منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 في 2016، شهد الإنفاق العسكري السعودي تحولا جذريا، فلم يعد الأمر مقتصرا على ضخ المليارات لشراء المعدات، بل تحول إلى استثمار استراتيجي يهدف إلى بناء قاعدة صناعية وطنية وتحقيق استقلال دفاعي متكامل.
تجلت هذه الرؤية في بيانات الميزانية الفعلية، حيث انطلقت الرحلة بإنفاق بلغ 206.5 مليار ريال، شكلت آنذاك نحو ربع ميزانية الدولة، في مرحلة ركزت على التأسيس وإعادة الهيكلة الشاملة لتتواكب المنظومة العسكرية مع طموحات المرحلة الجديدة.
كفاءة الإنفاق تتجاوز الأرقام
مع تصاعد التحديات الإقليمية، شهد 2018 قفزة في الإنفاق ليبلغ نحو 242.4 مليار ريال، ما عكس التزام السعودية الصارم بحماية أمنها القومي وتحديث ترسانتها الدفاعية بأحدث التقنيات العالمية لحماية أمنها القومي.
إلا أن التحول الأبرز لم يكن في زيادة الأرقام، بل في "ذكاء الإنفاق" وكفاءته، فبالنظر إلى الفترة ما بين 2019 و2021، نلاحظ انضباطا ماليا لافتا حيث استقر الإنفاق حول حاجز الـ200 مليار ريال.
هذا الاستقرار لم يكن تراجعا، بل كان في كفاءة إدارتها التي بدأت تترسخ مع تأسيس الهيئة العامة للصناعات العسكرية في 2017، إضافة إلى "هيئة كفاءة الإنفاق"، اللتين نجحتا في توحيد المشتريات وخفض الهدر، ما سمح للسعودية بالحصول على قوة ردع أكبر بتكلفة أقل.
ثمار التوطين .. الدفاع محرك اقتصادي
بحلول 2024، ومع وصول الإنفاق الفعلي إلى 237 مليار ريال، بدأت ثمار هذا الاستثمار تظهر في الواقع العملي، حيث لم يعد الإنفاق يذهب كليا للخارج، مع زيادة نسبة توطين الصناعات العسكرية ل تتجاوز 24.8% بنهاية العام، ورفع المشاركات مع القطاع الخاص من خلال طرح الفرص الاستثمارية في سلاسل الإمداد.
لتشمل دعم أكثر من 311 منشأة في قطاع الصناعات العسكرية، محولة بذلك "الإنفاق العسكري" من بند استهلاكي إلى محرك نمو اقتصادي يخلق الوظائف وينقل التكنولوجيا.
مطلع فبراير الماضي، تمكنت السعودية من إعلان عن 60 صفقة عسكرية ودفاعية بقيمة 33 مليار ريال، من خلال معرض الدفاع العالمي المقام في العاصمة الرياض وبمشاركة دولية غير مسبوقة.
الدرع الصاروخي والسيادة البحرية
استمرت وتيرة التطوير في 2025 عبر تدشين 3 سرايا من نظام الدفاع الجوي "ثاد" (THAAD)، لتعزيز حماية الأجواء والمنشآت الحيوية.
وبالتوازي، تعززت القوات البحرية عبر "مشروع سفن السروات"، الذي شمل توريد 3 سفن قتالية من نوع "كورفيت أفانتي 2200" مع إسناد لوجستي متكامل وخدمات التدريب، ما رفع جاهزية الأسطول السعودي لتأمين الممرات المائية الإقليمية.
سجل عملياتي غير مسبوق عالميا
أثبتت الكفاءة القتالية السعودية تفوقا ميدانيا فريدا في التعامل مع التهديدات الحقيقية، حيث سجلت القوات اعتراضات قياسية، نجحت من خلالها في اعتراض أكثر من 450 صاروخا باليستيا وما يزيد على 850 طائرة مسيرة خلال السنوات الماضية، ما يمثل أكبر سجل عملياتي ناجح لمنظومة دفاع جوي في التاريخ الحديث.
اختبار القوة وفرض السلام
مع اندلاع جولات القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، كانت الميزانيات المرصودة تترجم ميدانيا من خلال منظومات دفاع جوي هي الأكفأ عالميا، نجحت في تأمين الأجواء السعودية وحماية تدفقات الطاقة العالمية.
هذا البناء الإستراتيجي أثبت فاعليته القصوى أمام الاختبارات الصعبة التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في ظل المواجهة المباشرة والمحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت القوة الدفاعية السعودية كعامل استقرار حاسم.
عززت هذه القوة العسكرية الموقف السياسي السعودي، التي رفضت بحزم استخدام أراضيها أو أجوائها في تلك الصراعات، مؤكدة أن استثمارها في الدفاع هو "استثمار لفرض السلام".
أصبح الدرع السعودي لا يحمي الحدود الجغرافية فحسب، بل يحمي المسار التنموي لـ "رؤية 2030"، ويضمن بقاء السعودية كجزيرة للأمان وسط إقليم يغلي بالصراعات.

