المتعثرون في القروض البنكية .. إلى أين؟

د. نجلاء أحمد السويل
لا نستطيع أن نتصور أن هناك مجتمعا مثاليا يضم صفوة البشر أو يحتوي معاني الإنسانية الكريمة فحسب وما يجب علينا هو ألا ننسى أن المجتمعات الملائكية هي صورة أسطورية فقط ولا يمكن أن تكون لأولئك الناس الذين يقطنون على الأرض ولكن مع وجود هذه الحقيقة أو لنقل هذه المسلمة إلا أن عديدا من النظم والقوانين التي تفرضها جهات مسؤولة في المجتمعات المختلفة خاصة على مستوى الدول العربية هي قوانين لا تلمس بالضبط حالة الإنسان أو حتى أوضاعه الحقيقية بل إن كثيرا من الأنظمة عموما بل والاقتصادية على وجه التحديد تبتعد كثيرا عن إيجاد التفعيل الإيجابي لأوضاع الناس وبمعنى أدق أي أن كثيرا من القوانين التي تفرضها البنوك بشكل خاص هي أنظمة يستطيع أن يخترقها المحتالون إلى حد ما ولكن في المقابل هي تخنق وبلا رحمة الإنسان العادي البسيط فلا تترك أمامه أي مجال لأي تحركات إيجابية ولعل هذا ما ينطبق تحديدا على نظام القروض البنكية التي غمرت الكثيرين خاصة بعد تتالي الكوارث التي مرت بها البورصة السعودية كغيرها من البورصات العالمية ربما بسبب التضخم الذي "كسر" البورصة في عام 2006 أو حتى بسبب ما نشهده حاليا من تذبذبات مختلفة كنتائج نتلقاها كغيرنا من الدول الأخرى لانعكاسات أزمة الاقتصاد العالمي وبعيدا عن الحديث عن أزمة الاقتصاد العالمي التي بدت آثارها على دول كثيرة على مستوى العالم تتضح مشكلة أكبر سوءا على عدد غير بسيط من الأفراد داخل مجتمعنا تتعلق بمسألة القروض البنكية، ففي دول كثيرة حول العالم نجد أن مسألة القروض البنكية تعالج بصور متعددة ومختلفة دون أن تتسبب في دمار الفرد وانتهاء حياته وانهيار أسرته، حيث يبتعد العقاب للمقترض عن السجن في حالة عدم السداد إلا في بعض الحالات و في حدود شديدة الضيق فمثلا في الولايات المتحدة يسجل اسم المقترض المتعثر ضمن مرجعيات معينة حيث لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يتملك أي شيء على الإطلاق سواء سيارة أو منزل أو أي شيء آخر مهما كان بسيطا إلا بعد سداد القرض السابق وبناء عليه يضطر كثيرون لسداد قروضهم في مراحل كهذه بينما عندما يسجن المقترض وأحيانا مقابل مبالغ تافهة جدا فإن الخبرة المؤلمة التي يخرج بها من السجن تحمل كثيرا من المشاعر السلبية التي تتفاقم بمجرد أن ينظر إلى أسرته التي انهارت بسبب غيابه وفي النهاية نجد أن السجن الذي يحتجز فيه المتعثرون عن دفع قروضهم هو عقاب غير مجد لكثير من الذين يتقنون التحايل على النظام ويتصيدون ثغرات القانون حتى أن مثل تلك العينات السلبية إن وصلت إلى السجن تكون في المقابل قد اجتازت عشرات وعشرات عمليات الاقتراض البنكي ومن بنوك مختلفة وبطرق ملتوية متعددة وغيرها من العمليات المالية الأخرى وهذا ما يقلل من أهمية السجن كعقوبة مقابل القرض البنكي خاصة أن الواقع يشهد أن البنوك نفسها غالبا ما تكون صاحبة الفخ في كل تلك العملية عن طريق تقديم عديد مما تسمى (الامتيازات) أو كلمات رديفة لذلك والتي تتطلب من العميل أن يكون صاحب إرادة حديدية ورجلا اقتصاديا من الطراز الأول حتى تستطيع أن تفك طلاسم تلك الامتيازات التي تسجلها البنوك في عقود القروض لديها وبالتالي لا تقع في ذلك الفخ المتقن من قبل البنك ومن هنا فإن المقترض المتعثر يكون الضحية في كل الأحوال ومن هنا هل هناك نظرة من قبل الجهات المسؤولة من جميع الاتجاهات عن أهمية إزالة الحكم بالسجن عن المقترض المتعثر ومحاولة معالجة تلك الحالات بطرق تنعكس بصور أكثر إيجابية سواء على الأفراد وأسرهم أو حتى على المجتمع الذي يظل المتلقي لكل العواقب التي تفرزها القوانين والأنظمة المختلفة؟
إنشرها