي الفضاء، وكذلك ما يحدثه إطلاق الصواريخ إلى الفضاء وتحليق السفن الفضائية أو النفاثات العسكرية في الارتفاعات العالية القريبة من أو خلال طبقة الاستراتوسفير، التي يبدأ الأوزون في التشكل فيها، وما ينتج عنه من اضطرابات وتخلخل في طبقات الغلاف الجوي، نظراً لاستهلاكها المفرط والكثيف من الأكسجين الموجود في الهواء وفي أكاسيد النيتروجين من جهة، ومن جهة أخرى يجعل تلك الطبقة معرضةً للنضوب أو التدمير من جراء التفاعل الكيماوي مع المركبات الكيماوية والغازية الكثيفة والخطيرة جداً، وخروج كثير من الغازات الوسيطة كالكلور والنيتروجين وغاز الآزوت، وغيرها المؤثرة بشكل خطير في التوازن المناخي وتلاشي غاز الأوزون في هذه الطبقات، وأدرجت هذه المدرسة أو المذهب بعض التقديرات العلمية البيئية الفرضية لتوضيح الخطورة بأنه لو تم إطلاق نحو 500 صاروخ أمريكي من نوع ( ساترن – 5 ) في وقت واحد فإن غاز الأوزون سيتلاشى كلياً من الغلاف الجوي. كما أن الأضرار البيئية الناتجة من التفجيرات والمفاعلات النووية والتجارب النووية على سطح الأرض وكذلك التجارب التي تجرى أيضاً في أعالي الغلاف الجوي بأنواعها الخطيرة والفتاكة كالقنبلة الكوبالتية والنيوترونية وغيرها، واستخدام المحركات التي تعمل بالتفاعل النووي وسفن الفضاء وبعض الأقمار الصناعية المستخدمة للأغراض العسكرية وما تبثه في الغلاف الجوي من غازات وإشعاعات وحرارة هائلة, من شأن كل هذه الممارسات الخطيرة إحداث خلل في النظام البيئي وتدمير التوازن في الغلاف الجوي وفي تغير المناخ، وبينت تلك المدرسة أن زيادة الاحتباس الحراري يكون مصحوبا بزيادة في تحلل الأوزون. اختلافات جلية في الرأي وبتطور الأحداث، شهدت هذه المدرسة اختلافات في الرأي حول طبيعة الغازات المؤثرة في المناخ، وانشق فريق منها يرجح تأثير الغازات الناشئة عن الملوثات الطبيعية (كالبراكين والحرائق والملوثات العضوية) وعن نشاطات الإنسان من حرق الوقود الأحفوري (الفحم، البترول أو الغاز الطبيعي)، وأن تلك الغازات الناتجة من تلك المصادر- أي غاز ثاني أكسيد الكربون Dioxide Carbon Co2، هي أهم هذه الغازات وأكثرها تأثيراً وأن هذا الغاز في الواقع هو السبب الرئيس وراء ظاهرة الاحتباس الحراري. ويؤكدون أنه على الرغم من ضرورة وجود غاز ثاني أكسيد الكربون مع الغازات الطبيعية الأخرى للمحافظة على استمرار الحياة بشكلها الحالي، إذ دونها تتجمد الأرض، إلا أن الحرق المفرط للوقود الأحفوري أدى إلى زيادة كبيرة للغازات الدفيئة على الحد الطبيعي في طبقات الجو، وبالتالي أدى إلى حبس كميات إضافية من الحرارة زائدة على الحاجة داخل الغلاف الجوي، ومسببة اختلالا في طبيعة المناخ العالمي وبالتالي ظاهرة الاحتباس الحراري. خطورة غاز ثاني أوكسيد الكربون وانصب اهتمام ذلك الفريق ''المنشق'' على خطورة غاز ثاني أكسيد الكربون وأنه ينطلق إلى الغلاف الجوي بمعدلات كبيرة لا تستطيع العوامل الطبيعية كالأشجار والنباتات الموجودة حالياً استيعابه لتحقيق التوازن في المدى الطويل، ولأن النشاط البشرى كما يؤكده هذا الفريق، يطلق كميات متزايدة من ذلك الغاز بسبب استهلاكه الوقود الأحفوري، وهو ما يؤدي إلى زيادة تركز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي محدثا ما يعرف بظاهرة مؤثرات ''البيوت الزراعية المحمية''، أو Green-House-Affects ، وهو بدوره يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية الذي من شأنه أن يحدث آثاراً مدمرة في البيئة والبشر كالتسبب في إذابة الغطاء الجليدي الذي بدوره يؤدي إلى ارتفاع مستوى المياه في البحار والمحيطات وغرق الجزر والأراضي المنخفضة، ويدللون على نظريتهم تلك بأعداد حيوانات البلانكتون في البحار نتيجة زيادة حموضة البحار بسبب امتصاص البحار لثاني أوكسيد الكربون. وسرعان ما طفت هذه التفسيرات على السطح بقوة وتلقفتها الأخبار بالارتياح والتبجيل، فتفسير هذا الفريق من العلماء يبدو أنه يريح كثيرا الدول الكبرى التي يهمها في المقام الأول مصالحها العسكرية والصناعية والاقتصادية، ولربما جعلها تحشد جيوشا من العلماء، وتستثمر الجهد والمال في تبني وتشجيع وتطوير مثل هذه الأبحاث العلمية، بغرض توسيع دائرة الخطر والتهم والمتهمين والذي سيساعدها في تهربها من مسؤوليتها الأخلاقية تجاه تلوث البيئة وارتفاع درجات الحرارة, كما سنرى لاحقاً. في المقابل توجد المدرسة أو المذهب البيئي الكلاسيكي الآخر الذي يعارض ما جاء به المذهب المعاصر سالف الذكر، وبما جاء به من نظريات تتعلق بالغازات أو الإشعاعات النووية لتفسير ظاهرة الاحتباس الحراري، نظراً لعدم اعتقاد هذا المذهب أصلا بظاهرة الاحتباس الحراري كليا، ويسوق في ذلك براهين توضح عدم يقينية التنبؤات المستقبلية نظراً لأن القدرات العلمية والتكنولوجية مازالت ضئيلة, ما يجعل التنبؤات الصحيحة والدقيقة بالتغيرات المناخية طويلة الأمد مستحيلة. وإن ما جاء به المذهب المعاصر سالف الذكر مبني على نماذج كمبيوترية لا تمت إلى الواقع بصلة. ويؤمن هذا المذهب بأن النظام المناخي شائك ومعقد وأن ما يؤثر فيه من مؤثرات هي الأخرى شديدة التعقيد، ويدرجون نظريات تاريخية تنفي سبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض، ولا تجد هذه المدرسة غرابة أن مناخ الأرض يشهد فترات ساخنة في هذه الفترة الزمنية الحالية، مفسرين ذلك بحدوث فترات زمنية دورية على مر التاريخ، أي بوجود دورات زمنية متتالية لارتفاع وانخفاض درجة الحرارة: فترات زمنية باردة تتلوها فترات زمنية ساخنة، وهكذا كما حدث في السابق ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر من برودة جليدية في أوروبا حينما انخفضت درجة الحرارة عن معدلاتها، مرت أوروبا بعصر جليدي وطالت فترات الصقيع وأحدثت مجاعة عارمة في أوروبا لقلة المحاصيل، ثم تلا ذلك ارتفاع في درجة حرارة الأرض في بداية القرن العشرين واستمر حتى منتصفه، ثم فترة الانخفاض في درجة الحرارة بين منتصف القرن العشرين وامتدت إلى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، ثم بدأت درجة حرارة الأرض في الارتفاع مرة أخرى مع بداية الثمانينيات التي بدأت فيها فكرة تسبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة حرارة الأرض، وأنه ليس بغريب حدوث عصر جليدي آخر يتلو هذا العصر. ما توجهات المدرسة الثالثة؟ أما المذهب أو المدرسة الثالثة التي يتصدرها علماء المناخ الألمان في ماكس بلانك بهايدلبرج، ألمانيا، فتعطي رأياً وسطاً بين المدرستين السالف ذكرهما عن ظاهرة الاحتباس، وترى هذه المدرسة أن السبب الرئيس في زيادة درجة الحرارة على سطح الأرض هو في حقيقته ناتج عن الإشعاعات الكونية والغيوم التي تؤثر في تغيرات المناخ. وأن تفاعل الرياح الشمسية مع المجال المغناطيسي الكوني يقلل من كمية الأشعة الكونية التي تخترق الغلاف الجوي للأرض، التي تحتوي على ذرات عالية الطاقة وتصطدم بذرات الهواء مما ينتج عنه ذرات جديدة تكون النواة لأنواع معينة من السحب التي تساعد على تبريد سطح الأرض، وعليه فإن وجود هذا النشاط الشمسي المتفاعل مع المجال المغناطيسي يتسبب في نقص كمية الأشعة الكونية، أي نقص السحب التي تساعد على تبريد سطح الأرض وينتج عنه ارتفاع في درجة حرارة سطح الأرض. وسيؤدي انخفاض هذا النشاط الشمسي المؤقت إلى عودة درجة حرارة الأرض إلى طبيعتها، وترى هذه المدرسة أن ممارسات البشر وأنشطتهم على سطح الأرض مهما كانت ضخامتها فلن يؤثر ذلك في النظام الكوني الضخم الذي يتضمن النظام المناخي للأرض، وعليه فخفض نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون لن يغير من الأمر شيئا ما دام النشاط الشمسي مستمرا، وتوصي هذه المدرسة البيئية بتركيز الاستثمارات في كل دولة على تنقية هواء مدنها من الغازات السامة. #2# النفط في كنف التحولات الجذرية وتقويم المعلومات باستثناء دور المملكة وجهودها في هذا المضمار كما نوهنا سابقاً، كان هناك شبه غياب لأي دور فاعل للدول المنتجة والمصدرة للبترول من داخل ''أوبك'' وكذلك من خارجها بما فيها روسيا والمكسيك والنرويج وكندا... إلخ، وعدم قدرتها على توحيد الرؤية الواضحة لصد الهجمات المناخية المتتالية, خصوصاً ضد البترول، ولم تكن هنالك مساهمة إيجابية تذكر من تلك الدول في تقويم المعلومات المتعلقة بالتغير المناخي منذ أن تركز الاهتمام العالمي بظاهرة الاحتباس الحراري، خصوصاً عندما تبوأت المدرسة المناخية المعاصرة، وبالذات الرأي المتشدد الذي يرجح أن الأسباب الرئيسة وراء ظاهرة الاحتباس الحراري ناتجة عن خطر الغازات الناشئة عن نشاطات الإنسان من استخدامه الطاقة ذات المصدر الأحفوري (بترول، وفحم، وغاز طبيعي)، وما ينبعث من غاز ثاني أكسيد الكربون نتيجة استخدامه، ما دعا أنصار حماية البيئة إلى الربط بين استخدام الطاقة ذات المصدر الأحفوري والكوارث والظواهر البيئية المدمرة وتغير المناخ التي تهدد الحياة على كوكب الأرض، وفي وقت وجيز ازدهرت تلك المدرسة البيئية وأصبح الآن أحد المسلمات البيئية أن الذي تسبب في ازدياد درجة تركز غازات GHGs التي يعد ثاني أكسيد الكربون أهمها في الغلاف الجوي هو نتيجة للنشاط البشري وبخاصة التوسع في استهلاك الوقود الأحفوري، أي الفحم الحجري والبترول والغاز الطبيعي، وعلى الرغم من وجود كثير من المشككين في تلك النظرية حتى من مدرستها نفسها عند نشوئها، كما نوهنا سابقا، إلا أنها نجحت حتى في إقصاء الغازات والإشعاعات النووية الخطيرة جداً على المناخ، والتركيز على ثاني أكسيد الكربون وكثافته وخطورته على كوكب الأرض وأنه السبب الأعظم في الاحتباس الحراري، وأن على العالم التوجه إلى التقليل من استخداماته واستبداله بطاقة نظيفة لا تنفث غازات ثاني أكسيد الكربون، وبدأت دراسات وتحليلات مهولة تتبلور وتتصاعد من تلك النظرية ومنها على سيبل المثال ما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية الذي ذكر فيه أن التغيرات المناخية مسؤولة عن 2.5 في المائة من حالات الإسهال على مستوى العالم و2 في المائة من حالات الملاريا، وأن زيادة مياه الأمطار التي تسبب فيها التغير المناخي على سبيل المثال، يمكن أن تتجمع في برك راكدة ''تصبح أرضا خصبة لتوالد البعوض والحشرات الأخرى التي تنقل أمراضا مثل الملاريا وحمى الدنج. كما أن المنظمة قدرت أن ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض قتلت 150 ألف شخص عام 2000 فقط. أما التكلفة الاقتصادية لذلك فهي أرقام فلكية، كما جاء في إحدى الدراسات التي تبنت تلك النظرية وهي على سبيل المثال دراسة للعالم الاقتصادي البريطاني نيكولا شتيرن الذي قدر أن تصل التكلفة الاقتصادية العالمية لآثار وانعكاسات تغير المناخ إلى خمسة تريليونات و500 مليار يورو (5500 مليار يورو). ما المتوقع حدوثه مستقبلا؟ إن خطورة الاتجاه لتلك النظرية البيئية وما تلاها من دراسات وأبحاث بيئية، أنها كانت الأساس النظري الذي تمخضت عنه بصفة أساسية، والتي تشكل الأساس العلمي للمفاوضات الدولية والإطار البيئي للهيئة الحكومية الدولية للتغير المناخي أوIPCC UN-Intergovernmental-Panel on Climate Chang الذي تأسس في إطار الأمم المتحدة عام 1988 وعهد إليه بوضع الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي Framework-Convention-of-Climate Change – المعروف اختصاراً بـFCCC التي تبنتها الأمم المتحدة أواسط عام 1992، تستهدف بصفة أساسية تحجيم الغازات المسببة للاحتباس الحراريGreenhouse gases GHGs، وكان هناك انحياز شبه كامل في الاهتمامات ومنصب على غاز ثاني أكسيد الكربون, الذي كما تشير إليه الـ FCCC، أنه ينطلق إلى الغلاف الجوي بمعدلات كبيرة لا تستطيع العوامل الطبيعية كالأشجار والنباتات الموجودة حالياً استيعابها لتحقيق التوازن في المدى الطويل، ولأن النشاط البشري، كما تؤكده FCCC، يطلق كميات متزايدة من ذلك الغاز ما يزيد تركيزه في الغلاف الجوي والذي من شأنه أن يحدث آثاراً مدمرة في كوكب الأرض وارتفاع منسوب المياه وغرق الجزر والأراضي المنخفضة، ولقد تبنت تلك الاتجاهات النظرية الجهات الإعلامية والسياسية وتبوأت الأجندات السياسية الهولويودية وصدر فيلم نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور والمرعب عن الكوارث المناخية نتيجة لارتفاع حرارة المناخ بسبب ثاني أكسيد الكربون، التي على أثرها منح نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور جائزة نوبل مناصفة مع الهيئة الحكومية الدولية للتغير المناخي أو IPCC ، في دلالة واضحة على التسييس الذي يشوب الشؤون البيئية. وخلال العقود الثلاثة الماضية، لا يزال معظم الدول المنتجة للبترول تلعب دور المتلقي لكل تلك التطورات والمفاوضات والآثار الخطيرة التي تشكل تحدياً مهماً جداً للنفط ومن الغالب أنها ستنعكس سلباً على مصالحهم كدول المنتجة، ولم تكن هنالك محاولة من مجموعة تلك الدول لتلعب دورا فاعلا ولم تأخذ بسياسة المبادرة والتأثير المباشر في مسار الأحداث الدولية المتتالية لتتفادى أن تصل الأمور إلى نقطة المواجهة الحادة التي ستكون الخسارة فيها حتمية على الدول كافة من منتجي ومصدري البترول، سواء كانت من داخل ''أوبك'' أو من خارجها. ونظراً لتطلعاتنا الإيجابية تجاه ''أوبك'' فلقد كنت في بداية كتابتي لهذا المقال، أحمل ''أوبك'' الجزء الأكبر من المسؤولية تجاه هذا الشأن، ولكن تبين لي أنها في حقيقة الأمر هي الأخرى تواجه صعوبات جمة في تبني ذلك الدور ويصعب التكهن بتطورات تلك المصاعب الدولية التي تواجهها، فإضافة إلى كونها منظمة دولية لا تحظى بالحقوق نفسها الممنوحة للدول الأعضاء، تحت القانون الدولي، بل بصفة مراقب، إلا أن الأصعب هو دور أعضائها المزدوج، نظراً لأن الدور الذي تتبناه ''أوبك'' في نهاية الأمر يعكس دور أعضائها والدول المضطلعة بأدوار أخرى ومتعارضة حينما وجدت أنفسها مقحمة في الدفاع عن دورها المعاكس الآخر كدول تنتمي إلى الدول النامية ومستهلكة للطاقة في آن واحد وتدافع عن عدم تحميلها نسبة عالية من التكاليف لتصحيح مشكلة الاحتباس الحراري، الذي تسبب فيها أصلاً التقدم الصناعي في تلك الدول، وليس في الدول النامية ذاتها التي تكون نسبة تلويث بلدانها للمناخ خلال العقود الماضية، قليلة جداً مقارنة بدول كأمريكا والدول الصناعية الأخرى وتركز على إلقاء اللوم على الدول الصناعية حول مسؤولية التعامل مع ظاهرة التغير المناخي ودور التقنية وانتقالها وغيرها، كل هذا في محاولة لإبعاد تهم مسؤولياتها عن التدهور البيئي، ولقد تحقق لها ذلك جزئياً، ومنحت بعض الاستثناءات، واستمرت مطالبها تجاه الدول الصناعية بنقل التقنية وتمويل إجراءات ومشاريع الحد من انبعاث الغازات الدفيئة في الدول النامية، ودور آلية التنمية النظيفة في ذلك. وهذه التوجهات الواقعية للدول الأعضاء ولو أنها منطقية ونتج عنها تحقيق لبعض مطالبها في بروتوكول كيوتو، كدول تنتمي إلى مجموعة الـ 77 زائدا الصين، إلا أنها في طبيعتها أضعفت وتضعف الموقف الجماعي تجاه نظرية الاحتباس الحراري برمتها، وأدت إلى تراجع الاهتمام الجماعي الموحد كدول منتجة تدافع عن مصدر رزقها ''البترول''، وإذا استمر اتجاه التطورات البيئية كما هي الحال عليه وفي ظل غياب دور فاعل للدول المنتجة والمصدرة للبترول من داخل ''أوبك'' وخارجها وفي حشد وتنسيق بين تلك الدول واضطلاعها بدورها كمنتجة لسلعة مستهدفة من قبل الساسة البيئيين، وجعلها جبهة موحدة لحصار الخطر المحدق بها، فربما يواجه البترول صعوبة في تدارك تلك التطورات المتصارعة والسلبية كمصدر أساسي لغاز ثاني أكسيد الكربون، الذي ربما يؤدي إلى التوجه الفعلي إلى تحوّل الطلب من البترول إلى مصادر الطاقة الأخرى ''النظيفة'' والخالية أو قليلة لانبعاث ثاني أكسيد الكربون، كالطاقة النووية والإيثانول وطاقة الرياح والطاقة الشمسية .. إلخ، ولا سيما أننا بالفعل بدأنا نسمع بين الفينة والأخرى صرخات بعض الدول المنتجة من تلك التوجهات، والانحياز لتلك المصادر على حساب البترول، كما أن الخشية الكبرى تكمن في أن القانون الدولي، ربما سيحمل الدول المنتجة بشكل مباشر أو غير مباشر تبعات المسؤولية القانونية الدولية في مكافحة التغير المناخي، ما يعني أن تلك الدول المنتجة، وفي غياب تحديد هدف دفاعي مشترك واضح المعالم لقضية الانبعاث الغازية والتغيير المناخي، ستجد أنفسها في نهاية الأمر الضحية السهلة وتتبعها ربما مسؤولية ضخ الأموال اللازمة لإنقاذ البيئة وتحسينها وإعادتها إلى حالتها الطبيعية المفترضة. الدفاع الجماعي عن المصالح وإذا لم تتدارك الدول المنتجة من داخل ''أوبك'' وخارجها الدفاع الجماعي عن مصالحها كدول منتجة للنفط، والانخراط بشكل جماعي ومنسق وفاعل في المفاوضات وعلى جميع الأصعدة العلمية والفنية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية للدفاع عن النفط والمغالطات والتهم التي تحاك ضده، فإننا سنجد أنفسنا يوماً ليس بالبعيد أمام سيناريوهات ربما تبدو غريبة الآن ولكن احتمال حدوثها قائم، فالصعوبات التي تواجهنا ليس فقط في أن مستهلكي النفط سيتوجهون إلى مصادر الطاقة الأخرى، وما يمكن أن ينجم عن ذلك من خسائر على منتجي ومصدري النفط من جراء التوجهات للبحث عن مصدر آخر للطاقة و''أنظف بيئيا'' من الطاقة الأحفورية، هذه ليست في حد ذاتها خطراً محدقاً علينا على الرغم من أهمية تلك الفرضية وانعكاساتها السلبية كالإحجام عن الاستثمارات في مجال النفط وما يترتب عليه من تدني الطاقة الإنتاجية المستقبلية، بل أهم من ذلك هو في التوجه على سبيل المثال بإلزامنا كدول منتجة ومصدرة للبترول بدفع فاتورة الحد من التغيرات المناخية وربما، وعلى سبيل المثال، دفع التعويض المادي عن معظم ما جاء في تقارير المنظمات الدولية من كوارث ومآس عالمية ينسبونها بحق أو بغير حق إلى التغير المناخي، بدءا بالتعويض عن حالات الملاريا، وحمى الدنج، كما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية، أو ربما نجد أنفسنا ملزمين باستقبال وإيواء سكان الجزر التي قد تغرق في المحيط الهادي بسبب التغيرات المناخية وارتفاع مستويات المياه في البحار بسبب غاز ثاني أكسيد الكربون، كما جاء في تقرير لمؤسسات الأمم المتحدة وباحثين ومنظمات الإغاثة الدولية ونشر في جريدة ''الاقتصادية'' هذا اليوم وأثناء كتابة هذا الموضوع (يوم 29 يونيو 2009 العدد 5740) من أن التوقعات تظهر زيادة مطردة في أعداد اللاجئين الذين يتشردون بسبب التغير المناخي، وأنه بحلول عام 2050 سيصل عدد اللاجئين بسبب التغير المناخي إلى نحو 200 مليون شخص وذلك: ''.. بسبب التغير المناخي''، الذي على حد زعم المنظمات الدولية ''.. أحدث بالفعل تأثيرا متزايدا في قرار الأشخاص بترك منازلهم''. هذا وكأن تلك السيناريوهات التي تواجه البترول ومنتجيه ليست كافية لإرعابنا، يأتي الخطر الأعظم من الساسة في الولايات المتحدة الذين لا يألون جهدا في السعي إلى تكريس مفهوم أن البترول مادة مضرة وخطرة على البيئة، شأنها شأن ضرر التدخين على الصحة، وأن الدول المستهلكة للبترول هم مجرد ضحايا ومدمنون لهذه المادة ''البترول'' السامة للصحة البيئة، شأنهم شأن المدمن على تدخين التبغ الذين هم ضحايا هذه المادة ''التبغ'' السامة للصحة البدنية، هذا المفهوم الذي بدأت تروج له أكبر دولة ملوثة للبيئة، وتبوأ مركز الصدارة في الأجندات السياسية وفي الحملات الانتخابية والخطابات السياسية بما فيها خطابات للرئيس الحالي باراك أوباما في أن الولايات المتحدة ''مدمنة على استهلاك البترول''! هنا يجب أن نتوقف قليلاً أمام العلة المشتركة وهي مشكلة ''الإدمان''، وما المقصود من هذا الاصطلاح الغريب نوعاً ما؟ للجواب عن ذلك يجب تفسير ذلك المصطلح من خلال المفاهيم الأمريكية نفسها التي استخدمته وليس من خلال مفاهيمنا ومقاصدنا. إن خطورة هذا المصطلح هو في توجهه المقصود لإلحاق اللوم على الدول المنتجة والمصدرة لهذا ''الإدمان'' من قبل أمريكا لتمهيد الطرق القانونية بطلب التعويضات التقديرية لما تسبب فيه هذا ''الإدمان'' على استهلاك البترول من ضرر على البيئة، وبتبرئة ''المدمن''، كما هي الحال مع شركات التبغ التي بالفعل رفع المدمنون ضدها دعاوى قضائية وأجبرت قضائياً على دفع تعويضات لما أصاب المدمنين على استعمال التبغ من أمراض بسبب ''الإدمان على التدخين. إن طبيعة التركيبة السياسية القانونية الأمريكية تبرر احتمال حدوث تلك التوقعات التشاؤمية عندما يدعي رأس الهرم في القيادات الأمريكية أن دولتهم ''مدمنة'' على استهلاك البترول. فأبرز سمات القانون الأمريكي أنه يؤسس تشريعاته وأحكامه على السوابق القضائية كمصدر ملزم للتشريع والقضاء، أي مبدأ stare decisis، وبمعنى آخر أن القضاء الأمريكي يستمد قراراته على الحكم في قضية ما، وتحت ضوابط معينة، بالقرار نفسه الذي حكم به في قضية سابقة. فالقضاة ملزمون عرفاً وقانوناً وحكماً بتأسيس الحكم في قضية منظورة على ما سبقه من حكم لاشتراكها في العلة وأن أهمية القضية المنظورة هي في ''العلة'' المشتركة فقط مع ما سبقها من قضايا محكوم فيها لينطبق عليها الحكم السابق نفسها، ولا يحيد القاضي أو يغير في هذا النهج أبداً، ويعبّر عن هذا المبدأ بالعبارة القانونية اللاتينية: stare decisis et quieta non mover كما أن الولايات المتحدة لا تخفي عداءها للدول المنتجة والمصدرة للبترول, خصوصاً لـ ''أوبك'' وربما تنتظر اليوم الذي يتم فيه دخول أي معاهدة دولية لحماية البيئة حيز التنفيذ لترفع دعاوى مشابهة لما قام به مجلس الشيوخ في محاربته ''أوبك''، في منظمة التجارة العالمية، فعلى الرغم من أن منظمة ''أوبك'' في تلك الفترة عام 2004 لم تكن مشاركة في منظمة التجارة العالمية ولا حتى بصفة مراقب، إلا أنه حالما وصل عدد دول ''أوبك'' المشاركة في منظمة التجارة العالمية سبعة أعضاء في ذلك عام2004، هبت هبوب مجلس الشيوخ الأمريكي وقام بتقديم قانون يوجه الرئيس فيه برفع قضية أمام منظمة التجارة العالمية يطالب فيه بحل منظمة ''أوبك'' بسبب انتهاكها قواعد منظمة التجارة بتقييد الإنتاج والتواطؤ لرفع أسعار النفط . البترول .. السلعة العالمية إن ما يقلقنا هو أن نرى اليوم الذي يستهلك فيه بترولنا، وفي الوقت نفسه نلاحق أخلاقياً وسياسياً أو حتى قانونياًً لإجبارنا على دفع التعويضات عن الأضرار البيئية المفترضة والمحتملة، نعم لقد بدأ ناقوس الخطر في الجعجعة، وإذا تبنته الدول الصناعية في معاهدات دولية فبالتأكيد سينتج عن تلك الجعجعة طحين يخرج من محافظنا المالية كتعويضات لمن أراد تعويضاً. هذا ما يمكن أن نراه واقعا ملموساً في الأعوام القليلة المقبلة إذا استمرت الدول المنتجة للبترول في سياسة الاسترخاء وعدم المبالاة في مواجهة الاتهامات المتنامية حول سبب البترول في تغير المناخ. نعم لقد أدى استرخاؤنا في الماضي إلى إخفاقنا في تبني ودعم وتوجيه زخم النظريات الأساسية في المؤثرات البيئية عند نشوئها، ولم نسهم في تقويم المعلومات المتعلقة بالتغير المناخي من الزوايا العلمية والفنية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، منذ أن تركز الاهتمام العالمي على ظاهرة الاحتباس الحراري، ولكن هل هنالك أرضية ما زالت متاحة الآن في صد تلك الهجمات المتوالية، وقبل فوات الأوان؟ في حقيقة الأمر لا يزال في جعبة الدول المنتجة والمصدرة للبترول الكثير للتصدي للاتهامات المتنامية ضد البترول وسببه في قضية تغيير المناخ، ويأتي في مقدمتها المال ''فمن يملك المال يصنع القوانين'' الذي يجب أن يسهم فيه جميع الدول المنتجة من داخل ''أوبك'' وخارجها, وكذلك شركات البترول العالمية، أو ربما عن طريق فرض مبلغ معين على كل برميل ينتج لهذا الغرض، وبحيث يتم استثمار تلك العوائد وتوجيهها التوجيه السليم لمصلحة الدفاع عن البترول. إن المساهمة المالية لهذا الغرض توجب نشر الوعي بين الدول الأعضاء والدول المنتجة والشركات البترولية الكبرى، والعمل على شحن جهود الجميع والتنسيق بينهم وتوحيد صفوفهم وجهودهم وتركيزها ضد الخطر المحدق بالبترول ومن التبعات السلبية الأخلاقية والإعلامية والاقتصادية والقانونية من جراء تسييس الشؤون البيئية وتحويرها ضد البترول وبالتالي منتجيه. ثانياً الاستعجال بوضع برنامج لدعم مراكز البحوث التي تثبت عدم صحة أو يقينية تلك الظاهرة الطبيعية والتركيز على الجدل العلمي والخلاف الذي لم ينقطع في التشكيك في حقيقة ظاهرة تغير المناخ وواقعية تداعياتها ومخاطرها المحتملة، وذلك عن طريق تكثيف الجهود الإعلامية والاستثمارات المالية في مراكز الجامعات والمعاهد البحثية والعمل على تبني أكبر عدد ممكن من مراكز البحوث البيئية التي تثبت عدم صحة أو يقينية تلك الظاهرة الطبيعية، فعلى سبيل المثال يوجد في أمريكا فقط أكثر من 31 ألف عالم بيئة وشؤون المناخ يعارضون بقوة وبشكل علني نظرية ظاهرة الاحتباس الحراري، كما أنه يفترض دعم مراكز البحوث التي ترجح احتمال وجود هذه الظاهرة، ولكنها تؤكد أن المنبعثات الأخرى من الغازات المصنعة والإشعاعات أكبر خطورة وضررا من الغازات التي تنتج طبيعياً كغاز ثاني أكسيد الكربون، أي توضيح علاقة الوقود الأحفوري بالاحتباس الحراري ومقارنة مخاطره بمخاطر البدائل المتوافرة لاستعمال أنواع مصادر الطاقة الأخرى كالمفاعلات الكهرونووية. ثالثاً نشر التوعية البيئية والإعلامية والأخطار البيئية الأخرى من استعمال البدائل الأخرى لمصادر الطاقة، والعمل على تكثيف الدراسات البحثية في إبراز خطورة الإشعاعات النووية الصادرة من المفاعلات الكهرونووية، وخطورة الحوادث النووية، وذلك لوقف دعوات بعض الدول التي أغلبها تستخدم الطاقة النووية ''لنظافتها بيئياً''، وتلجأ إلى فرض ضرائب كربونة إضافية على النفط بهدف تقليص استهلاكه، لصالح الطاقة النووية ''النظيفة بيئيا''. فبمقارنة مصادر الطاقة وأخفها ضررا على البيئة وعلى الإنسان فإننا سنجد أن الطاقة المستمدة من البترول وحتى من الفحم الحجري نجده أنه أنظف وأسلم وآمن على البيئة من الطاقة المستمدة من المفاعلات النووية، والمقارنة المحسوسة تثبت ذلك، فطبيعة المفاعلات النووية ومحطات الكهرونووية بجميع أنواعها تعتمد على حدوث انشطار الوقود النووي وشحنتها المشعة لإنتاج الحرارة العالية وبالتالي الطاقة، ما يعني أن النظائر المشعة الناتجة تنبعث من مداخن المفاعلات إلى الجو على شكل غازات خطيرة جداً كغاز الكربتون، الزنون، واليود، وجزء كبير من هذه الشوائب أغلبها غازي ألاركون والأوكسجين ونظائر الكوبالت والحديد والنيكل وكلها مشعة يتطاير في الهواء ويستقر في الطبقات العليا من الجو، والآخر يتحول إلى متساقطات على التربة وفي المياه على شكل صلب لنظائر عنصري السيزيوم والسترونتيوم المشعين، هذا إذا افترضنا الأمن والسلامة في عمل تلك المفاعلات، أما إذا وقعت حوادث أو أعطال في تلك المفاعلات النووية، كاحتراق المفاعل النووي فرضاً، فإنه يرافقه انتشار مواد مشعة وخطيرة جداً في الجو وعلى سطح الأرض وربما قاتلة، وعلى الرغم من قلة حصول هذه الحوادث إلا أن احتمالية حدوثها تبقى موجودة بين فترة وأخرى وآثارها كارثية في البيئة وفتاكة على البشر، ولقد وقعت ست حوادث عالمية كانت الأولى في المحطة النووية في ''حالك كيفر'' كندا عام 1952، كما اشتعلت النيران في مفاعل في إنجلترا عام1957 وأدى الحادث إلى تلوث 200 ميل مربع بالمواد المشعة ونجم عن تشخيص 30 حالة سرطان. ومنع تناول الحليب في المنطقة لمدة شهر، وفي الاتحاد السوفياتي وقعت حادثتان, واحدة في جنوب جبال أوران سنة 1958 تم التكتم على أي معلومات تخص مستوى التلوث، وكذلك كارثة تشرنوبل عام 1986, إذ أدى إلى موت مباشر، وارتفاع في كميات هائلة من المواد المشعة إلى أعلى الجو. وتأثرت جميع دول أوروبا بهذا الحادث. أما في الولايات المتحدة فلم يسعفها تشديد الرقابة على الأمن والسلامة في عمل المفاعلات النووبة، حيث وقعت حادثتان عام 1961 وعام 1979 واحدة في ''إس إل'' قرب أيدهو فالس، و تسبب في انفجار خلف بعض القتلى. والأخرى في ''ثري مايل آيلند'' عام 1979, ما أدى إلى انصهار قلب المفاعل، وانفلات كميات كبيرة من المواد المشعة إلى الجو، وانتشر على سطح الأرض، وخطرها على المواطنين القريبين لا يزال قائماً حتى كتابة هذا المقال. كما أن التجارب النووية والتفجيرات لأغراض التجارب النووية فوق سطح الأرض وفي أعالي الجو أو في باطن الأرض واستعمال الأسلحة النووية رغم أنها لم تستعمل إلا في هيروشيما وناكازاكي في اليابان لكن تأثيراتها في البيئة مازالت واضحة، هذا إضافة إلى حدوث انفجار المركبات الفضائية أو الصواريخ التي تعمل بالطاقة النووية، أو تخزين المخلفات النووية ومركبات النظائر المشعة السهلة الانتشار من مشعات ألفا وبيتا، بعض من هذا ربما أكثر وأخطر على المناخ من مجموع ثاني أكسيد الكربون الذي نتج عن استخدام البترول كطاقة منذ اكتشاف البترول. وهنالك كثير من النظريات البيئية التي تكشف خطورة المواد غير الطبيعية والغازات المصنعة والممارسات العسكرية والتجارب النووية المسيئة حقاً في تدمير البيئة والبشرية، ومنها ما ذكرت بعض التقديرات العلمية البيئية لقوى السلام العالمية بأنه لو تم إطلاق نحو 500 صاروخ أمريكي من نوع ( ساترن – 5 ) في وقت واحد فإن طبقة الأوزون ستتلاشى كلياً من الغلاف الجوي، أو أنه توجد على سطح الأرض قنابل نووية كافية للقضاء على كوكب الأرض عشرات المرات. مَن يواجه الوضع؟ هذه بعض من الأمثلة التي يسوقها المنطق لنسف النظريات التي تتهم البترول كمادة ملوثة للبيئة، وتتجاهل ما حوله من مخاطر أشد فتكاً وخطورة على المناخ وعلى البيئة وحتى على كل الكائنات الحية بما فيها الإنسان بل حتى على الكوكب الأرضي برمته، وتمكننا بالتقاط زمام الأمور على المستوى الدولي لتوسيع دائرة المؤثرات السلبية في بعض نظريات البيئة، كما أنه لا يزال بين أيدينا قوة النظريات المشككة في تأثير غاز ثاني أكسيد الكربون كمؤثر خطير في التغيير المناخي، ولا يزال في مقدورنا أن نتبنى تلك النظريات ونطورها واستثمارها الاستثمار الأمثل لمصلحتنا وذلك بالتفاوض من خلالها، أما محور المسؤولية والتكلفة ومن يتحملها فهي أمور لاحقة لما تثبته النظريات البيئية تجاه التغير المناخي.
إنشرها