تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الخميس 1430/4/27 هـ. الموافق 23 إبريل 2009 العدد 5673
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 2007 يوم . عودة لعدد اليوم

المحكمة الكبرى في جدة نموذج يستحق الإشادة

د. معن عبد القادر كوسا

لا تكاد تخلو صحيفة محلية من مقال أو أكثر أسبوعيا عن المحاكم والقضاء والقضاة، وهذا يدل على أمرين الأول: الأهمية الكبرى لهذا المرفق كونه مؤثرا في المجتمع كله، والأمر الثاني: مستوى النضج والوعي لدى أفراد المجتمع من خلال الشفافية في الطرح والمساءلة ضمن حدود الشرع والأدب. وقد تلاحظ أن الغالب على تلك المقالات هو النقد وإبراز جوانب المعاناة والتقصير وتقديم مقترحات للتطوير والتحسين. لكنني أود في هذه المساحة أن أتحدث عن هذا المرفق الحساس من زاوية أخرى وهي إبراز تجربة من تجاربه الناجحة وصورة من صوره المشرقة.

فمن واقع زيارة ميدانية قمت بها أخيرا للمحكمة الكبرى في جدة، والتجول في مرافقها وزيارة أقسامها المختلفة، وجدت ما يسر الناظر ويبهج الخاطر ويثلج الصدر، ويمكن أن أوجز مشاهداتي عن المحكمة الكبرى في جدة في ثلاثة محاور:

أولها: استخدام الحاسب الآلي وتطبيقاته، فعلى كل مكتب في المحكمة ـ ولا يكاد يوجد استثناء ـ حاسب آلي، إذ علمت أنه منذ مطلع العام الهجري الماضي والمحكمة تطبق النظام الآلي الشامل للمحاكم في جميع مكاتبها القضائية، وهو تطبيق إلكتروني لإدارة القضايا (case management) يشمل تقديم الدعوى إلكترونيا، حيث يقوم موظفو الاستقبال بإدخالها في الحاسب من واقع النموذج الذي يملؤه صاحب الدعوى، ثم ينظر مكتب صحائف الدعوى في اختصاص المحكمة بها ويحيلها آليا إلى مكتب أحد القضاة ويحدد موعداً للجلسة.

فإذا حان موعد الجلسة وجد القاضي الدعوى على جهازه، فيقوم بمباشرتها وبجواره موظف يطبع ما يمليه عليه القاضي آنيا، وأمام المتقاضين شاشة كبيرة يتابعون من خلالها ما يطبع في الحاسب. فما إن تنتهي الجلسة حتى يعلم المتقاضون ما قضى به القاضي. ثم يقوم القاضي بطباعة المحضر للتوقيع والتصديق، بعدها يمسح المحضر ضوئيا ويخزن في النظام، ويطبع منه ثلاث نسخ آنياً (لصاحب القضية ومكتب القاضي والسجلات).

لقد أدى تطبيق النظام الشامل الآلي للمحاكم إلى خفض مدة إصدار الصك ورصده في السجلات من عشرة أيام على الأقل إلى أن يكون فورياً حيث يخرج صاحب الدعوى ومعه الصك في نفس اليوم الذي انتهت فيه القضية. وهذا فوق ما فيه من توفير الجهد والوقت يسمح بالبدء مباشرة فيما يترتب على الحكم من مباشرة التنفيذ أو الاعتراض والاستئناف، ما يسهم في العدالة السريعة.

وبعد أن أمكن توفير نسخة للسجلات آنياً عن طريق الحاسب، انخفض عدد الموظفين في قسم السجلات من 24 إلى ستة موظفين وتم تأهيل الآخرين والاستفادة منهم في أماكن أخرى في المحكمة.

لقد تطلب الوصول إلى هذا المستوى من استخدام الحاسب في المحكمة صرامة وجدية. فقد أنشأت المحكمة مركزاً للتدريب على الحاسب الآلي، وعند بدء تطبيق النظام الشامل ألزم كل موظف بحضور ساعة تدريب يومياً ( 8-9 صباحا) ولمدة عام كامل، ومن لا يحضر التدريب لا يحسب له دوام ذلك اليوم. لقد كان عدد الذين يحسنون استخدام الحاسب في المحكمة عند إنشاء المركز لا يتجاوز 12 موظفا من أكثر من 300 موظف، وبفضل هذه المتابعة والصرامة انعكست الآية فأصبح عدد الذين لا يحسنون استخدام الحاسب الآن لا يتجاوز 12 موظفا. كما يذكر لمحكمة جدة أنها من قامت بحصر الدعاوى التي تقدم إلى المحكمة بنوعيها الإجرائية والحقوقية، وإعطاء رمز لكل حالة، ما سهل إدخال القضايا في النظام الشامل وتقديم الدعوى إلكترونياً.

لقد ساهم استخدام الحاسب ـ مع تبسيط واختصار بعض الإجراءات "الحشوية"- في خفض مدة بعض القضايا من شهر إلى اليوم نفسه، وقد اطلعت على صك لقضية لها صلة ببيت المال جاء صاحبها من الأفلاج إلى جدة في الصباح، وعاد ظهر ذلك اليوم والصك في يده. وقد أخبرني الأخوة في المحكمة أنهم يطمحون إلى تمكين أفراد المجتمع في المستقبل القريب من تقديم الدعوى على الشبكة (On Line) دون الحاجة إلى الحضور للمحكمة، ولا يحضر أصحاب القضية إلا في الوقت المخصص للجلسة، وسيبدأ في تطبيق هذه الفكرة مع الدعاوى التي يرفعها المحامون.

أما الإنجاز الثاني فهو تخصيص مكتب للمحامين في أروقة المحكمة، يكون مقراً لهم، وهم الذين يتطلب عملهم مراجعات كثيرة للمحكمة. وساهم هذا المكتب في تحسين العلاقة بين القضاة والمحامين، وتحويلها من علاقة الشك بالآخر إلى شعور الجميع بأنهم جزء من المنظومة القضائية. وقد وصلت درجة حسن الصلة بين الطرفين إلى دفاع المحامين عن المحكمة أحياناً. كما انخفضت نسبة الشكاوى المرفوعة ضد المحكمة بنسبة 70 في المائة، حيث إن كثيرا منها أمكن حله بالتفاهم المباشر، إضافة إلى تبرع المحامين في المرافعة عن بعض المساجين بالتنسيق مع المحكمة.

أما الإنجاز الثالث لمحكمة جدة الكبرى فيتمثل في تواصلها الذكي مع اللجان والمؤسسات والجمعيات الخيرية فيما فيه مصلحة للمحكمة، ولتلك الجمعيات، وهو ما يعني في حقيقة الأمر مصلحة مضاعفة للمجتمع الذي تخدمه كلتا الجهتين.

فمن مبادرات المحكمة تخصيص مكتب للجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم، وقد ساهم هذا المكتب خلال عامين من إنشائه في جمع 5.5 مليون ريال ساهمت في إطلاق سراح 254 سجيناً. كما قامت اللجنة بإعداد دراسات قيمة عن سير معاملة السجناء وأسباب تأخرها مستعينة بالبيانات التي تزودها بها المحكمة.

ومن المبادرات أيضا أن خصصت المحكمة مكتبا للصلح الأسري تقوم عليه جمعية المودة، وقد ساهم في تسوية 57 في المائة من القضايا دون الحاجة إلى رفعها إلى القاضي، وفي تجهيز 30 في المائة من القضايا التي لم تحل بالصلح إلى القاضي، ما وفر عليه وقتاً كبيراً أثناء المرافعة.

ومن مبادرات المحكمة مكتب الوقف، حيث لاحظت المحكمة أنه يردها طلبات كثيرة لمحسنين يرغبون في وقف جزء من أموالهم نحو 264 قضية في عام واحد، فأنشأت مركزاً لإرشادهم إلى بعض مجالات الوقف مثل جمعيات تحفيظ القرآن ومراكز البحث الطبي على الأمراض المستعصية. وقد نجح المركز في الحصول على 19 وقفاً خلال عام واحد، تصل قيمة بعضها إلى خمسة ملايين ريال.

ولا شك أنه كان لفضيلة الشيخ راشد الهزاع رئيس المحكمة العامة في جدة دور كبير وصعب في ذات الوقت في النهوض بهذه المحكمة وتخطي العقبات وحفز أصحاب الفضيلة على إنجاح التقنية في العملية القضائية، وفي التواصل مع المحامين ومؤسسات المجتمع الخيرية والتطوعية.

وتبرز هذه الإنجازات بوضوح في أن هناك مساحة واسعة من التطوير والتحسين يمكن لرئيس المحكمة أن يجريها في محكمته دون أن ينتظر التعليمات. ولا بد أن لمحاكم أخرى تجاربها المميزة والناجحة، فحبذا لو عملنا على إبرازها لنقول للمحسن أحسنت، ولتفيد المحاكم بعضها من بعض.

وتأسيا بقول النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، نقول لفضيلة الشيخ الهزاع شكر الله لك ولكل المخلصين معك والمسؤولين الداعمين في وزارة العدل وجعل ذلك في موازينكم.

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل