لا تقتصر آثار الحرب مع إيران على ارتفاع أسعار البنزين فحسب، بل بدأت تمتد لتؤثر في أشباه الموصلات، وأجهزة التصوير الطبي، والحدائق المنزلية، وحتى بالونات حفلات الأطفال.
وبينما يركز العالم على تأثير إغلاق إيران شبه الكامل لمضيق هرمز في أسواق الطاقة العالمية، تواجه قطاعات رئيسية أخرى خطر التأثر بتضخم مماثل في الأسعار، بحسب صحيفة "بوليتيكو".
يعد مضيق هرمز ممرا رئيسيا لشحن الهيليوم والأسمدة، وكلاهما يؤثران في قطاعات واسعة من الاقتصاد، ويشهدان الآن ارتفاعا حادا في الأسعار نتيجة ازدحام السفن على جانبي المضيق.
"كلما طال أمد الحرب، ازدادت خطورتها"، كم قال ريتش جوتوالد، الرئيس التنفيذي لجمعية Compressed Gas Association .
وتأتي هذه الزيادات المتوقعة في الأسعار في وقت تسعى فيه إدارة ترمب لتهدئة مخاوف الناخبين بشأن غلاء المعيشة، بينما يخشى الجمهوريون من أن تعوق تداعيات الحرب فرصهم في انتخابات نوفمبر.
أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من الإمدادات العالمية اليومية للنفط والغاز الطبيعي، ما أدى إلى تدهور أسواق الطاقة العالمية ووصول سعر النفط الخام إلى نحو 100 دولار للبرميل.
يمر عبر المضيق نحو ثلث إمدادات الهيليوم والأسمدة العالمية. كما يمر عبره نصف الإمدادات العالمية من اليوريا - وهي سماد نيتروجيني - ونحو ثلث إمدادات الأمونيا، وفقا لاتحاد المزارعين الأمريكي.
تشهد الأسعار ارتفاعا حادا نظرا لتأثر الإمدادات العالمية، بالتزامن مع بدء عديد من المنتجين الزراعيين زراعة محاصيل الربيع. قفزت أسعار اليوريا 30% منذ بدء إدارة ترمب قصف إيران، بحسب Fertilizer Institute.
قال أنيش كاباديا، الرئيس التنفيذي لشركة أبحاث السوق AKAP Energy، "إن أسعار الهيليوم الفورية قد تضاعفت منذ بداية الحرب". وقد أوقفت شركة الطاقة القطرية الحكومية إنتاج الغاز الطبيعي المسال في الأيام الأولى للحرب، ويتوقع أن تستغرق عملية إعادة إنتاجه شهورا. تعد قطر منتجا رئيسيا للهيليوم، وهو منتج ثانوي لإنتاج الغاز الطبيعي المسال.
قالت وزيرة الزراعة الأمريكية بروك رولينز "إن إدارة ترمب تدرك تأثيرات الأزمة في المزارعين، ووعدت بإجراءات قريبة لتخفيف ارتفاع أسعار الأسمدة قبل موسم الزراعة".
الضغط على الهيليوم يزداد
يعتمد مصنعو أشباه الموصلات على الهيليوم بشكل كبير لمنع بعض التفاعلات الكيميائية في الإنتاج، حسبما قال جوتوالد. تحتاج أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي أيضا إلى الهيليوم لتبريد المغناطيسات اللازمة لتشغيلها. كما يعتمد اللحام بشكل كبير على الهيليوم. في الوقت نفسه، تمثل بالونات الحفلات ما بين 10 إلى 20 % من السوق.
قد تؤثر أي انقطاعات أو ارتفاعات مفاجئة في أسعار تصنيع أشباه الموصلات في الأسواق العالمية لكل شيء، من أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية إلى المركبات والمعدات الطبية.
يقول جوتوالد "إن العالم يعتمد على أشباه الموصلات، ولا يمكن تصنيعها بدون الهيليوم، ما قد يزيد الضغوط السياسية على الدول".
الخسائر تتراكم
قال كاباديا، "لن يخف الضغط على سوق الهيليوم لعدة أشهر، نظرا لتضرر منشآت إنتاج الغاز الطبيعي في قطر. وحتى بعد إعادة فتح المضيق، ستستغرق السوق شهرين لتعود لوضعها الطبيعي". كما أشار إلى صعوبة تخزين الهيليوم، فبعكس النفط أو الغاز الطبيعي الذي يمكن الاعتماد على مخزونات كبيرة منه عند حدوث نقص، تخزين الهيليوم محدود جدا.
تُعد الولايات المتحدة المورد الرئيسي للهيليوم في العالم، تليها قطر. ولكن مثل أي سلعة أخرى، سيرتفع سعر الإمدادات المحلية مع امتداد تأثير النقص إلى الإمدادات الدولية.
قال ألكسندر رومانينكو، الرئيس التنفيذي لشركة أبحاث السوق IndexBox، "إن إغلاق المضيق لمدة شهر قد يعني زيادة أخرى في الأسعار تراوح بين 10 و20 %، لكنه لن يُسبب نقصا". أما إذا استمر الإغلاق لشهرين، فإنه يتوقع "ضغوطا أوسع" وزيادة تراوح بين 25 و50 %.
وإذا امتد الاضطراب إلى ثلاثة أشهر، يتوقع رومانينكو حدوث نقص حقيقي خارج المناطق الأكثر استقرارا، ولا سيما في أجزاء من أوروبا وآسيا، التي تعتمد بشكل خاص على إمدادات قطر.
ارتفاع أسعار الأسمدة
يتزامن الطلب على الأسمدة في الولايات المتحدة مع بداية موسم الزراعة الربيعي.
أوضح زيبي دوفال، رئيس اتحاد المزارعين الأمريكي، أن ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة يضاعف ضغوط التكاليف على المزارعين، ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية على الاقتصاد الأمريكي ويهدد الأمن الغذائي إذا أدى نقص الأسمدة إلى تقليل الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء بشكل كبير.
بينما تُنتج الولايات المتحدة بعض أنواع الأسمدة، تعتمد دول أخرى بشكل كبير على الواردات، ولا سيما خلال فترات ذروة الطلب الموسمي. مثلا، 97% من البوتاسيوم المستخدم في الولايات المتحدة مستورد، إضافة إلى 18% من النيتروجين و13% من الفوسفات، وفقا لاتحاد المزارعين الأمريكي.
وحذر دوفال من أن عدم اتخاذ إجراء قد يؤدي إلى اضطرابات في سلسلة الإمداد الغذائي لم تشهد منذ 2022 عندما بلغ تضخم أسعار الغذاء أعلى مستوياته منذ 40 عاما.
ارتفعت أسعار الغذاء في 2022 نتيجة اضطرابات مماثلة في سوق الأسمدة العالمية، بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حيث كانت روسيا تنتج نحو 20% من إمدادات الأسمدة العالمية.
لكن المنتج وصل في النهاية إلى السوق من خلال سلسلة من الحلول البديلة، بحسب ما أشار إليه مركز السياسات الزراعية ودراسات التجارة في جامعة ولاية داكوتا الشمالية هذا الأسبوع.
علاوة على ذلك، وبما أن منطقة البحر الأسود كانت أيضا منتجا رئيسيا للحبوب، فقد تسبب ذلك في ارتفاع أسعار المحاصيل ما عوض بعض خسائر المزارعين.
هذه المرة، ومع عدم فتح المضيق بالكامل، لا توجد مؤشرات تُذكر على انفراج الأزمة. "المخازن تمتلئ، والمصانع تغلق، والمنتج ببساطة لا يصل إلى السوق العالمية (...) هذا أصعب شكل من اضطراب الإمداد الذي لا يوجد له حل بديل"، بحسب ما ذكر المركز.

