تتجه شركة المنجم للأغذية إلى استثمار 236.3 مليون ريال في "الجوف الزراعية"، وهما مدرجتان في السوق السعودية، عبر الاكتتاب في 4.5 مليون سهم جديد بسعر 52.5 ريال للسهم.
وسترفع الصفقة ملكية "المنجم" من نحو 8.3% إلى 20.29%، بما يحولها إلى مساهم إستراتيجي يمتلك أكثر من 5 رأس المال، مع حضور متوقع في مجلس الإدارة.
وتبرز أمام المستثمرين مسألتان رئيسيتان الأولى تمويل الصفقة، إذ تعادل قيمتها نحو 4.6 مرة الرصيد النقدي المسجل لدى "المنجم" والبالغ 51.78 مليون ريال، والأخرى سعر الاكتتاب الذي يزيد بنحو 26% على سعر سهم "الجوف" في السوق.
وأعلنت "المنجم" توقيع اتفاقية اكتتاب ملزمة بعد نهاية تعاملات اليوم، فيما كانت "الجوف الزراعية" قد أعلنت صباحا موافقة مجلس إدارتها على الاتفاق. وتمثل الأسهم الجديدة زيادة تعادل 15% من عدد الأسهم قبل العملية، وترفع إجمالي أسهم "الجوف" من 30 مليون سهم إلى 34.5 مليون سهم، لتشكل الأسهم المكتتب بها نحو 13.04% من رأس المال بعد الزيادة.
علاوة سعرية مقابل نفوذ استراتيجي
يمنح سعر الاكتتاب البالغ 52.5 ريال "الجوف الزراعية" تقييما نظريا قبل زيادة رأس المال يبلغ نحو 1.58 مليار ريال، استنادا إلى 30 مليون سهم قائمة قبل الصفقة.
وبمقارنة هذا التقييم مع أرباح الشركة خلال آخر 12 شهرا المنتهية في الربع الأول من 2026، والبالغة 48.7 مليون ريال، فإن سعر الاكتتاب يعكس مكرر ربحية يتجاوز 32 مرة، مقابل مكرر سوقي حالي يقارب 25 مرة، بحسب بيانات بلومبرغ.
وتشير هذه المقارنة إلى أن "المنجم" لا تدخل الاستثمار بسعر مخفض، بل تدفع علاوة للحصول على حصة مؤثرة في شركة زراعية مدرجة.
غير أن الحكم على السعر لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة المضاعفات، فالصفقة تتضمن عناصر لا يحصل عليها عادة المستثمر المالي العادي، من بينها رفع الملكية إلى أكثر من 20%، والمشاركة في إعادة تشكيل مجلس الإدارة، وإمكان التأثير في القرارات الإستراتيجية، إلى جانب فرص التكامل بين الإنتاج الزراعي وسلاسل توريد وتوزيع الأغذية.
ومن ثم، يعتمد تبرير العلاوة السعرية على قدرة "المنجم" على استخراج قيمة اقتصادية تتجاوز العائد المالي المباشر من ملكية الأسهم، سواء عبر تحسين الإمدادات، أو خفض مخاطر التوريد، أو تطوير منتجات مشتركة، أو الاستفادة من شبكة توزيع "المنجم" في تسويق إنتاج "الجوف الزراعية".
صفقة أكبر من السيولة النقدية المسجلة
تعد طريقة تمويل الاستثمار أحد أبرز الأسئلة المالية التي لم يتضمن الإعلان عن تفاصيلها.
فقيمة الاكتتاب البالغة 236.25 مليون ريال تتجاوز الرصيد النقدي المسجل لدى "المنجم"، البالغ 51.78 مليون ريال، بنحو 184.5 مليون ريال، وتعادل نحو 4.6 مرة النقدية المتاحة وفق القوائم المالية للشركة للربع الأول من العام الجاري.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود عجز تمويلي، إذ قد تمتلك الشركة رصيد مدينون بنحو 351 مليون ريال، ما قد تسعى الشركة لتحصيلها، أو تمويلها عبر مزيج من رصيد النقدية والتدفقات النقدية الحرة للربع الثاني إلى جانب تسهيلات مالية. إلا أن الفارق الكبير بين قيمة الصفقة والنقدية يجعل أثر التمويل في الميزانية وتكلفة الاقتراض والتدفقات النقدية الحرة عنصرا جوهريا في تقييم الصفقة.
وفي حال تمويل جانب كبير من الاستثمار بالدين، سترتفع أهمية قياس العائد المتوقع من الحصة الجديدة مقابل تكلفة التمويل. أما إذا مولت الصفقة من السيولة التشغيلية، فقد تضغط مؤقتا على قدرة "المنجم" على تمويل التوسعات أو التوزيعات النقدية أو احتياجات رأس المال العامل.
لذلك، لن يتحدد الأثر الحقيقي للصفقة من سعر الاكتتاب فقط، بل من تكلفة رأس المال المستخدم في تمويلها والعائد المستقبلي الذي ستولده حصة "الجوف الزراعية".
من مساهم مالي إلى شريك في القرار
تضمنت الاتفاقية إعادة تشكيل مجلس إدارة "الجوف الزراعية" عند إتمام الاستثمار، بعد الحصول على الموافقات النظامية اللازمة.
ويعزز هذا البند الطابع الإستراتيجي للصفقة، إذ يمنح "المنجم" نفوذا يتناسب مع ملكيتها المتوقعة، وقد يتيح لها المشاركة بصورة أكبر في تحديد خطط النمو والاستثمار والتوزيعات والسياسة التشغيلية للشركة الزراعية.
كما يمكن أن تخضع الحصة للمعالجة المحاسبية وفق طريقة حقوق الملكية إذا توافرت شروط التأثير الجوهري، وهو ما يعني أن حصة "المنجم" من أرباح أو خسائر "الجوف الزراعية" قد تنعكس في قوائمها المالية بدلا من الاكتفاء بتسجيل توزيعات الأرباح عند استلامها. ويظل تحديد المعالجة النهائية مرتبطًا بالمعايير المحاسبية وطبيعة النفوذ الفعلي بعد إتمام الصفقة.
"المنجم" تعزل أثر تقلبات سعر "الجوف"
ستغير الصفقة طبيعة أثر "الجوف الزراعية" في قوائم "المنجم". فحاليا تنعكس تقلبات سعر السهم في الدخل الشامل الآخر، بينما تسجل التوزيعات ضمن الأرباح.
وبعد ارتفاع الملكية إلى 20.29% وتطبيق طريقة حقوق الملكية، ستدخل حصة "المنجم" من أرباح أو خسائر "الجوف" مباشرة في قائمة الدخل، فيما تتوقف إعادة تقييم الاستثمار دوريا وفق سعر السوق.
تكامل يمتد إلى بداية سلسلة الغذاء
يقوم نموذج أعمال "المنجم" تاريخيا على استيراد المنتجات الغذائية وتسويقها وتوزيعها داخل السعودية، إلا أن الشركة توسعت خلال الأعوام الأخيرة في التصنيع المحلي والخدمات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بإنتاج الدواجن.
ومن هذا المنظور، لا تنقلها صفقة "الجوف الزراعية" من التوزيع إلى الإنتاج للمرة الأولى، بقدر ما تمد حضورها إلى مرحلة أبكر من سلسلة القيمة، عبر الانكشاف المباشر على الإنتاج الزراعي المحلي.
وقد يعزز هذا الامتداد قدرة "المنجم" على ربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع والتخزين والتسويق والتوزيع، وتنويع مصادر الإمداد، وتقليل تعرض بعض منتجاتها لتقلبات الاستيراد والشحن والأسواق العالمية.
كما ينسجم مع توجهها المعلن لرفع المحتوى المحلي وزيادة الاعتماد على سلاسل الإمداد المحلية.
لكن تحقق هذه المنافع ليس تلقائيا، إذ يعتمد على وجود تكامل تشغيلي وتجاري فعلي بين الشركتين، مثل توجيه جزء من إنتاج "الجوف" إلى مصانع "المنجم" أو علاماتها التجارية وشبكة توزيعها. ومن دون ذلك، قد تبقى الصفقة استثمارا إستراتيجيا في شركة زميلة، نُفذ عند تقييم مرتفع نسبيا، من دون وفورات ملموسة في التكلفة أو تحسن مباشر في الهوامش.
الصفقة لم تكتمل بعد
رغم توقيع الاتفاقية الملزمة، فإن تنفيذ الاستثمار لا يزال مشروطا بالحصول على موافقات هيئة السوق المالية والسوق المالية السعودية "تداول" والجهات المختصة، إضافة إلى موافقة الجمعية العامة غير العادية لمساهمي "الجوف الزراعية".
وبعد استكمال الموافقات، ستدعو الشركة مساهميها للتصويت على زيادة رأس المال واتفاقية الاكتتاب.
الصفقة تمنح "المنجم" حصة إستراتيجية ونفوذا أكبر في شركة منتجة للأغذية، لكنها في المقابل تضع أكثر من 236 مليون ريال في استثمار يجري عند تقييم أعلى من مضاعفات السوق الحالية، ما يرفع سقف العوائد المطلوبة لتبرير السعر وتحقيق قيمة مضافة للمساهمين.


