التحذير من خلطات مغشوشة تزعم معالجة البهاق

"مصائب قوم عند قوم فوائد" مثل عربي قديم يلخص بعبارته القصيرة حال الكثير من مدعي الطب الشعبي والعطارة الذين تفننوا في خلطات غريبة جعلوها دواء لكل داء، وجولة صغيرة على بعض محال العطارة تكشف لنا هذا الأمر، ففي هذه المحال نجد خلطات تقضي على أمراض القلب والربو والسمنة والسكر و... إلخ. الأمر الذي يجعلنا نتساءل: مادام هؤلاء يملكون القضاء على جميع هذه الأمراض فلماذا نرى المرضى يتزاحمون على أبواب المستشفيات؟! كان آخر ما تفتقت عنه أذهان بعض أصحاب هذه المحال ابتكار خلطات زعموا أنها عشبية خالية من المواد الكيماوية لمعالجة البهاق، وأخذ هؤلاء يبيعون هذه الخلطة بمئات الريالات، وبعد قيام المختصين بتحليل هذه الخلطات كانت المفاجأة.. إن الخلطة مكونة أساسا من دواء صيدلاني فعال ضد البهاق لا يتجاوز سعره 52 ريالا وقد أضيفت إليه مواد أخرى لإخفاء طبيعته. عن هذه الحالة وغيرها يقول لـ "الاقتصادية" الدكتور أحمد العيسى استشاري أمراض طب وجراحة الجلد والليزر إن الغش التجاري الطبي وصل حاليا إلى مراحل متقدمة، فبعد أن كان بعض مدعي العلاج بالأعشاب يأخذون أعشابا من الصحراء ويخلطونها، ويزعمون فاعليتها في علاج الكثير من الأمراض، اتجهوا حاليا إلى العلاج الصيدلاني للبهاق أو السكر وغيرهما وأخذوا يبيعونها على أنها أعشاب، ويضرب العيسى على ذلك مثلا بدواء أكسولارين الذي يستخدمه 80 في المائة من مرضى البهاق، وهو فعال بشكل كبير ويستخدم منذ 40 عاما ويباع بمبلغ 52 ريالا، ولا يحتوي على الكورتيزون، ونجد حاليا – كما يقول العيسى- بعض محال الأعشاب تأخذ الإكسولارين وتخلطه بمواد أخرى وتبيعه لمرض البهاق على أنه خلطة عشبية لا تحتوي على أي مواد صيدلانية وبأعلى الأسعار، وسيرى المريض فاعلية لهذه الخلطة لأنه في الحقيقة يستخدم إكسولارين، ولكنه بدلا من أن يدفع 52 ريالا يدفع ألف ريال. ويشرح العيسى سر شهرة كثير من مدعي العلاج بالأعشاب وهو أن يستخدموا الأدوية الصيدلانية في خلطاتهم وبالتالي يرى المريض نتيجة واضحة فيقتنع بهم ويروج لهم دون أن يدري، ولو لم تنجح خلطاتهم بهذه الطريقة لما اشتهروا. ويضيف العيسى أن هناك مرهما اسمه ديرموفيد سعره ثمانية ريالات وبالجملة 7.5 ريال وهو عبارة عن كورتيزون، رآه يباع بنحو 300 ريال وأكثر. وعن أسباب شيوع هذه الخلطات وانتشارها يرى العيسى أن ذلك يعود إلى سببين: الأول فاعليتها بسبب أنها دواء صيدلاني في الأصل، والسبب الثاني ارتفاع سعرها، فالمستهلكون -وخصوصا النساء- يقتنعون بالسلعة ذات السعر المرتفع، ويتركون الرخيصة حتى لو كانت جيدة، وتجار هذه الخلطات –كما يقول العيسى- عرفوا نفسية المستهلك تلك فرفعوا السعر؛ ولذلك نرى غالبية المحتاجين إلى المرهم المذكور يتركون الأصلي رخيص السعر ويتجهون للخلطة المجهولة غالية الثمن. النتيجة: هشاشة في العظام وعن أضرار هذه الخلطة في ظل استخدامها دون استشارة الطبيب يوضح الدكتور العيسى أن المشكلة تكمن في احتوائها على الكورتيزون الذي ثبت ضرره الكبير في حال أخذه بكميات كبيرة، ويستشهد العيسى على ذلك بحالة لإحدى المراجعات لديه تعاني حاليا من شلل، والسبب يعود -بعد قضاء الله وقدره- إلى استخدامها هذا الكريم لمدة أشهر بدون استشارة الطبيب، وقد سبب لها الكورتيزون هشاشة عظام ومن ثم أصابها كسر في الفقرة الرابعة من فقرات الظهر وأصيبت من جراء ذلك بالشلل، كل هذا لأنها استخدمت كريما صيدلانيا قيل لها إنه أعشاب طبيعية ومما زاد الحال صعوبة أنها استخدمته لفترة طويلة، رغم أن الأطباء يمنعون استخدام هذا الدواء لأكثر من أسبوعين. ويضيف العيسى أن قيام بعض ضعاف النفوس بإضافة مواد على أدوية البهاق زاد الأمر سوءا، فهم لا يعلمون المضاعفات التي ستنتج عن خلط تلك المواد، ويؤكد العيسى أن لديه حالات لمرضى ارتفعت لديهم أنزيمات الكبد بسبب بعض العلاجات الموضعية، موضحا أن كثيرا من الناس يظنون أن العلاج الموضعي لا يتعدى أثره المكان الذي وضع فيه، وهذا غير صحيح، فهو يتسرب إلى القلب والكبد عبر الدم الذي يمتص هذه الأدوية من الجلد -حيث إن الجلد يتصل اتصالا كاملا بالقلب والرئة والكبد- فأي شيء يوضع على الجلد يصل إلى هذه الأعضاء قليلا كان أم كثيرا، ولذلك يمنع أطباء الأمراض الجلدية الحوامل من استخدام كثير من الكريمات لأنها تصل إلى الجنين. أساليب خاطئة ويرى الدكتور العيسى أن أساليب بعض الأطباء من الممكن أن تُلجئ بعض المصابين بالبهاق إلى محال العطارة؛ فمع توجه كثير من أطباء الجلدية إلى العمليات التجميلية من أجل الربح السريع نجد بعضهم لا يرحب بمريض البهاق؛ لأن مدخوله المادي من وراء معالجته ضعيف، ونجد أحيانا أن مريض البهاق بعد أن ينتظر موعده مع الطبيب شهرا أو شهرين ويظن خلال هذه المدة أن الطبيب سيرحب به ويسمع معاناته بإنصات ويعطيه ما يحتاج من أدوية، يفاجأ حين لقائه بالطبيب أن طبيبه سرعان ما يصف له أكسولارين ويطلب منه مراجعته بعد شهرين أو ثلاثة، وهنا يخرج المريض من عند هذه الطبيب محبطا منه ومن الناس لأنه لا يوجد من يسمع له، وبالتالي يتجه إلى هذه الخلطات. التشهير هو الحل وحول كيفية القضاء على ظاهرة المتاجرة بالخلطات المجهولة غير المصرحة يقترح العيسى التشهير بمن يتاجر بهذه الخلطات كحل جذري ونهائي؛ لأنه من أمن العقوبة أساء الأدب، ومروجو هذه الخلطات لا تهمهم العقوبة الحالية وأقسى عقوبة لهم –كما يقول العيسى- إغلاق المحل لفترة معينة أو تغريمه عشرة آلاف ريال. ويضرب مثلا بالولايات المتحدة التي عانت من مشكلة ترويج الأعشاب لكنها واجهتها بحسم وفرضت على مروجيها عقوبات صارمة، ويقول: "أتمنى أن نرى الصرامة في وجه من يعبث بصحة الناس. فهؤلاء أشد ضررا بكثير من اللصوص الذين يسطون على المنازل، حيث إن ضررهم يتعدى سلب أموال الناس إلى سلب صحتهم". مرضى البهاق.. هل هم منسيون؟ الجدير بالذكر أن البهاق مرض يسبب بياضا في الجلد ناتجا عن مناعة في الجلد تهاجم الخلايا الصبغية، وهو أنواع: نوع برصي ونوع قطعي ونوع موضعي، ويشدد استشاري أمراض طب وجراحة الجلد على ضرورة أن يعرف الناس أن البهاق لا علاقة له بالأمور النفسية ولا بالخوف ولا بنقص الفيتامينات أو نقص الغذاء أو أكل السمك وشرب الحليب، ويؤكد أن كل هذه اعتقادات قديمة غير صحيحة، ويضيف أن البهاق يصيب 2 في المائة من المجتمع السعودي وهي نسبة كبيرة لا يستهان بها. ويضيف العيسى أن البهاق من الأمراض التي يوجد لها علاجات فعالة ومتنوعة أحدثها عملية زراعة الخلايا الصبغية التي تصل نسبة نجاحها إلى 85 في المائة. وعن مدة علاجه يقول إنها متفاوتة فبعض الحالات تشفى خلال أشهر وبعضها تطول وتصل إلى سنين. ويستدرك العيسى موضحا أن أهم أمر في استجابة المريض للعلاج هو عدم يأسه، حيث إن مريض البهاق يعاني إضافة إلى مرضه مشكلة اجتماعية هي "الشلل الاجتماعي"؛ لأن الفتاة المصابة به –مثلا- تيأس من الزواج، وتخاف من الخروج، وتلازم المنزل، في حين نرى الإنسان مشلول القدمين يخرج ويخالط الناس, أما هذه المريضة فهي لا تخرج ولا تحب الحياة الاجتماعية وهذا هو الشلل الاجتماعي، الذي يؤدي بالتالي إلى مرض الاكتئاب، وربما أدى إلى الانتحار، لذلك ويتوقع العيسى-بناء على ذلك- أن 1 في المائة من مجتمعنا محتجب عن الناس هذا على فرضية أن الـ1 في المائة الآخرين لم يتأثروا نفسيا بما أصيبوا. ويبين العيسى أن مرض البهاق غير معد وليس وراثيا، ومما أساء بشكل كبير إلى نفسية المصابين به ظن البعض أنه معد وبالتالي تحاشي السلام عليهم والجلوس معهم، ويذكر العيسى قصة شخص جمع كل ما لديه من مال وافتتح محلا لدهن العود، وأصيب بالبهاق بعد افتتاح المحل، الأمر الذي جعل الزبائن تخرج من المحل فور رؤيته، وصرح للعيسى بأنه لم يأسف على خسارته المالية بمقدار أسفه على نفور الناس منه. ويوضح العيسى أن مرضى البهاق لا يجدون إلى الآن الدعم الاجتماعي والنفسي الكافي ممن حولهم، وخصوصا من الفتيات، فالأهل يعانون بشدة إذا أصيبت ابنتهم بالبهاق الأمر الذي يجعلها تمتنع عن الاختلاط بالناس فلا تدرس ولا تذهب لمناسبات اجتماعية، وتجلس في البيت لا عمل لها سوى متابعة القنوات الفضائية أو تصفح الإنترنت ما قد يجر المزيد من المصائب والويلات على هذه الفتاة. وينصح العيسى الأطباء والمجتمع بالالتفات إلى فئة المصابين بالبهاق حتى لا نخسر 2 في المائة ممن يعيشون معنا، ويجب أن يكون التعامل معهم تعاملا طبيعيا كأي شخص سليم نتزوج منهم ونزوجهم ونصافحهم؛ لأن هذا المرض ليس وراثيا ولا معديا. ويوضح أن مريض البهاق بحاجة إلى دعم نفسي اجتماعي أكثر من الأدوية، وهذا الأمر الذي نفتقده في مجتمعنا، وهناك بحث نشر أخيرا أكد أن مريض البهاق يعاني أكثر مما يعاني مريض القلب؛ لأن معاناته معاناة مزمنة، فهو قد يترك عمله ويفقد أصدقاءه ويجلس وحيدا يقاسي آلامه، فمن له بعد الله سوى أهله ومجتمعه؟
إنشرها

أضف تعليق