يرى الخبير الاقتصادي والمستشار الاقتصادي الكبير لدى شركة "أليانز"، محمد العريان، أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة مفصلية تتسم بارتفاع حاد في تكاليف الاقتراض وزيادة الضغوط على أسواق السندات.
تأتي هذه التطورات بالتوازي مع هبوط الين الياباني، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتغيرات الجوهرية في سلوك كبار المشترين التقليديين للديون السيادية.
تحول هيكلي في أسواق الدين العالمي
في مقابلة أجراها مع "بارونز"، يوضح العريان أن سوق السندات تشهد اختلالا كبيرا في معادلة العرض والطلب؛ فبينما تتوالى الإصدارات الضخمة من الديون، تراجع دور المشتري المستقر والسخي الذي اعتادت عليه الديون الأمريكية سنوات طويلة. بل إن بعض هؤلاء المشتريين التقليديين تحولوا هم أنفسهم إلى مقترضين ومصدرين للسندات.
بعض الدول التي كانت مصدراً رئيسياً لتوفير السيولة العالمية، بدأت تتجه اليوم لزيادة إصداراتها من السندات لتمويل مشاريع البنية التحتية وإعادة الأعمار وتنمية اقتصاداتها المحلية.
أما الدول الأوروبية فتخوض عمليات إنفاق عسكري ضخمة لتلبية احتياجات الدفاع، ما يدفعها لإصدار مزيد من الديون.
وأضاف العريان: "تعد اليابان مقترضا ضخماً آخر للسندات الأمريكية وتخضع عملتها لضغوط متزايدة. كما أصبح التضخم أكثر تعقيداً في ظل غياب الاتفاق بين البنك المركزي ووزارة المالية والحكومة بشأن رفع أسعار الفائدة أو ضبط الإنفاق المالي".
وعلل ذلك أنه إذا اضطرت السلطات اليابانية للتدخل لحماية الين، فإن خيارها الأقرب سيكون بيع ما بحوزتها من سندات الخزانة الأمريكية.
كلفة الذكاء الاصطناعي وتآكل التدفقات النقدية
لا تقتصر الضغوط على الحكومات والدول فحسب، بل تمتد إلى قطاع التكنولوجيا بفضل الطفرة غير المسبوقة في الذكاء الاصطناعي. فإعلانات شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "ألفابت" و"تسلا"، كشفت عن خطط لإنفاق رأسمالي هائل على مراكز البيانات وشرائح المعالجة، ما أدى لظهور تدفقات نقدية حرة بالسالب لدى بعض كبريات الشركات لأول مرة، ودفعهم نحو سوق الديون لتمويل هذا التوسع.
ويصف العريان طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بقوله: "ينبغي على المستثمرين تبني منطق رأس المال الجريء، فلن تنجح كل شركة، وستتكبد شركات خسائر. نحن أمام فقاعة "تمويل عقلاني"، وليست فقاعة اقتصادية".
المخاوف النفطية ورؤية الفيدرالي الأمريكي
فيما يتعلق بالتضخم وسعر الفائدة، قال العريان: "لم يتغير التضخم الأساسي. لن نشهد رفعًا لأسعار الفائدة في يوليو. تسعر السوق احتمالًا بنسبة 70% إلى 80% لرفعها في الخريف. وهذا احتمال مبالغ فيه".
علاوة على ذلك، يرى أن صانعي السياسة النقدية سيغضون الطرف عن التضخم الناجم عن استثمارات الذكاء الاصطناعي ما دامت الأرقام الأساسية للتضخم مستقرة.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإنه يحذر من المخاطر الناجمة عن تعطل سلاسل إمداد النفط عبر الممرات المائية الحيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز.
ورغم أن الاقتصاد العالمي نجح حتى الآن في امتصاص جزء من الصدمة بفضل الاحتياطيات الضخمة، خاصة في الصين، والاعتماد المتزايد على الطاقة المتجددة، إلا أن استمرار هذه الاضطرابات قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات مرتفعة قد تصل إلى 120 دولاراً للبرميل.
نصيحة استثمارية ومؤشرات يجب مراقبتها
أمام هذه البيئة عالية المخاطر، يقترح العريان التالي: "سآخذ جزءاً من حصة الـ 40% المخصصة للسندات في محفظة (60/40) وأضعه في سندات قصيرة الأجل، استحقاقها بين 12 إلى 18 شهراً، مع الاستمرار في تدويرها.
يمكن تنفيذ ذلك بالمشاركة في صندوق سندات قصير الأجل، لكني لن أتحمل مخاطر ائتمانية عالية".
وأخيراً، يوضح العريان أسباب مراقبته لمؤشرات رئيسية محددة خارج السوق الأمريكية لمتابعة الاستقرار المالي العالمي خلال فترات ضعف السيولة في الصيف.
أولها الين الياباني، لأن أي تدخل ياباني لدعم العملة قد يجبر المؤسسات هناك على بيع أصول وسندات أمريكية لموازنة السيولة.
ثانيا، مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي الذي يعكس أداء القطاع التكنولوجي العالمي وسلاسل التوريد المرتبطة به.
وأخيرا، عوائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات، والتي وصفها الخبير الاقتصادي بأنها كاشف حقيقي للهشاشة الهيكلية والمخاطر في الأسواق الأوروبية، حيث تتميز بحساسية عالية مقارنة بالسندات الألمانية.