تشهد النمسا لحظة اقتصادية شديدة الصعوبة، وربما تكون الأصعب في الربع الأول من هذا القرن. فخلال العامين الماضيين سجلت نموا سلبيا في أطول فترة ركود تشهدها منذ العقد الأول من الألفية، ولا تبدو الصورة أكثر تفاؤلا هذا العام، إذ لا يتوقع أن يتجاوز معدل النمو 0.3 %، مع توقعات بارتفاعه في العامين المقبلين إلى ما بين 0.8 و1.1 % على التوالي.
ويترافق النمو الضعيف مع معدل تضخم أعلى من متوسط منطقة اليورو، ليدور هذا العام حول 3.5 %، ما يضغط على القدرة الشرائية للأسر وعلى هامش ربحية الشركات.
ما العوامل التي تضغط على اقتصاد النمسا؟
يرجع الخبراء تعقيدات المشهد إلى تقاطع مجموعة من العوامل السلبية. فبعد أن كانت النمسا واحدة من أسرع الدول الأوروبية تعافيا بعد جائحة كورونا، تجد نفسها اليوم أمام موجة من التحديات، أبرزها تباطؤ النمو الصناعي جراء عدم الاستقرار في الأسواق الألمانية التي دخلت بدورها في مرحلة ركود. فالترابط الاقتصادي للبلدين يجعل الاقتصاد النمساوي "يعيش في ظل الاقتصاد الألماني" كما يقول خبراء دوليون تحدثوا لـ"الاقتصادية"، ما يعني أن فيينا تدفع اليوم ثمنا مباشرا لما يمر به الاقتصاد الألماني من تباطؤ وضعف في الطلب.
يمثل الاقتصاد الألماني عاملا مفصليا في تحديد مسار ومستقبل الاقتصاد النمساوي، ليس فقط بسبب حجم التبادل التجاري بين البلدين، بل بسبب الاندماج العميق في سلاسل القيمة الصناعية، إذ يتجاوز حجم التجارة الثنائية 117 مليار يورو سنويا، منها نحو 57 مليار يورو من الصادرات النمساوية إلى ألمانيا، وهو ما يقترب من ثلث إجمالي صادرات النمسا.
كما تعد ألمانيا أكبر مستثمر أجنبي في النمسا بأكثر من 59 مليار يورو من الاستثمارات المباشرة، فيما تستثمر الشركات النمساوية نحو 45 مليار يورو في السوق الألمانية، وهو ما يعكس طبيعة تكاملية لا مثيل لها في العلاقات الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي.
النمو في النمسا يعتمد على الطلب الألماني
تقول إيزابيل كيليمان، الباحثة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إن "العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والنمسا هي الاعمق داخل الاتحاد الأوروبي. وإذا خرجت ألمانيا من مرحلة النمو البطيء وحققت انتعاشا اقتصاديا، فستكون النمسا أول المستفيدين بشكل مباشر. فالنمو في النمسا يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي، وتحديدا الطلب الألماني، وأي تباطؤ في برلين يتحول فورا إلى ضغط على الناتج المحلي النمساوي، ما يفسر ارتفاع البطالة وتراجع شهية الاستثمار داخل البلاد".
تعد مشكلة البطالة إحدى أكثر القضايا إلحاحا في النمسا، التي تمتعت تقليديا بمعدلات بطالة منخفضة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي. إلا أن المؤشرات المتاحة تظهر ارتفاعا تدريجيا في معدلات البطالة، خصوصا في القطاعات المعتمدة على التصدير لألمانيا. ويتوقع أن يصل متوسط البطالة هذا العام إلى نحو 5.5 %، وهو أعلى مستوى منذ عقد كامل.
ما أبرز مشكلات النمسا؟
ويقول الدكتور كاونسل هيرلي، أستاذ الاقتصاد الأوروبي، "إن النمسا تواجه مشكلة مزدوجة للشيخوخة السكانية والبطالة في آن".
وأضاف "الشيخوخة السكانية تتزايد في النمسا بمعدلات سريعة، وهو ما يضغط على نظام التقاعد والضمان الاجتماعي، ويقلص القوة العاملة الفعلية. ويترافق ذلك مع نقص واضح في العمالة الماهرة في قطاعات حيوية، ما يجبر النمسا على فتح الباب أمام مزيد من الهجرة المنظمة، وهي قضية شديدة الحساسية سياسيا واجتماعيا".
ولا يقتصر تأثير التغيرات الديموغرافية على سوق العمل فحسب، بل يمتد إلى المالية العامة، فارتفاع عدد المتقاعدين مقارنة بحجم القوة العاملة يؤدي لزيادة العبء على الموازنة العامة، ويحد من قدرة الحكومة على توسيع استثماراتها في مشاريع البنية التحتية والتحول الأخضر.
يترافق ذلك مع ارتفاع تكاليف الطاقة وسلاسل التوريد، ومن ثم زيادة تكاليف الإنتاج، ما أضعف قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية. فقد ارتفعت تكاليف الإنتاج خلال السنوات الثلاث الماضية بوتيرة تفوق المسجلة لدى جيرانها في منطقة اليورو، وهو ما يظهر بوضوح في القطاعات الصناعية التي تعتمد على التصدير إلى الأسواق الألمانية والأوروبية.
ومع كل هذه الضغوط، لا يزال الاقتصاد النمساوي يمتلك قاعدة صناعية قوية ونظاما اقتصاديا مستقرا يسمحان له بالعودة إلى مسار أفضل من النمو. إلا أن الواقع يشير إلى أن قدرة النمسا على الخروج من حالة التباطؤ ستظل مرتبطة بشكل وثيق بقدرة ألمانيا على استعادة زخمها الصناعي، وبمدى استعداد فيينا لتبني إستراتيجية اقتصادية أكثر مرونة وتنوعا في شركائها التجاريين.




