الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

يشهد قطاع التكنولوجيا العالمي تحولاً إستراتيجياً متسارعاً، حيث تواجه طموحات المراكز التكنولوجية الآسيوية في منافسة وادي السيليكون عقبات هيكلية وتنظيمية متزايدة، أدت إلى نقل موجة جديدة من مؤسسي شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة في آسيا أعمالهم ومقراتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مسحورين بضخامة السوق الأمريكية وسهولة الوصول إلى رأس المال الجريء.

وكما جمعت مجلة "فورتشن"، تكشف البيانات المالية الفجوة العميقة في مشهد التمويل العالمي. فوفقاً لتقرير مؤسسة "كيه بي إم جي"، استقطبت الولايات المتحدة نحو 68% من إجمالي تمويل الشركات الناشئة عالمياً في عام 2025، في حين لم تتجاوز حصة آسيا 12% خلال الفترة نفسها. وقد اتسعت هذه الفجوة بحدة في الربع الأول من عام 2026، حيث حصدت الولايات المتحدة 80% من التمويل العالمي بفضل جولات التمويل الضخمة لشركات رائدة مثل "أوبن أيه آي" و"أنثروبيك"، بينما تراجعت حصة آسيا إلى 9.6%.

وتعاني البيئة الاستثمارية في آسيا، وخاصة جنوب شرق آسيا، ركودا طويل الأمد. إذ انخفض تمويل رأس المال الجريء الموجه لشركات التكنولوجيا في هذه المنطقة بنسبة تقارب 80% بين عامي 2022 و2024، ليتراجع من 10.1 مليار دولار إلى 2.2 مليار دولار فقط، وهو ما يمثل حالياً ما بين 0.5% إلى 2% من الاستثمار العالمي، مع تركز معظم الاستثمارات الآسيوية المتبقية في الهند والصين.

ويأتي هذا النزوح نتيجة عوامل طرد داخل الأسواق الآسيوية وعوامل جذب أمريكية. فمن ناحية، تفتقر الأسواق الآسيوية إلى فرص تخارج مربحة للمستثمرين في الطروحات العامة الأولية. ورغم أن الطروحات في جنوب شرق آسيا سجلت قفزة بنسبة 76% في عام 2025 وجمعت 6.5 مليار دولار، وفقا لشركة "ديلويت"، فإنها تظل ضئيلة مقارنة بعوائد الطروحات في هونج كونج الصينية التي بلغت 37 مليار دولار.

علاوة على ذلك، تعاني الشركات المدرجة حديثاً من تراجع أسهمها دون سعر الطرح، مثل شركة المساحات المكتبية المرنة "جاست كو" في سنغافورة، وشركة "فاونديشن هيلث كير" التي أغلق سهمها متراجعاً بنسبة 7.9% في يومه الأول ببورصة سنغافورة.

كما تشكل الطبيعة الجغرافية والسياسية لجنوب شرق آسيا عائقاً إضافياً. فهي تمثل أسواقاً مجزأة ومتباينة للغاية تتطلب إستراتيجيات دخول مختلفة لكل دولة على حدة، على عكس السوق الأمريكية الموحدة والضخمة. وفي الصين والهند، يواجه الرواد قيوداً صارمة على الإدراج في سوق الأسهم، وتقييمات سعرية منخفضة، فضلاً عن التعقيدات الجيوسياسية.

في المقابل، يوفر وادي السيليكون بيئة جاذبة تمتاز بمجتمعات الرواد الحيوية ووفرة الكفاءات الشغوفة. ورغم هذه الجاذبية، فإن الانتقال إلى الولايات المتحدة لا يخلو من التحديات، خاصة بعد أن رفع ترمب رسوم تأشيرات العمالة الماهرة (H-1B) من 5 آلاف دولار إلى 100 ألف دولار في سبتمبر الماضي (قبل أن تحظر المحكمة الفيدرالية هذه الزيادة لاحقاً)، ما يطيل فترات الانتظار للحصول على التأشيرات لسنوات.

كما يفرض السوق الأمريكية تحولاً ثقافياً، حيث يركز المستثمرون الآسيويون على نمو الإيرادات والربحية المبكرة، بينما يركز المستثمرون الأمريكيون على الرؤية المستقبلية وحجم المشكلة المراد حلها.

وتشير شركة الاستثمار الجريء العالمية "أنتلر"، التي ساعدت أكثر من 30 فريقاً آسيوياً على الانتقال للولايات المتحدة منذ 2025، إلى أن آسيا تمتلك ميزة تنافسية في قطاعات البنية التحتية والطاقة منخفضة التكلفة، مثل تكنولوجيا تخزين الطاقة الحرارية في فيتنام، والتي تعد أكثر جدوى واقتصادية من تصنيعها في الولايات المتحدة.

ورغم الآمال المعقودة على نضج الأنظمة التكنولوجية الآسيوية مستقبلاً لتوزيع رأس المال بشكل أكثر توازناً، يظل بناء الشركات التكنولوجيا العالمية وجمع التمويل من آسيا تحدياً صعباً على المدى القصير في مواجهة هيمنة مدينة سان فرانسيسكو.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية