نحو هيئة وطنية للاعتماد التربوي

|
ظهرت في الآونة الأخيرة نداءات متعددة من بعض التربويين لإصلاح التعليم العام، والرقي بمستواه، ومعالجة عيوبه، وتطوير مبانيه وإمكاناته البشرية والمادية. ومع أن الإصلاح المطلوب يشمل كل مظاهر وآليات التعليم العام مثل المناهج الدراسية، وطرق التدريس، والوسائل التعليمية، والبيئة المدرسية؛ إلا أنه يجب أن يتوجه بدرجة أكبر إلى المعلم بوصفه الحلقة الأقوى في عملية التربية والتعليم، وهو المحرك أو المتوج لأي جهود تصب في إصلاح أو تطوير التعليم. ومن هنا، بدأت الأصوات تتعالى لإعادة النظر في مؤسسات إعداد المعلمين ومحاولة إصلاحها، والرقي بمناهجها، وتقوية آليات التدريس والتدريب فيها لتحقق أهدافها في إعداد المعلمين الأكفاء القادرين على مواجهة التغيرات السريعة والمتلاحقة في ميدان التربية والتعليم. ومع كل الجهود التي بذلت - ولا تزال تبذل - في محاولة إصلاح مؤسسات إعداد المعلمين، إلا أن أداء تلك المؤسسات لا يزال أقل من المطلوب، ومخرجات تلك المؤسسات لا تزال أقل بكثير من مستوى الحد الأدنى الذي يؤهل المعلمين في جميع التخصصات ليتحملوا مسؤولياتهم التعليمية والتربوية بكل كفاءة واقتدار. وإزاء التوسع الكمي الكبير في مؤسسات إعداد المعلمين والمعلمات في المملكة، فقد أصبح من الضروري التفكير بجدية في تكوين مؤسسة أو هيئة وطنية للاعتماد التربوي في المملكة العربية السعودية تسهم في ضبط مستوى الجودة في التعليم العام من خلال وضع المعايير المهنية المناسبة للتأكد من تحقق المستوى النوعي لأي مؤسسة تتولى عملية إعداد المعلمين سواء أكانت كلية للتربية أم كلية لإعداد المعلمين أو المعلمات، أم مركزاً تأهيلياً أو تدريبياً. وتعرّف دائرة معارف التقويم التربوي الاعتماد التربوي بأنه: "العملية التي يتم بواسطتها الاعتراف ببرنامج أو مؤسسة تعليمية بناء على معايير متفق عليها". ويتضمن الاعتراف بأن البرنامج أو المؤسسة التعليمية يتحقق فيها المستوى النوعي من التعليم لمقابلة الأهداف المتوقعة من ذلك البرنامج أو تلك المؤسسة. وقد نشأ نظام الاعتماد التربوي وتطور في الولايات المتحدة على أساس تطوعي وغير حكومي، وأصبح له تأثير واسع النطاق بحيث أصبحت القرارات التي تصدرها جمعيات الاعتماد الأكاديمي تؤثر في قرارات التمويل والمساعدات المالية من قبل الجهات الحكومية الاتحادية أو المحلية والجمعيات الخيرية للمؤسسات التعليمية، كما تؤثر في السمعة العلمية للمؤسسة التعليمية، والاعتراف بالشهادات الصادرة عنها، وفي تعيين الخريجين، وتوجيه الطلاب للالتحاق بالكليات والجامعات، والترخيص بمزاولة المهن التي تحتاج إلى تدريب عملي بعد التخرج، وتحويل الطلاب من مؤسسة تعليمية إلى أخرى. ويعد المجلس الوطني لاعتماد مؤسسات إعداد المعلمين National Council for Accreditation of Teacher Education (NCATE) الجهة الرئيسة لاعتماد المؤسسات التربوية في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تجاوز عدد مؤسسات التعليم العالي التي اعتمدها المجلس 600 مؤسسة. وتتمثل رسالة المجلس في مساعدة الجمهور من خلال التأكد من اكتساب خريجي المؤسسات المعتمدة، المعرفة والمهارات والسِّمات اللازمة لمساعدة الطلاب كافة على التعلم، وعلى تحقيق الريادة في إصلاح مؤسسات إعداد المعلمين. وقد تعرضت معايير المجلس الوطني لاعتماد مؤسسات إعداد المعلمين لتعديلات عديدة منذ إنشاء المجلس في عام 1954، كان أهمها في عام 2002، حين انتقل المجلس من المعايير التي تركّز على المدخلات والإجراءات إلى المعايير التي تعتمد على الأداء، وتركز في ما يعرفه المرشح وما يمكن أن يفعله نتيجة لبرامج الإعداد المهني الذي يحصل عليه. ولا يمكن فهم عملية تحديد معايير المجلس الوطني لاعتماد مؤسسات إعداد المعلمين فهماً كاملاً دون بيان تنظيم المجلس والهيكل الذي يحكمه. فهيكل المجلس يضم تمثيلاً لكل الجماعات المهنية الرئيسية، التي لها مصلحة ثابتة في جودة إعداد المعلم في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن بين هذه الجماعات: الكليات والجامعات التي تُعِد المعلمين، والمنظمات المهنية، التي تمثل مهنة التربية والتعليم (مثل: جمعية التربية الوطنية، والاتحاد الأمريكي للمعلمين)؛ والمنظمات المهتمة بالطفل، مثل: مجلس الأطفال الاستثنائيين؛ ومنظمات القيادة التربوية، مثل: مجلس المديرين التنفيذيين للمدارس الرسمية؛ والمؤسسات المتخصصة، مثل: جمعية المكتبة الأمريكية؛ والمنظمات الخاصة بالمواد، مثل: جمعية القراءة الدولية، والمجلس الوطني لمعلمي الرياضيات؛ ومنظمات التقنية، مثل: الجمعية الدولية للتقنية في التعليم. ويبلغ إجمالي المؤسسات التابعة للمجلس 33 مؤسسة مهنية، تمثل مختلف الجماعات المؤسسية، التي لها مصلحة في توكيد جودة إعداد المعلمين، وهذه الجماعات تشارك في وضع اللوائح المنظمة للمجلس، وفي تشغيله. ويضم المجلس في تنظيمه ستة مجالس رأسية، تضطلع بمسؤولية تنفيذ رسالة المجلس، وهذه المجالس هي: 1 - المجلس التنفيذي، الذي يشرف على سائر معايير المجلس وسياساته وشؤونه المالية، واختيار وتقييم رئيسه ونظامه الأساسي. 2 - مجلس اعتماد الوحدات، الذي يطور معايير وإجراءات الاعتماد، ويشرف على عملية الاعتماد ويتخذ قرارات الاعتماد. 3 - مجلس شراكة الولاية، الذي يطور معايير اتفاقيات الشراكة بين الولاية والمجلس، ويعتمد الشراكات مع الولايات الأخرى. 4 - مجلس دراسات مجالات التخصص، الذي يعتمد المعايير الخاصة بالبرامج التي يتوقع من المؤسسات أن تستوفيها في مجالات الدراسة، مثل تعليم الرياضيات أو العلوم. 5 - مجلس الاستئناف، الذي ينظر في استئناف قرارات المجلس المخالفة، بخصوص اعتماد أي وحدة تعليم مهني، أو اتفاقية شراكة ولاية، أو اعتماد معايير البرنامج. 6 - مجلس الممتحنين، وهو مجموعة مدربة تدريباً خاصاً من المراجعين المهنيين، الذين يؤلفون فرقاً تقوم بزيارات ميدانية لمراجعة الجامعات في ضوء معايير المجلس، من أجل الاعتماد المبدئي أو المستمر. ويقوم فريق مجلس الممتحنين بزيارة ميدانية، ويُعد تقريراً شاملاً يقدم فيه التوصيات إلى مجلس اعتماد الوحدات، وما إذا كان كل معيار قد استُوفي تماماً أو ما إذا كانت هناك مناطق تحتاج إلى تحسين. ويجتمع مجلس اعتماد الوحدات مرتين في السنة لمراجعة تقارير مجلس الممتحنين من واقع الزيارات الميدانية، ويتخذ قراراته النهائية عما إذا كانت المؤسسة قد استوفت المعايير أم لم تستوفْها. وبمثل المجلس الوطني لاعتماد مؤسسات إعداد المعلمين، ومؤسسات مهنية أخرى معنية بضبط جودة التعليم العام استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تجعل من مهنة التعليم حرفة ذات مواصفات مهنية وعلمية عالية، كما استطاعت السيطرة على مؤسسات إعداد المعلمين لتخريج معلمين أكفاء يتحملون رسالتهم المهنية بكل ثقة واقتدار، وهو ما يدعو إلى التفكير الجاد في إنشاء هيئة وطنية للاعتماد التربوي في المملكة تعمل على تحقيق نظام قوي للاعتماد المهني لتطوير أداء مؤسسات إعداد المعلمين ورفع مستوى الجودة فيها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها