مع كل حرب أو صراع أو أزمة مالية، يتجدد السؤال، هل إغلاق الأسواق المالية قرار صائب، أم الأفضل ترك الأسواق لتعمل، مع فرض عدد من القيود أو حتى تركها للتداولات الطبيعية دون أي قيد؟
وحدة التحليل المالي في "الاقتصادية" ترصد في هذا التقرير التجارب التاريخية لتعامل الهيئات التنظيمية في مثل هذه الظروف، ونتائج كل منها، ومزايا وعيوب كل قرار، والطرق البديلة للتعامل.
الحديث هنا عن الوقف القسري بسبب انهيار الدولة كما حدث في ألمانيا مع الحرب العالمية الثانية، والوقف الطوعي بقرار من الجهات التنظيمية، ولا يرصد التقرير التوقفات التلقائية المحددة مسبقا عند وصول الأسهم أو المؤشر لتراجعات بنسبة معينة مثل 5% مثلا في لمؤشر البورصة المصرية و10% على الأسهم.
الحرب الحالية تنحاز لتفضيل عدم إغلاق الأسواق
بداية، ننطلق من التاريخ الحديث، والأزمة الحالية المتمثلة في حرب إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة إيران.
انحاز المنظمون في أسواق الأسهم الخليجية انحيازات متباينة، فأسواق الأسهم السعودية والعمانية والبحرينية اختارت استمرار العمل بشكل طبيعي وبدون أي قيود استثنائية.
النتيجة كانت لصالح الأسواق، التي عملت بشكل طبيعي دون قيود، حيث جاءت التراجعات أكثر حدة في أول يوم تداول في الأسواق، التي كانت مغلقة.

ومع العودة للتداولات، اتخذ المنظمون في الإمارات قرارا بتقليص الحد المسموح به لتراجعات الأسهم إلى 5%.
النتيجة كانت لصالح الأسواق، التي عملت بشكل طبيعي دون قيود، حيث جاءت التراجعات أكثر حدة في أول يوم تداول في الأسواق، التي كانت مغلقة.
أما الأسواق التي عملت بشكل طبيعي، فتراجعت سوقا البحرين وعمان بنحو 1.3% لكل منهما، وهو معدل أقل من الأسواق التي كانت مغلقة، بينما تراجع مؤشر تاسي 2.2% في الجلسة الأولى لكنه سرعان مع عوض كامل خسائره في الجلسات التالية.
سوق دبي كان الأكثر تراجعا بـ4.7%، تلاه قطر 3.6%، بينما كانت التراجعات 1.9% في سوقي أبوظبي والكويت.
ما الذي تخبرنا به التجارب التاريخية لإغلاقات الأسواق ورد الفعل بعد العودة؟

يعتبر التاريخ شاهدا على عديد من الأحداث التي تركت بصماتها على الأسواق العالمية، من الحروب العالمية إلى الأزمات المالية وحتى الهجمات الإرهابية، ومن أبزرها ما يلي وفق بيانات الأسواق ودراسة لأطروحات المالية:
بورصة نيويورك في عام 1914
مع بداية الحرب العالمية الأولى، أُغلقت بورصة نيويورك لمدة أربعة أشهر، وهو ما أدى إلى ظهور سوق موازية غير منظمة خلال فترة قصيرة من الثمانية أيام.
وعند إعادة فتح البورصة في ديسمبر من العام نفسه، وجد المستثمرون أنّ قيم محافظهم تراجعت إلى 60% من مستواها السابق.
لكن عام 1915 شهد انتعاشا قويا بصعود مؤشر داو جونز 88%، معوضًا جميع الخسائر السابقة.
بورصة نيويورك وأحداث 11 سبتمبر
وفي صدمة القرن الحادي والعشرين، أُغلقت بورصة نيويورك بعد هجمات سبتمبر عام 2001 لمدة أربعة أيام. ورغم الانخفاض الحاد لمؤشر داو جونز بنسبة 7.1% عند الافتتاح، و14% بنهاية الأسبوع الأول، استطاعت الأسواق تعويض معظم خسائرها بحلول منتصف أكتوبر.

الإغلاقات الطويلة ودروس من بورصة موسكو وأثينا وألمانيا وسورية
فيما يتعلق بالحالات التي استدعت الإغلاق المطول، تبرز بورصة موسكو في عام 2022 كمثال، حيث أغلقت على مدى شهر كامل بعد الحرب الروسية - الأوكرانية، وهو ما أدى إلى خسارة 189 مليار دولار في يوم واحد.
عند إعادة الافتتاح، تم منع الأجانب من البيع إضافة إلى حظر البيع على المكشوف وضخ 10 مليارات دولار من صندوق الثروة السيادي، ما أدى إلى إزالتها من مؤشرات الأسواق الناشئة وتصنيفها كغير قابلة للاستثمار.
في حالة مشابهة، أُغلقت بورصة أثينا لمدة 5 أسابيع خلال أزمة الديون اليونانية في 2015، لكنها استعادت عافيتها وأثبتت جدارتها بحلول عام 2019 كأفضل أداء في أوروبا.
أما البورصة الألمانية، فقد أُغلقت سنوات عدة بعد الحرب العالمية الثانية، وعانت انخفاضا 90% عند إعادة افتتاحها، ما أدى إلى خسائر كبيرة للمستثمرين.
سوق الأسهم السعودية تنحاز لعدم التوقف وقت الحروب والأزمات
انحازت سوق الأسهم السعودية دائما لعدم الإغلاق وقت الحروب والأزمات، فيما اتخذت بعض القيود المؤقتة في بعض الأوقات.
في فبراير 2006
فقدت السوق السعودية نحو ثلثي قيمتها ليهوي مؤشر تاسي من 20,966 نقطة إلى 7,500 نقطة، ما ترتب عليه خسائر تجاوزت تريليون ريال.
اختارت السلطات المالية عدم إغلاق السوق، بل لجأت إلى خفض حد التذبذب من 10% إلى 5%.
ومع ذلك، ولم يتمكن مؤشر تاسي من العودة إلى مستوى 20 ألف نقطة منذ ذلك الحين، نظرا لأن التراجع كان ناتجا عن مشاكل هيكيلة وتضخم الأسعار في السوق حينها، إضافة إلى حداثة التجربة وعدم نضج السوق بشكل كاف.

الأزمة المالية العالمية 2008
واجهت السوق السعودية تحديا جديدا مع الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى انخفاض تاسي من 11 ألف نقطة إلى نحو 4 آلاف نقطة، فاقدا نحو ثلثي قيمته أيضا. على الرغم من هذه التحديات الهائلة، استمر التداول في السوق دون إغلاق، واختارت السلطات تشديد حدود التذبذب لتكون 5%.
عمد البنك المركزي إلى ضخ سيولة في القطاع البنكي للمساهمة في استقرار الأسواق. بفضل هذه التدابير أظهر السوق السعودي مرونة ملحوظة وبدأ التعافي في العام التالي 2009 ومرتفعا بنحو 28%.
هجمات أرامكو سبتمبر 2019
تعرضت منشآت أرامكو لهجمات أدت إلى تراجع السوق بنسبة 1.3%. رغم هذه الصدمة، استمر السوق في التداول دون قيود إضافية. كانت نتيجة تلك السياسة أن تأثير الهجوم كان محدودا ومؤقتا، حيث استقرت الأسواق نسبيا.
أزمة كورونا وحرب النفط
شهدت السوق السعودية في مارس 2020 هبوطا مدويا مع تراجع تاسي بنحو 28% مع انهيار أسعار النفط 65%، لتصل إلى مستويات سلبية للمرة الأولى في أبريل.
قررت السلطات عدم إغلاق السوق بل تقليص ساعات التداول كإجراء احترازي. في موازاة ذلك، قامت ساما بضخ نحو 13 مليار دولار في البنوك، إضافة إلى حزم تحفيز حكومية واسعة.
ونتيجة لهذه الإجراءات، تعافت السوق السعودية بوتيرة أسرع من الأسواق العالمية.
التوترات الجيوسياسية في عام 2025
استمرت سوق الأسهم السعودية في العمل بدون قيود خلال الحرب الأولى بين إسرائيل وإيران خلال يونيو من العام الماضي، وحينها سجل مؤشر "تاسي" ارتفاعا بنحو 1.4% بعد 4 جلسات من التراجع ومثلها من الارتفاع.الحلول البديلة للإغلاق الكامل وخلاصة التجارب
أظهرت التجارب التاريخية وجود مجموعة من الحلول البديلة للإغلاق الكامل للأسواق منها، تشديد حدود التذبذب، تقصير ساعات التداول، حظر البيع على المكشوف، منع بيع الأجانب فقط، وضخ سيولة حكومية.
تشير خلاصة التجارب التاريخية إلى أن الأفضل عدم إغلاق الأسواق، وتركها تعمل تصحح نفسها بنفسها، ووضع بعض القيود المؤقتة إذا استدعت الضرورة، حيث قد يتم اعتبار الوقف، لا سيما لو كان طويلا، تدخلا في الأسواق وإضرارا بنضجها وكفاءتها، بالتالي قد يترتب عليه إزالتها من مؤشرات الأسواق الناشئة وتصنيفها كغير قابلة للاستثمار كما حدث مع روسيا في 2022.
الأمر الثاني، أن تراجعات الأسواق بعد التوقفات تكون أكثر حدة من تفاعلها السريع مع الأحداث، كونه تتم جميع التراجعات لفترة الإغلاق وخصمها مع بداية العودة للتداول.
بالتالي الخيار الأفضل يكون بالترتيب عدم الإغلاق، الإغلاق لفترة قصيرة والعودة بدون قيود، ثم الإغلاق لفترة قصيرة والعودة بقيود، وأخيرا الإغلاق لفترة طويلة.
وحدة التحليل المالي




