تهديدات الرئيس ترمب لضم جرينلاند وفرض رسوم جمركية على عدة دول أوروبية قد تزعزع العلاقات الأمريكية-الأوروبية. وإذا ما اندلعت حرب تجارية، قد لا تقتصر آثارها على أوروبا فحسب، بل تمتد لتصيب الاقتصاد الأمريكي من ولايات الجنوب الصناعي إلى وادي السيليكون.
ومع أن الحرب التجارية ستكون مدمرة لأوروبا، التي تعاني أصلًا ركود النمو، يدرس قادة الاتحاد الأوروبي، الذين يجتمع عدد منهم في منتدى دافوس الاقتصادي هذا الأسبوع، خيارات الرد، ومن بينها فرض رسوم جمركية على سلع أمريكية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، وتضييق الخناق على الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات للمنافسة على العقود الأوروبية.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يرى اقتصاديون أن حربًا تجارية شاملة لن تدفع الولايات المتحدة بالضرورة إلى ركود اقتصادي، لكنها قد تبطئ النمو، وترفع الأسعار على المستهلكين والشركات، وتزيد الضغوط على قطاع التصنيع الأمريكي المتعثر في وقت تكافح فيه الولايات المتحدة لكبح التضخم.
وحتى في حال امتناع أوروبا عن الرد، فإن الرسوم الجديدة ستشكل عبئا اقتصاديًا محدودًا على المدى القصير بسبب تأثيرها المباشر على الأسعار.
بحسب دراسة حديثة صادرة عن معهد كيل الألماني للاقتصاد العالمي، تحملت الشركات والمستهلكين الأمريكيين نحو 96% من كلفة الرسوم الجمركية خلال عامي 2024 و 2025، في حين لم يتحمل المصدرون الأجانب سوى 4% فقط.
كما لم تتسبب الرسوم الجمركية حتى الآن في ارتفاع حاد في التضخم كما توقع خبراء الاقتصاد، ونما الاقتصاد الأمريكي بأقوى معدل له في عامين، متفوقا على معدل النمو في أوروبا.
لكن على المدى البعيد، قد تدفع هذه التوترات أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، وتعميق علاقاتها التجارية مع شركاء آخرين، مثل الصين، ما قد يضعف إحدى أقوى العلاقات الاقتصادية في العالم، والتي كانت لعقود محركا للازدهار على جانبي الأطلسي.
الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر فيها، حيث بلغت الاستثمارات الأوروبية نحو 3.6 تريليون دولار.
في المقابل، تحقق الشركات الأمريكية أرباحًا ضخمة من بيع الخدمات الرقمية والمالية والطاقة في أوروبا، ولا سيما شركات التكنولوجيا والحوسبة السحابية.
يقول فيليب أ. لاك، مدير برنامج الاقتصاد في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: "لا توجد علاقات تجارية أرسخ من هذه. فبالنظر إلى النمو الحالي في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ستجد أنه ممول من الإيرادات المتأتية من أوروبا وغيرها".
ولا تقتصر المخاطر على التجارة فحسب، بل تمتد إلى الأسواق المالية. إذ يحذر محللون من أن تصعيد الخلاف قد يدفع المستثمرين الأوروبيين إلى تقليص حيازاتهم من الأسهم والسندات الأمريكية، ما قد يؤدي إلى ضعف الدولار، وتراجع الأسواق، وارتفاع تكاليف الاقتراض داخل الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستثمارات والإنفاق الاستهلاكي.
والمستثمرون الأوروبيون يستثمرون 8 تريليونات دولار تقريبا في الأسهم والسندات الأمريكية، "أي ما يقارب ضعف ما يستثمره بقية العالم مجتمعًا"، كما ذكر جورج سارافيلوس، الرئيس العالمي لأبحاث العملات الأجنبية في "دويتشه بانك"، في تقرير نشر يوم الأحد.
استخدم ترمب سابقا قوة الاقتصاد الأمريكي للضغط على الحلفاء وحقق بعض المكاسب، أما أوروبا، التي تعتمد على الدعم العسكري الأمريكي، فهي في موقف خاسر جراء أي خلاف، وتفضل عدم الرد، كما حدث العام الماضي عندما وافق الاتحاد الأوروبي على اتفاقية تجارية غير متكافئة.
لكن هذه المرة، يرى محللون أن أوروبا لن تقدم تنازلات سهلة، خاصة في ظل تصاعد الضغوط السياسية الداخلية. وسيحدث تصعيد اقتصادي حاد إذا ما لجأت أوروبا إلى "أداة مكافحة الإكراه"، الملقبة بـ"البازوكا"، والتي ستمكنها من استهداف الخدمات والاستثمارات الأمريكية.
في ظل هذا السيناريو، قد يرفع الاتحاد الضرائب، أو يشدد الرقابة التنظيمية، أو يقيد الشركات الأمريكية العاملة في أوروبا، وهو ما قد يضرب قطاعات مثل التكنولوجيا والأدوية.
ورغم هذه المخاطر، يرى بعض المستثمرين أن الأسواق باتت أقل حساسية لتهديدات الرسوم الجمركية.
قال ريتش نوزوم، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة "فرانكلين تمبلتون" لإدارة الأصول، إن الأسواق تعلمت تجاهل رسوم ترمب الجمركية، مشيرا إلى أن الرسوم الجديدة المهددة بفرضها على أوروبا ستكون مماثلة.
أضاف: "الأسواق أصبحت واثقة بأن الأمور ستحل. قد يبدو التهديد صاخبا ومربكا، وقد يكون مخيفا، لكن ستتجاوزه الأسواق".




