واصلت الأسهم السعودية تداولها دون 11 ألف نقطة للجلسة الثانية، وسط ضغط من معظم الشركات على رأسها "أرامكو".
شدة التراجع اتضحت في افتتاح "تاسي" بمستوى دون إغلاق الجلسة السابقة مخلفا فجوة سعرية، في انعكاس لإعادة تقييم الأسهم في ضوء تطورات مسار أسعار الفائدة.
أغلق المؤشر عند 10929 نقطة، فاقدا 0.6%، إلى جانب تراجع قيم التداول 28% إلى 3.5 مليار ريال.
نطاق التراجع اتسع داخل السوق، حيث هبطت أسهم 159 شركة، مقابل ارتفاع 66 شركة واستقرار البقية.
لم يعد الضغط محصورا في عدد محدود من الأسهم القيادية، بل امتد إلى شريحة أوسع من الشركات.
أظهرت بيانات سوق العمل الأمريكية نموا في الوظائف غير الزراعية على نحو مفاجئ، ما رفع عوائد السندات الأمريكية خصوصا الأجل القصير.
هذا النمو أبرز توقعات عودة التشديد النقدي، ومحا آمال الخفض خلال العام الجاري. على أثر ذلك، أظهرت تداولات اليوم إعادة تقييم للشركات خصوصا التي لديها مديونية مرتفعة، وملاءة مالية أقل، على نحو يجعلها الأكثر تأثرا في حال عودة التشديد النقدي، لتكون من ضمن الأسوأ أداء من بين الشركات المتداولة.
هبوط واسع .. لكن بلا بيع عنيف
رغم اتساع التراجع، قدّمت السيولة قراءة أقل حدة من حركة الأسعار. فقد بلغت قيمة التداول في تاسي 3.48 مليار ريال، مقابل 4.86 مليار ريال في الجلسة السابقة، بانخفاض يقارب 28.3%.
كما مثلت تداولات الجلسة نحو 65.4% من متوسط 100 يوم.
يعني هذا أن الهبوط لم يحدث وسط موجة بيع قوية، بل في بيئة أقل نشاطا، غاب عنها الطلب الكافي لدعم الأسعار، ويعود جزئيا إلى تراجع نشاط المستثمرين الأجانب في تعاملات الأحد.
الفائدة تعيد فرز الشركات
جاءت الجلسة في ظل ارتفاع توقعات السوق تجاه تشديد السياسة النقدية، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الشركات الأكثر حساسية لتكلفة التمويل، خصوصا الشركات غير المالية ذات المديونية المرتفعة والسيولة التشغيلية الأضعف.
هذه الشركات تكون عادة أكثر تأثرا بارتفاع الفائدة، لأن جزءا أكبر من أرباحها قد يذهب لخدمة الديون أو إعادة التمويل، ما يقلص هامش الأمان أمام المستثمر.
لكن المديونية وحدها لا تفسر حركة الجلسة بالكامل. فقد سجلت بعض الشركات عالية المديونية أداء إيجابيا، بدعم من زخم التداول أو عوامل خاصة أو توقعات نمو أفضل. في المقابل، تراجعت شركات منخفضة المديونية لأسباب مرتبطة بالقطاع أو التقييم أو جني الأرباح.
لذلك، بدت جلسة اليوم أقرب إلى عملية فرز داخل السوق، إذ تعرضت الشركات ذات الميزانيات الأضعف لضغط أكبر في المتوسط، بينما احتفظت بعض الشركات ذات القصص الاستثمارية الواضحة أو النشاط المرتفع بجاذبيتها.
ارتفاع الفائدة لا يؤثر في كل الشركات بالطريقة نفسها. فكلما زادت تكلفة التمويل، ارتفعت أهمية النظر إلى جودة الميزانية، ومستوى الدين، والقدرة على توليد النقد، والسيولة المتاحة.
المواد الأساسية تضغط .. والبنوك تحد من الهبوط
قطاعيا، جاء الضغط الأكبر من المرافق العامة، الذي تراجع 1.83%، يليه الخدمات التجارية والمهنية بـ1.45%، ثم تجزئة السلع الكمالية بـ1.44%، والتطبيقات وخدمات التقنية بـ1.29%، والمواد الأساسية بـ1.21%.
وتكتسب حركة المواد الأساسية أهمية خاصة، لأنها استحوذت على 604.8 مليون ريال، تعادل 17.4% من تداولات السوق، ما جعل تراجعها مؤثرا في قراءة السيولة والاتجاه العام.
في المقابل، سجل قطاع السلع الرأسمالية ارتفاعا محدودا بـ0.32%، وصعد التأمين بـ0.26%، بينما تراجع قطاع البنوك بـ0.15% فقط.
ساعد هذا التماسك النسبي للبنوك على تخفيف عمق الهبوط، خصوصا أن القطاع استحوذ على 555.4 مليون ريال، أي نحو 15.9% من إجمالي سيولة السوق.
السيولة تتركز في عدد محدود من الأسهم
على مستوى الأسهم، بقيت السيولة مركزة في عدد محدود من الشركات. فقد استحوذت أكبر خمس شركات تداولا على نحو 935.7 مليون ريال، تمثل 26.9% من إجمالي تداولات تاسي، وهي نسبة قريبة من الجلسة السابقة عند 26.6%.
تكشف هذه القراءة أن السيولة لم تكن بيعية بالكامل. فقد تماسك "الراجحي" و"الإنماء"، وجذب "دي بي إس" سيولة قوية مع صعود واضح، بينما تركز الضغط في أسهم مثل "معادن"، و"علم"، و"الأهلي"، و"إس تي سي"، و"أكوا باور".
الأسهم الأعلى تقييما تحت ضغط أكبر
من زاوية المكررات، أظهرت الجلسة ميلا أوضح للضغط على الأسهم الأعلى تقييما. فالأسهم ذات المكرر الأعلى من 25 مرة سجلت متوسط تغير عند -0.9%، مقارنة بـ -0.5% للأسهم ذات المكرر الأقل من 15 مرة.
في المقابل، سجلت الأسهم ذات المكررات بين 15 و25 مرة متوسطا إيجابيا عند 0.62%. وهذا يؤكد أن السوق لم تتعامل مع التقييمات بطريقة واحدة، بل كانت أكثر انتقائية بين الشركات بحسب جودة النمو والسيولة والمخاطر المالية.
ارتداد جزئي لا يغير الصورة من الناحية الفنية
فنيا، أغلق المؤشر في النصف السفلي من نطاقه اليومي. ورغم ارتداده بنحو 21 نقطة من القاع، فإن الإغلاق بقي بعيدا عن القمة اليومية بنحو 29 نقطة، ما يعكس ارتدادا جزئيا لا يغير صورة الضعف العام.
جلسة اليوم كانت جلسة ضغط واسع. انخفاض السيولة، واتساع عدد الشركات المتراجعة، وبقاء المؤشر دون 11 ألف نقطة، كلها إشارات تدعو إلى الحذر. لكن استقرار عدد الشركات المتداولة فوق متوسط 200 يوم تقريبا عند 71 شركة، مقابل 72 شركة في الجلسة السابقة، يشير إلى أن الضعف اليومي لم يتحول بعد إلى كسر أعمق في مكونات السوق.
السوق أصبحت أكثر حساسية لجودة الشركات، لا لحركة المؤشر وحدها. ففي بيئة ترتفع فيها توقعات التشديد النقدي، تصبح المديونية، والسيولة التشغيلية، والقدرة على توليد النقد، ومستوى التقييم، عناصر حاسمة في قراءة المخاطر.
ستبقى عودة السيولة، وتحسن اتساع السوق، وقدرة الأسهم القيادية على التماسك، مؤشرات رئيسية لفهم اتجاه السوق في الجلسات المقبلة. كما أن بقاء المؤشر دون متوسط 200 يوم سيجعل أي ارتداد بحاجة إلى تأكيد من السيولة واتساع المشاركة، لا من حركة عدد محدود من الأسهم فقط. وعدم عودة المؤشر سريعا فوق 11080 نقطة، يبقي احتمالات زيارة مستويات قريبة من 11550 نقطة محتملة.