بعد مرور شهر على بدء العمل بتنظيم البنك المركزي السعودي "ساما" الخاص بالجولات الاستثمارية للمؤسسات المالية غير البنكية، برزت ملامح الإطار التنظيمي الجديد الذي ألزم هذه المؤسسات بإشعار البنك قبل الشروع في أي جولة استثمارية، في خطوة تستهدف تعزيز الرقابة الاستباقية على القطاع المالي، ورصد التغيرات المحتملة في هياكل الملكية، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية، بما يدعم استقرار السوق ويعزز ثقة المستثمرين.
يأتي هذا التنظيم في وقت يشهد فيه قطاع التقنية المالية والتمويل غير البنكي نمو متسارع، وارتفاع في وتيرة الجولات الاستثمارية، الأمر الذي يستدعي وجود إطار تنظيمي يواكب هذا النمو، ويضمن تنفيذ عمليات التمويل وفق ضوابط واضحة توازن بين جذب الاستثمارات والمحافظة على متانة القطاع المالي، وفق معلومات "الاقتصادية".
الإجراء يمكن الجهات الرقابية من الرصد المبكر لأي تغيرات محتملة في هياكل ملكية المؤسسات المالية غير البنكية، بما يعزز الرقابة الاحترازية، ويتيح تقييم الآثار التنظيمية قبل إتمام أي تغييرات قد تنعكس على استقرار المؤسسة أو القطاع بشكل عام.
الحد من المخاطر المرتبطة بانتقال الملكية أو دخول مستثمرين
كما يسهم التنظيم في التحقق من مدى ملاءمة المستثمرين الجدد المزمع دخولهم في الجولات الاستثمارية، والتأكد من استيفائهم للاشتراطات التنظيمية المعمول بها، بما يضمن استكمال إجراءات الموافقة النظامية عند إتمام الجولة، ويحد من المخاطر المرتبطة بانتقال الملكية أو دخول مستثمرين لا يستوفون المتطلبات النظامية.
يمثل توحيد إجراءات الجولات الاستثمارية أحد أبرز أهداف التنظيم، إذ يضع إطار موحد للمتطلبات الإجرائية التي ينبغي على المؤسسات الالتزام بها قبل إطلاق أي جولة تمويلية، بما يحافظ على استقرار القطاع المالي، ويصون مصالح جميع الأطراف، خاصة في ظل التطورات المتسارعة في أدوات الاستثمار والتمويل ونماذج الأعمال المالية الحديثة .
يتوقع أن ينعكس هذا التنظيم بصورة مباشرة على تعزيز الحوكمة داخل المؤسسات المالية غير البنكية، من خلال ترسيخ ثقافة الامتثال والتخطيط المسبق للجولات الاستثمارية، وإلزام المؤسسات بإجراء الدراسات والعناية الواجبة قبل طرح الفرص الاستثمارية، الأمر الذي يرفع من جودة العمليات الاستثمارية ويقلل من المخاطر التنظيمية.
يمنح التنظيم المستثمرين المحتملين قدر أكبر من الوضوح والثقة، عبر ضمان خضوع الجولات الاستثمارية لإجراءات تنظيمية محددة قبل تنفيذها، ما يعزز شفافية السوق، ويحد من حالات عدم اليقين، ويرفع جاذبية البيئة الاستثمارية للمستثمرين المحليين والدوليين.
في هذا الصدد تحدثت "الاقتصادية" مع مختصين اثنين في الجوالات الاستثمارية والاستراتيجيات، حيث يريان التنظيم الخاص بالإشعار المسبق للجولات الاستثمارية للمؤسسات المالية غير المصرفية خطوة تطويرية تعزز استقرار القطاع المالي وتواكب النمو المتسارع لشركات التقنية المالية، مؤكدين أن وضوح الإطار الرقابي سيدعم جودة الممارسات الاستثمارية، ويزيد جاذبية السوق السعودية أمام المستثمرين، مع الحفاظ على مرونة تنفيذ الجولات الاستثمارية.

المختص في القطاع المالي المهندس ياسر المديان قال إن من المهم التمييز بين متطلب "الإشعار المسبق" ومتطلب "الموافقة المسبقة"، موضحا أن التنظيم لا يضيف بوابة موافقات جديدة، وإنما ينقل الرقابة الإشرافية إلى مرحلة مبكرة من دورة جمع رأس المال قبل اكتمال التغييرات في هيكل الملكية.
المديان أضاف : مهلة الإشعار البالغة 5 أيام عمل تعد قصيرة مقارنة بالمدة الطبيعية لأي جولة استثمارية، التي تمتد عادة لعدة أشهر، ولذلك لا يتوقع أن تؤثر بصورة جوهرية في وتيرة الجولات أو أحجامها، بل يرجح أن يكون أثرها إيجابيا من خلال تقليص حالة عدم اليقين التنظيمي، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين، خاصة الصناديق الاستثمارية والمؤسسات الأجنبية.
وأوضح أن قطاع المؤسسات المالية غير المصرفية يعد من أكثر القطاعات نشاطا في الاستثمار الجريء بالسعودية، حيث تستحوذ شركات التقنية المالية على الحصة الأكبر من الصفقات، وتشمل أبرز الجولات شركات المدفوعات، والتمويل الاستهلاكي، وخدمات "اشتر الآن وادفع لاحقا"، ومنصات التمويل الجماعي بالدين، والتقنية التأمينية، وحلول إدارة الثروات.
أشار إلى أن الجولات لا تقتصر على حقوق الملكية التقليدية، وإنما تشمل أيضا الأدوات القابلة للتحويل، مثل السندات القابلة للتحويل واتفاقيات الأسهم المستقبلية، إضافة إلى أدوات الدين، مبينا أن شمول التنظيم لهذه الأدوات يعكس وعي تنظيمي متقدم، نظرا لما قد تتركه من تأثير مستقبلي على هياكل الملكية عند تحويلها إلى أسهم.
3 غايات رئيسية لتنظيم الجولات الاستثمارية
أكد المديان أن التنظيم يحقق 3 غايات رئيسية، تتمثل في منح البنك المركزي رؤية استباقية للتغيرات المحتملة في ملكية المؤسسات المالية، ورفع مستوى الانضباط المؤسسي داخل الشركات من خلال تحسين حوكمة عمليات جمع رأس المال، فضلا عن توفير حماية غير مباشرة للمستثمرين والعملاء عبر دعم استقرار المراكز المالية للمؤسسات الخاضعة للإشراف.
من جهته، أكد خبير المخاطر الاستراتيجية الدكتور عبدالرحمن الزومان أن التنظيم لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراء منفصلا، بل يمثل حلقة ضمن مسار متكامل لتعزيز الحوكمة والشفافية في السوق المالية السعودية.
أوضح الزومان أن توقيت القرار جاء استجابة للنمو المتسارع الذي يشهده القطاع، حيث بلغ عدد شركات التقنية المالية في السعودية 224 شركة بنهاية الربع الثاني من 2024، متجاوزا مستهدف برنامج تطوير القطاع المالي، مع استهداف الوصول إلى 525 شركة بحلول 2030، كما ارتفع عدد التراخيص الاستثمارية إلى 14,303 تراخيص خلال 2024 مقارنة بـ 8,541 ترخيصا في العام السابق، بنمو تجاوز 67%.
60 جولة استثماريا كبرى ومتوسطة سنويا
توقع الزومان استمرار نمو الجولات الاستثمارية بصورة تدريجية، مع انتقال جزء من النشاط غير المنظم إلى القنوات الرسمية، وزيادة التركيز على جولات النمو المتقدمة، مقدرا أن يستقر النشاط المنظم مستقبلا بين 40 إلى 60 جولة استثمارية كبرى ومتوسطة سنويا بعد اكتمال دورة الامتثال.
كما رجح أن يؤدي وضوح الإطار التنظيمي إلى توسيع قاعدة المستثمرين، مشيرا إلى أن المستثمرين الدوليين استحوذوا على 29% من الاستثمار الجريء في السعودية خلال 2024، مع توقعات بنمو أعداد المستثمرين المؤسسيين والصناديق المؤهلة بنسبة تتراوح بين 20 و25% سنويا خلال الأعوام الـ3 المقبلة.

أوضح أن المكاسب لن تقتصر على زيادة عدد الجولات، وإنما ستنعكس أيضا على جودة التمويلات، في ظل تصدر السعودية أسواق رأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2024 باستثمارات بلغت نحو 2.8 مليار ريال، تمثل 40% من إجمالي استثمارات المنطقة، متوقعا أن تستقر التدفقات الاستثمارية النوعية للقطاع المالي غير المصرفي بين 2.5 و3.5 مليار ريال سنويا.
50 % تراجع متوقع للشكاوى خلال 24 شهرا
الزومان لفت إلى أن نجاح التنظيم يمكن قياسه من خلال عدد من المؤشرات، أبرزها انخفاض معدل الشكاوى والنزاعات المرتبطة بالعروض الاستثمارية، وارتفاع نسب الالتزام بالإفصاح ومتطلبات "اعرف عميلك"، وزيادة مشاركة المستثمرين المؤسسيين، متوقعا تراجع الشكاوى المرتبطة بالعروض المضللة بنسبة تتراوح بين 40 و 50% خلال العام الأول من التطبيق، مع ظهور النتائج الأولية خلال فترة تتراوح بين 12 و 24 شهرا.
أكد أن مهلة الإشعار المسبق صممت لتكون خفيفة من الناحية التشغيلية، باعتبارها متطلب للإفصاح وليس ترخيص مسبق، مشيرا إلى أن أي أعباء إدارية محدودة ستقابلها مكاسب أكبر تتمثل في رفع مستويات الثقة والشفافية، وجذب رؤوس الأموال طويلة الأجل، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي.
8 متطلبات لتنظيم الجولات الاستثمارية للمؤسسات
البنك في يونيو الماضي، فرض 8 متطلبات واشتراطات لتنظيم الجولات الاستثمارية للمؤسسات المالية غير البنكية، لتعزيز الرقابة على القطاع المالي، ورفع مستويات الشفافية والإفصاح، بما يدعم استقرار القطاع المالي ونموه في السعودية.
"ساما" في تعميمه، أوضح أنه استناد إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب نظامه والأنظمة ذات العلاقة، يتعين على المؤسسات المالية غير البنكية إشعاره قبل تنفيذ أي جولة استثمارية بـ5 أيام عمل على الأقل، مع تزويده بكافة البيانات والمستندات المرتبطة بالجولة الاستثمارية.
شملت الاشتراطات الجديدة تقديم تفاصيل الجدول الزمني للجولة الاستثمارية، والهدف منها، وقيمتها، والفئة المستهدفة، إضافة إلى بيان أثر الجولة في هيكل الملكية والوضع المالي للمؤسسة المالية غير البنكية.
كما ألزمت التعليمات المؤسسات بالإفصاح عن نوع وهيكل الأداة الاستثمارية المستخدمة، سواء كانت حقوق ملكية، أو أدوات قابلة للتحويل، أو أدوات دين، أوغيرها من الأدوات الاستثمارية، إلى جانب تقديم أي مستندات داعمة أو إضافية قد يطلبها البنك المركزي.




