ما الشركات السعودية الكبيرة المستحقة لبرنامج إنقاذ ائتماني؟

|
ضمن مساعيها لتحفيز النشاط الائتماني في الاقتصاد، خفضت مؤسسة النقد العربي السعودي، سعر الريبو العكسي للمرة الثالثة في العام الحالي بمعدل 25 نقطة أساس إلى 0.25 في المائة، وهذا يعني تقليل جاذبية إيداع البنوك أموالها الفائضة لدى مؤسسة النقد، وبالتالي تحفيز تلك البنوك لتشغيل هذه الأموال في نشاطها الائتماني في السوق المحلي. والبنوك السعودية تواجه هذه الفترة مخاطر الإقراض لآجال طويلة في ظروف اقتصادية عالمية ومحلية غير واضحة المعالم. فقد تأثر عدد من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية المحلية بالأزمة العالمية، وخصوصا تلك التي تعتمد على التصدير. كما تأثرت بها الشركات الممتدة أصولها الاستثمارية خارج المملكة وانخفضت قيمها الرأسمالية وإيراداتها من هذه الأصول، وبالتالي انخفضت مقدرتها على تسديد التزاماتها الائتمانية. وسمعنا أخيرا عن شركات عائلية ممتدة التاريخ والخبرة إلى عقود من الزمن أصبحت معرضة لشكل من أشكال الإفلاس بعد توقف البنوك عن إقراضها ومطالبتها بكامل ما عليها من التزامات سواء قصيرة أو طويلة الأجل. وانخفضت درجات التقييم التي تمنحها مؤسسات تقييم الائتمان العالمية لعدد من الشركات المحلية بناء على انكشاف هذه الشركات على مخاطر ائتمانية جدية. وأخيرا، قرأت مقالا للدكتور عبد العزيز الدخيل، رئيس المركز الاستشاري للاستثمار والتمويل، يدعو فيه وزارة المالية ممثلة بصناديقها الإقراضية إلى توفير مصادر تمويل وضمانات تمويل للشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبيرة ذات الملكية الخاصة التي تعرضت لجفاف الخطوط الائتمانية المقدمة لها من البنوك، أسوة بمثيلاتها التي تملك الحكومة كل أو جزءا من حصصها مثل شركتي سابك وحديد. وبلا شك، فإن على وزارة المالية دورا كبيرا في مراقبة النشاط الاقتصادي بعين فاحصة في مثل هذه الظروف التي يتداخل فيها عديد من العوامل المحلية والعالمية، ومن ثم التدخل لإصلاح أو تعديل ما يمكن أن يؤثر سلبا في الاقتصاد، الذي بدوره يؤثر في حاجة المواطن من وظائف وسلع وخدمات. وأثبتت الأحداث العالمية الأخيرة أنه لا يمكن تطبيق النهج الرأسمالي الصرف فيما يخص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. فهناك عديد من العوامل المهمة التي يجب أن تؤخذ في عين الاعتبار لتقدير المدى الذي يمكن أن تتدخل فيه الدولة في النشاط الاقتصادي. وفي رأيي أن أبرز عاملين مهمين في حالتنا السعودية هما مستوى التوظيف للموارد البشرية والمادية الذي يمكن أن يخسره الاقتصاد بتساقط هذه الشركات، وعدم وجود نظام إفلاس يحمي الشركات من الدائنين. فإذا أصبح تعرض عدد محدود من الشركات الكبيرة لخطر الإفلاس يمكن أن يؤدي إلى فقدان آلاف من المواطنين وظائفهم، أو يؤدي إلى توقف إنتاج منتجات أو خدمات أساسية للمواطن، أو تفقد معه الدولة مصدر دخل ناتجا عن استغلال مورد طبيعي، فإن على الدولة التدخل لإنقاذ هذه الشركات أو القطاع وعدم تركها وحيدة تواجه قوانين السوق الرأسمالية البحتة. وهذا ما طبقته الحكومة الأمريكية لإنقاذ عديد من رموزها التجارية. إضافة إلى ذلك، تواجه الشركات السعودية مخاطر الإفلاس دون وجود نظام إفلاس يحميها من الدائنين إلى حين إعادة هيكلة أعمالها، كما هو الحال في النظم الرأسمالية المتقدمة. وبالتالي، فإن الحجز على أصول الشركة بناء على طلب الدائنين يعرضها إلى توقف أنشطتها التشغيلية ومن ثم تفتيت قيم هذه الأصول وزوال الشركة. لذا، أتفق مع الدكتور الدخيل على أن على وزارة المالية عبر أحد أذرعها التمويلية مثل صندوق الاستثمارات العامة أو صندوق التنمية الصناعي إنشاء برنامج طوارئ عاجل تشتري بموجبه الوزارة القروض المستحقة على هذه الشركات أو تقدم الضمانات مقابلها للبنوك التجارية وتقدم قروضا قصيرة الأجل لتمويل رأس المال العامل، وبالتالي إعادة النقد إلى شرايين هذه الشركات للعودة مرة أخرى للإنتاج والربحية المتوقعة منها. وأستعرض هنا المعايير التي أرى وجوب توافرها في الشركات ومؤسسات الأعمال المستفيدة من هذا البرنامج. 1- أن تكون أنشطة الشركة تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويدخل في هذا المعيار معظم الشركات الصناعية والخدمية، بينما تستبعد الشركات ذات الطابع التجاري المعتمدة على الاستيراد فقط. 2- أن تكون أنشطة الشركة ذات جدوى اقتصادية طويلة الأجل مع الأخذ في الاعتبار الأزمة المالية الحالية وتوقعات سوق منتجاتها المستقبلية. وهذا يعني تطبيق إجراءات البنوك التجارية في تقييم أداء الشركة والجدوى الاقتصادية لأنشطتها ثم اتخاذ قرار تمويلها بغض النظر عن عنصر المخاطرة الذي منع البنوك التجارية من تمويل هذه الشركة. 3- أن تتنازل الشركة عن شيء من أصولها كضمان لصالح الصندوق الحكومي الذي مولها أو قدم لها ضمانات وتسهيلات ائتمانية. وهنا أشير إلى أنه لا بد للصندوق الحكومي من تخفيض متطلباته في الرهونات التي يمكن أن تقدمها الشركة للاستفادة من هذا البرنامج، على اعتبار أن هدف الصندوق الأول هو نجاح واستمرار الشركة ويأتي بعده ضمان مستحقاته التي يمكن ضمانها بالسيادة العامة للدولة على الشركة. 4- أن يقتصر التمويل على الأنشطة التشغيلية والمالية فقط، وليس التوسعات الرأسمالية، التي يمكن أن تمول عن طريق طرح أسهم أو دخول شركاء جدد أو غيرها من طرق التمويل بالحصص إذا لم يتوافر التمويل بالقروض. كما يمكن تأجيل هذه التوسعات الرأسمالية إلى حين تحسن الوضع الائتماني للشركة والاقتصاد بشكل عام، وهو ما فعله عديد من الشركات الحكومية والخاصة التي أعلنت عن تأجيل تنفيذ خططها التوسعية التي سبق أن أعلنت عنها في فترة ما قبل الأزمة الحالية. 5- أن تكون الشركة في وضع ائتماني خطر لا تستطيع معه الحصول على تمويل أنشطتها التشغيلية من الائتمان البنكي التجاري. وبذلك لا تدخل في البرنامج شركة يمكنها الحصول على تمويل بنكي تجاري وتمتنع عن الاستفادة منه لرغبتها في استغلال فرصة القرض الحكومي الرخيص أو المجاني. 6- أن يتم تقييم أداء إدارة الشركة لفترة ماضية كافية (سنتين مثلا)، وذلك للتأكد من جودة الإدارة الحالية في استغلال موارد الشركة المالية وأصولها لتحقيق أهدافها. فإذا أظهر التقييم أن إدارة الشركة (بغض النظر عن الملكية) اتبعت طريقة غير مهنية أو اتخذت قرارات غير مبنية على أسس سليمة، فيمكن فرض إعادة هيكلة للشركة وتطبيق سياسات حوكمة الشركات عليها بما يضمن عدم تعرضها مستقبلا لقرارات فردية أو شخصية تؤدي إلى خسائر غير مبررة أو التعرض للإفلاس. مرة أخرى، تدخل الدولة لضمان استمرار الشركات الكبيرة مطلب يجب أن تأخذه في الاعتبار لاعتبارات عديدة من أهمها توفير الاطمئنان للنشاط الائتماني كمتطلب مهم لاقتصاد معافى وصحيح.
إنشرها