ارتفعت الأسهم السعودية بأعلى وتيرة يومية في شهرين، في جلسة بدت أكثر دعما من الجلسة السابقة، سواء من حيث حركة المؤشر أو السيولة أو اتساع نطاق الارتفاع داخل السوق.
وتزامن الصعود مع صدور بيانات محدثة أظهرت نمو الاقتصاد السعودي خلال الربع الأول من العام الجاري 3% على أساس سنوي، مقارنة بالتقديرات السريعة السابقة البالغة 2.8%. وجاء هذا التحسن بعد تعديل نمو النشاط النفطي وغير النفطي، ما منح السوق محفزا كليا إضافيا في جلسة كانت تبحث عن تأكيد لتعافيها بعد ضغوط الأيام الماضية.
وبذلك لم تعد جلسة اليوم مجرد ارتداد فني من مستويات منخفضة، بل جاءت مدعومة ببيانات اقتصادية أفضل من التقديرات الأولية، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في السوق بناء على معطيات النمو والقطاعات الأكثر ارتباطا بالدورة الاقتصادية.
لكن هذا التحسن لا يكفي وحده للحكم على تحول مستدام في اتجاه السوق. فالأثر قد يبقى محدودا بجلسة واحدة أو فترة قصيرة، ما لم تدعمه بيانات إيجابية إضافية، خصوصا مع اقتراب السوق من موسم إعلان النتائج المالية للربع الثاني.

تاسي
المؤشر يستعيد 11 ألف نقطة
أغلق مؤشر "تاسي" عند 11115 نقطة، مرتفعا 1.3%، ليستعيد مستوى 11 ألف نقطة ويتجاوز متوسط 200 يوم، بعد 4 جلسات بقي فيها دون هذا المتوسط.
ويعد هذا التحول مهما من الناحية الفنية، لأن متوسط 200 يوم يمثل أحد المستويات التي يراقبها المتعاملون لتقدير الاتجاه المتوسط للسوق. لكن تجاوزه لا يكفي وحده للقول إن السوق دخلت مرحلة إيجابية مستقرة.
فرغم قوة المؤشر، ارتفع عدد الشركات المتداولة فوق متوسط 200 يوم إلى 77 شركة فقط، ما يعني أن التحسن الفني العميق لا يزال محدودا، وأن جزءا واسعا من السوق لم يلحق بعد بحركة المؤشر العام.
بيانات النمو تحسن شهية المخاطرة
تحمل القراءة المحدثة للناتج المحلي دلالتين مهمتين للسوق. الأولى أن الاقتصاد نما بأكثر من التقديرات السريعة، ما قد يحسن نظرة المستثمرين إلى ربحية الشركات المرتبطة بالدورة الاقتصادية. والثانية أن التحسن لم يأت من النفط وحده، رغم أن التعديل الأكبر جاء من النشاط النفطي، بل شمل أيضا النشاط غير النفطي بدرجة أقل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لسوق الأسهم، لأن نمو النشاط غير النفطي ينعكس عادة على قطاعات مثل البنوك، والخدمات المالية، والتأمين، والاتصالات، والخدمات الاستهلاكية، والعقار. وفي المقابل، يدعم تحسن النشاط النفطي المزاج العام تجاه الاقتصاد الكلي والسيولة الحكومية والقطاعات المرتبطة بسلاسل الطاقة.
مع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في أثر بيانات النمو. فالسوق لا تسعر الناتج المحلي وحده، بل يراقب كذلك أسعار الفائدة، ونتائج الشركات، وأسعار النفط، والسيولة الأجنبية، ومستويات التقييم. لذلك بدا أثر بيانات النمو في جلسة اليوم أقرب إلى محفز داعم لارتداد قائم، لا سببا وحيدا للصعود.
كما أن تقديرات المستثمرين، خصوصا الأجانب، تتأثر عادة بالأحداث الجيوسياسية وانعكاساتها المحتملة. وعندما تظهر البيانات الاقتصادية مسارا أفضل من المتوقع، يصبح أثرها حاضرا في قرارات إعادة التموضع داخل السوق.
السيولة تتحسن ومتوسط الصفقة يرتفع
بلغت قيمة التداول في السوق 7.5 مليار ريال، بزيادة تقارب 31% عن الجلسة السابقة. لكن الأهم من ارتفاع السيولة هو تغير تركيبتها.
فقد زادت قيمة التداول بوتيرة أعلى من نمو عدد الصفقات، ما رفع متوسط قيمة الصفقة إلى نحو 14 ألف ريال، مقارنة بمتوسط شهري يبلغ 12 ألف ريال. وهذه القراءة لا تثبت دخول المؤسسات بشكل مباشر، لكنها تعطي مؤشرا على أن جزءا من السيولة جاء عبر أوامر أكبر حجما، لا من زيادة التداولات الصغيرة فقط.
اتساع السوق يتحسن
على مستوى عمق السوق، تحسنت الصورة مقارنة بجلسة أمس. فقد ارتفعت أسهم 191 شركة مقابل تراجع 51 شركة واستقرار البقية، بعدما كانت الجلسة السابقة أضعف من حيث عدد الشركات الصاعدة.
وهذه القراءة تجعل جلسة اليوم أقوى داخليا من جلسة أمس، لأن الصعود لم يكن محصورا بالكامل في عدد محدود من الأسهم القيادية، بل امتد إلى شريحة أوسع من الشركات. غير أن بقاء غالبية الشركات دون متوسط 200 يوم يوضح أن التحسن اليومي لم يتحول بعد إلى تعاف متوسط الأجل في كامل السوق.
ومن الإشارات الإيجابية أيضا أن الجلسة لم تسجل أدنى سنوي جديدا واسعا، بعدما شهدت جلسة أمس وصول 17 شركة إلى أدنى مستوى سنوي جديد أثناء التعاملات. كما سجلت شركتان أعلى مستوى سنوي، إحداهما بلغت مستوى تاريخيا جديدا. وهذا يعني أن الضغط البيعي العريض الذي ظهر في الجلسة السابقة تراجع بوضوح.
البنوك مركز الثقل في السيولة
قاد قطاع البنوك حركة السوق من حيث السيولة والتأثير، بعدما ارتفع 1.73%، متفوقا على أداء المؤشر العام. وبلغت تداولات القطاع نحو 2.1 مليار ريال، ليستحوذ وحده على نحو 28% من سيولة السوق.
وتظهر القراءة التفصيلية أن السيولة تركزت في أسماء مصرفية كبرى. فقد تصدر "مصرف الراجحي" التداولات بقيمة تقارب 1.1 مليار ريال، كما ارتفع "البنك الأهلي" 4.2% بتداولات بلغت 458 مليون ريال، ليكونا أكثر سهمين تداولا من حيث القيمة.
ويتسق هذا التركز في البنوك مع قراءة بيانات النمو، إذ إن تحسن النشاط الاقتصادي يدعم عادة شهية المستثمرين تجاه القطاع المصرفي، من خلال توقعات أفضل للطلب على الائتمان وجودة الأصول.
تعاف أقوى يحتاج إلى تأكيد
تبدو جلسة اليوم أقوى من جلسة أمس في معظم المؤشرات. فقد استعاد المؤشر مستوى 11 ألف نقطة، وارتفعت السيولة، وتحسن اتساع السوق بوضوح، كما منحت بيانات نمو الاقتصاد السعودي بأكثر من التقديرات السريعة محفزا كليا إضافيا.
لكن الصورة لا تخلو من تحفظ. فعدد الشركات المتداولة فوق متوسط 200 يوم لم يرتفع إلا بشكل محدود، وبعض القطاعات الثقيلة مثل المواد الأساسية والطاقة لم تقدم دعما صافيا قويا، كما أن أثر بيانات النمو لم يظهر بالتساوي على كامل السوق.
لذلك يمكن القول إن السوق انتقل في جلسة اليوم من ارتداد انتقائي محدود إلى تعاف أوسع وأكثر جودة، مدعوما بسيولة أكبر وبيانات اقتصادية أفضل من المتوقع.
ومع ذلك، فإن الحكم على تحول الاتجاه يحتاج إلى تأكيدات إضافية، أهمها تحسن توقعات ربحية الشركات في الربع الثاني، وعدم ارتفاع توقعات التشديد النقدي، إلى جانب اتساع التحسن الفني عبر زيادة عدد الشركات التي تلحق بالمؤشر وتتداول فوق متوسط 200 يوم.

