لصغار المستثمرين: دروس مستفادة من الأزمات

|
صغار المستثمرين ومَن يستثمرون مدخراتهم البسيطة هم غالباً الطرف الأكثر تضرراً من الأزمات المالية، خصوصاً تلك التي تقع في سوق تداول الأسهم، حيث تكمن المخاطر العالية، فمن المعروف أن غالبية المتعاملين في سوق الأسهم هم صغار المستثمرين الذين يرغبون في تحسين أوضاعهم المالية وزيادة مدخراتهم باقتناص الفرص في السوق، ولكن عندما تقع الأزمة، فإنهم هم الضحايا الأكثر عدداً والأكثر تضرراً، ذلك أن آثار الخسارة ونتائجها تطول أوضاعهم العائلية والتزاماتهم الشخصية ومقدرتهم على الوفاء بما عليهم من التزامات دورية، وهذا بدوره ينعكس على استقرارهم الأسري ووفائهم المعنوي، لذا فإن هذه الشريحة هم مَن يجب أن يستفيدوا دروساً مستقبلية تساعدهم على تفادي الوقوع في أخطار السوق المالية. إن تصنيف المخاطر يعتمد على درجة احتمالية الخسارة، فعندما تزداد فرص الخسارة يعتبر الخطر عالياً، وما يجب على صغار المستثمرين أن يتفهموه أن سوق الأسهم تعتبر عالية المخاطر بقدر ما هي ذات فرص جيدة للربح، وهذا يتطلب إعادة تقييم اختيارهم للسوق التي يستثمرون فيها. ومن الدروس المستفادة أيضاً عدم استثمار كامل المدخرات أو معظمها، لأن ذلك يجعل المستثمر عرضة لأكبر خطر مالي يتهدده وهو الإفلاس وضياع كامل مدخراته، وما يترتب عليها من أضرار جانبية قد تفقده ما اكتسبه في ماضي حياته، وقد يبدأ من الصفر ليستعيد وضعه السابق. ومن الملاحظ أيضاً أن بعض صغار المستثمرين يستثمر أموال غيره، ويقوم بقبول ودائع مالية وتحميل ذمته التزامات محققة مستقبلية، في حين أنه يعرض نفسه والآخرين لمخاطر كبيرة. وقد شهدت المحاكم الكثير من الدعاوى والمطالبات ضد أشخاص قاموا بتوظيف وتشغيل واستثمار أموال غيرهم، وهو ما يعد مخالفة قانونية لعدم وجود ترخيص بذلك، ما جعلهم يتحملون كامل تبعات خسارة أموال الآخرين وعليهم سدادها رغم أن الخسارة وقعت في سوق كبيرة ليست لهم فيها يد، ولكن لأنهم خاطروا بأموال الآخرين، فقد توجب تحميلهم المسؤولية أيضاً من الدروس المستفادة أيضاً أن هناك من صغار المستثمرين من قاموا باستثمار أموال تحصلوها بطريق الدين والاقتراض من البنوك أو غيرها، وهذه مخاطرة مضاعفة لأن مَن لا يملك مالا ليستثمره يجعل نفسه في حكم المدين مسبقاً حتى وإن كسب، فما بالنا إذا خسر ورغم الدعاية القوية للاستثمار بطريق الدين، إلا أن ما يجب أن يفهمه الجميع أن ذلك يتجاوز حد المخاطرة، بل هو تهور وعدم اكتراث وهو بمثابة من يلقي يديه للتهلكة، فما بالنا بحال من لم يتخذ الاحتياطات الكافية لحماية نفسه، فكيف تتصور أنه يمكن حمايته قضائياً والنظر إليه بعين الوصف والرعاية في حال لا يمكن معها معاملته على هذا الوجه، لأنه قد أسرف في حق نفسه ودخل في مغامرات غير محسوبة العواقب. إن توافر السيولة النقدية وإتاحة المجال لاقتحام سوق الاستثمار في الأسهم لا يعنيان أن يندفع إليها الجميع، فهي سوق محفوفة بالمخاطر والإغراءات ويسهل الدخول إليها حتى لو برؤوس أموال يسيرة، ولكن بمجموع رؤوس الأموال الصغيرة تتكون السوق، ويسهل تحقيق الربح لأولئك المتخصصين والمهرة، حيث يمارسون التأثير ويكسبون حينما يخسر الآخرون ويتفادون الخسارة قبل الانهيار، وقبل أن يشعر الآخرون أو يتوقعون ما يحدث مستقبلاً، لذا فإن صغار المستثمرين يتحركون في سوق كبيرة كالأسماك الصغيرة تندفع في مجموعة واحدة، وتتحرك جميعاً حتى يسهل اصطيادها في أقرب فرصة لتكون جميعها ضحية لقلة من العارفين بدقائق الاستثمار في سوق لا يفهم تفاصيلها إلا من خبرها وعرف كيف يتعامل معها في كل الظروف والأحوال. ولأن الاستثمار لرأس المال مطلوب في كل الأحوال، ولكنه ليس مجازفة أو تهوراً أو اندفاعا غير محسوب العواقب، بل هو مزيج من الوعي والحكمة، بل إن النصيحة التي قد يسديها إليك أي شخص عامي هي أنه إذا كنت تبحث عن الأرباح، فإن عليك أولاً أن تتجنب الخسائر، ومن ثم فإن المحافظة على رأس المال الصغير والمدخرات البسيطة هي غاية وهدف يجب ألا يغيبا عن وعي كل إنسان، لأنه بهذا المال البسيط أو الرصيد المتواضع تقوم حياة أسرة بأكملها، وعليه تعتمد فكيف يمكن أن تكون حالها إذا فقدت ما يسند قيامها واستمرارها، ومن ثم فإن على كل فرد أن يضع في اعتباره أن الهدف الأول له أن يزيد دخله، ويكون مدخراته ولا يعرضها للخطر، وأن يتجنب الاندفاع مع الآخرين وتقليدهم، لأن الخسارة مع الجميع لم تفده شيئاً، ولم تخفف من وقعها النفسي عليه، لأن الاقتصاد بقدر ما هو مفهوم شامل، فإنه يعني أيضاً مفهوما دقيقاً يجب أن يتبناه كل فرد مهما صغرت استثماراته وتواضعت مدخراته، فالاقتصاد في الرزق هو المعيشة للفرد بتوازن يجبنه الضرر الفادح، ويحقق له المسيرة المتوازنة.
إنشرها