تراهن الحكومة السعودية على موجة استثمارية قادمة تبرز أهم ملامحها على الصناعات التحويلية المتخصصة، والهيدروجين الأخضر والأمونيا النظيفة، وصناعة السيارات الكهربائية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها، إضافة إلى توطين الصناعات العسكرية، بعد أن نجحت في ترسيخ معادلة استثمارية لافتة تقوم على أن "كل ريال حكومي يجذب 9 ريالات من القطاع الخاص".
نجحت السعودية في مدن الجبيل وينبع ورأس الخير وجازان التابعة للهيئة الملكية للجبيل وينبع بالوصول إلى استثمارات تجاوزت 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار)، إذ تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي يربط بين أهم ممرات التجارة العالمية، كأحد أبرز محركات التحول الصناعي في الشرق الأوسط، عبر إدارتها الـ4 مدن صناعية ما عزز من مكانتها كمركز صناعي ولوجستي عالمي متكامل.
هنا يوضح لـ"الاقتصادية" المهندس خالد السالم رئيس الهيئة، الذي صدر أمر ملكي الاثنين الماضي بتمديد خدمته 4 سنوات رئيسا للهيئة الملكية للجبيل وينبع، إستراتيجية الهيئة التي تستند إلى 3 ركائز رئيسية وعن موقع المدن التابعة لها في مركز تنافسي عالمي وعن الرهان على الاستثمارات المقلبة والمحفظة الصناعية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

إلى نص الحوار:
• تجاوزت الهيئة الملكية للجبيل وينبع مرحلة التأسيس إلى مرحلة ترسيخ النجاح، كيف تنظرون إلى التحول القادم في دور وهوية الهيئة خلال الفترة المقبلة؟
منذ تأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع وهي تعمل وفق نموذج إداري متكامل يعرف بالإدارة الشاملة للمدن؛ أي أن التخطيط الصناعي، والتنظيم العمراني، والبنى التحتية، والخدمات البلدية، والخدمات الصحية، والتعليم، وحماية البيئة، والاستثمار تُدار ضمن منظومة واحدة مترابطة، لا عبر جهات متفرقة؛ ما منح الهيئة قدرة استثنائية على تسريع اتخاذ القرار، ورفع كفاءة التنفيذ، وضبط الجودة، وتحقيق توازن دقيق بين النمو الصناعي وجودة الحياة. ولذلك لم تكن مدن الهيئة مجرد مناطق صناعية، بل مدن متكاملة التخطيط والخدمات، ذات بنية تحتية عالمية المستوى ومعايير بيئية صارمة.
ففي المرحلة المقبلة سنركز على جذب الاستثمارات في الصناعات المتقدمة، والمواد عالية التقنية، وسلاسل القيمة التعدينية، بما يتكامل مع مستهدفات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية الرامية إلى رفع إسهام القطاع الصناعي والتعديني في الاقتصاد السعودي، وسنعمل أيضا على تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة الصناعية لتكون جزءا فاعلا في هذه السلاسل، بما يعزز المحتوى المحلي ويرفع تنافسية الصادرات.

تعدد الأقطاب الصناعية" والانتقال إلى إستراتيجية التنويع الأفقي والعمودي
• تقليديا ينظر إلى استثماراتكم على أنها تتركز في البتروكيماويات والكيماويات المتخصصة، فإلى أي مدى تعمل الهيئة اليوم على تنويع قاعدة استثماراتها، وهل هناك استثمارات نوعية جديدة قيد التطوير؟
تؤمن الهيئة الملكية بأن البتروكيماويات هي حجر الأساس الذي أنشأت الهيئة عليها قاعدتها الصناعية، لكنها اليوم تمثل منصة الانطلاق نحو آفاق أوسع. فنحن نعيش الآن مرحلة "تعدد الأقطاب الصناعية" في مدننا، حيث انتقلنا من التركيز التقليدي إلى إستراتيجية التنويع الأفقي والعمودي.
في تنويع القاعدة الاستثمارية: لم تعد مدننا تكتفي بالصناعات الأساسية، بل أصبحت حاضنة لقطاعات جديدة واعدة تشمل: الصناعات التعدينية: خاصة في مدينة رأس الخير التي تحولت إلى قطب عالمي للألمنيوم والفوسفات، ومدينتي ينبع الصناعية وجازان للصناعات الأساسية والتحويلية لجذب صناعات تعدينية متنوعة، وذلك لقربها من أماكن توفر الثروات الطبيعية في الدرع العربي. وكذلك تهيئة البنية التحتية المناسبة لاستثمارات الطاقة النظيفة كما في مستهدفات وزارة الطاقة من إنتاج وتصدير للهيدروجين الأخضر والتقاط الكربون والطاقة المتجددة. إضافة إلى ذلك الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد: تم تفعيل استثمارات ضخمة لربط الصناعات الأساسية بالتحويلية عبر شبكات السكك الحديدية والموانئ المتطورة، ما يعزز من كفاءة التصدير.
كما أن الهيئة تتوجه لتوطين وتمكين صناعات جديدة في قطاعات مختلفة مثل صناعة الأغذية: وذلك دعما لأمن السعودية الغذائي في مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية. وأيضا إلى الصناعات التقنية المتقدمة: استثمارات في تصنيع الألواح الشمسية، وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد للصناعة، ومصانع الأجهزة الإلكترونية المتقدمة. إضافة إلى الحلول الرقمية: والتي تحقق رفع مستوى كفاءة البنى التحتية والفوقية الذكية بمدن الهيئة الملكية الصناعية وتعمل الهيئة الملكية عن كثب مع ذراعها الرقمي شركة رقيم للحلول الرقمية (إحدى الشركات المملوكة للهيئة).

3 ركائز للبيت الإستراتيجي .. محفظة صناعية ومزايا وتشغيل
• تتمحور إستراتيجية الهيئة الملكية للجبيل وينبع لـ2026 حول ما يعرف بـ "البيت الإستراتيجي"، الذي يهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في مدنها الصناعية (الجبيل، وينبع، ورأس الخير، وجازان)، ما أهم الركائز والمؤشرات؟
يتمحور البيت الإستراتيجي للهيئة الملكية على 3 ركائز وهي المحفظة الصناعية، والمزايا والخدمات المقدمة، والنموذج التشغيلي.
ففي المحفظة الصناعية نعمل على تنمية القاعدة الصناعية الحالية وتطوير قطاعات صناعية جديدة واستقطاب المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة ومستثمري التقنيات الناشئة. بينما ركيزة المزايا والخدمات المقدمة نعمل على توفير مزايا تمكينية فريدة وتقديم خدمات متقدمة وتحسين ورفع جودة الحياة في مدننا الصناعية. وأخيرا في النموذج التشغيلي نعمل على تمكين مشاركة القطاع الخاص وتحسين الاستدامة المالية.

تحويل المواد الأساسية إلى منتجات عالية القيمة .. مبادرات وحوافز للتمكين
• ما القطاعات التي تراهن عليها الهيئة بوصفها موجة الاستثمار التالية بعد البتروكيماويات والتعدين؟
المراهنة الحقيقية اليوم تتركز في عدد من القطاعات الإستراتيجية تمثل 'الموجة الاستثمارية القادمة. في قطاع الصناعات التحويلية المتخصصة: (Downstream) نراهن على تحويل المواد الأساسية إلى منتجات نهائية عالية القيمة، مثل أجزاء المركبات، والأجهزة الطبية، ومكونات الأجهزة الإلكترونية. حيث تسعى الهيئة لتمكين الصناعات التحويلية المبتكرة في مراحلها الأولية (Start-Up) وقد أطلقت عددا من المبادرات والبرامج والحوافز التي تمكن هذا القطاع مثل برنامج (خطوات).
بينما قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، هذا هو الرهان الأكبر عالميا. بفضل الموقع الإستراتيجي لمدينة ينبع على البحر الأحمر، نعمل مع وزارة الطاقة لتكون مركزا عالميا لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر والأمونيا النظيفة، إضافة إلى توطين صناعة الألواح الشمسية وتوربينات الرياح.
وتعمل الهيئة على تهيئة البيئة التحتية لاستقطاب كبرى شركات تصنيع السيارات الكهربائية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها (البطاريات، والهياكل)، واستهدافها لاستقطاب الاستثمارات في مراكز البيانات العملاقة والحوسبة السحابية لخدمة القطاع الصناعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة سلاسل الإمداد والتنبؤ بالصيانة في المصانع.

"النافذة الواحدة" ممكّن استثماري للمستثمرين لكافة التصاريح
• ما الحوافز الاستثمارية لدى الهيئة المليكة للجبيل ويبنع لجذب الاستثمارات العالمية والمحلية؟
تقدم الهيئة الملكية للجبيل وينبع حزمة من الحوافز والممكنات التي تجعل من مدنها الصناعية واحدة من أكثر الوجهات جذبا للاستثمار عالميا، حوافز لأسعار أراضٍ تنافسية، إضافة إلى الشراكة التمكينية مع القطاع الخاص من خلال شركة الجبيل وينبع لخدمات المدن الصناعية (جبين).
كما تمتلك الهيئة ممكنات استثمارية منها نظام "النافذة الواحدة ": يحصل المستثمر على كافة التصاريح (بناء، وبيئة، وتشغيل). وبنى تحتية من خلال توفير الهيئة أراض مطورة بالكامل وجاهزة للربط الفوري مجهزة بكافة الشبكات (كهرباء، ومياه صناعية، وغاز، ومعالجة مياه الصرف، والاتصالات)، وأيضا تكامل سلاسل الإمداد بالقرب المباشر من مصادر اللقيم (المواد الخام) بأسعار تنافسية عالمية.

كل ريال حكومي استقطب 9 ريالات من القطاع الخاص
• كم إجمالي حجم الاستثمارات في المدن التابعة للهيئة؟ وكم تمثل نسبة الاستثمارات الحكومية وكذلك القطاع الخاص؟
بلغ إجمالي الاستثمارات في مدن الهيئة أكثر من 1.5 تريليون ريال، وتمثل استثمارات القطاع الخاص النسبة الأكبر بما يقارب 84%، مقابل استثمارات حكومية بنحو 16%، وهذا ناتج عن استثمارات الدولة للبنى التحتية في هذه المدن، بحيث أسهمت في تحقيق معادلة "كل ريال حكومي استقطب 9 ريالات من القطاع الخاص"، ما تعكس هذه الأرقام جاذبية مدن الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وثقة المستثمرين.

تحويل انبعاثات المصانع الثقيلة إلى مواد خام لصناعات أخرى
• كيف تعزز مشاريع الطاقة النظيفة جاذبية مدن الهيئة الصناعية، وما أثر ذلك في استقطابات جديدة ومتعددة تتكامل مع المنظومة الصناعية القائمة ؟
تعمل الهيئة الملكية بالتعاون مع وزارة الطاقة على جذب المستثمرين الإستراتيجيين في مجال الطاقة المتجددة وعلى مواءمة وتخصيص المواقع المناسبة لهم بمخططات المدن لاستيعاب وتلبية احتياجاتهم التشغيلية.
ونظرا للأهمية المتزايدة للتصنيع منخفض الكربون والقائم على الهيدروجين، تعمل الهيئة الملكية للجبيل وينبع على مواءمة تطوير الخدمات اللوجستية لدعم نقل الهيدروجين، ومكونات الطاقة المتجددة.
وقد وقعت الهيئة الملكية للجبيل وينبع في الجبيل مؤخرا مذكرة تفاهم مع شركة "كلايمووركس"، بهدف تعزيز التعاون في مجال دراسة إنشاء مشروع لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة، وذلك بإشراف وزارة الطاقة، لدراسة إنشاء مشروع لالتقاط الكربون من الهواء مباشرة، ووضع إطار شراكة لدراسة تنفيذ المشروع في الجبيل.
كذلك نعمل على بناء منظومة دائرية للكربون؛ حيث يتم التقاط الانبعاثات من المصانع الثقيلة وتحويلها إلى مواد خام لصناعات أخرى (مثل الميثانول أو الوقود الاصطناعي)، ما يخلق دورة اقتصادية مغلقة وجذابة للمستثمرين في التقنيات المتقدمة.
أما صناعة البطاريات وتخزين الطاقة: توفر الطاقة المتجددة يجذب مصانع البطاريات العملاقة (Gigafactories) التي تحتاج لطاقة نظيفة في عمليات إنتاجها. أما قطاع الحديد والألمنيوم الأخضر: باستخدام الهيدروجين بدلا من الوقود الأحفوري في الصهر، نستقطب صناعات ثقيلة صديقة للبيئة تطلبها شركات الطيران والسيارات العالمية.

إنشاء مراكز تخزين وإعادة تصدير مؤتمتة لتوسعة المناطق اللوجستية الذكية
• كيف تعزز مشاريع الربط السككي والموانئ تكامل الصناعات الأساسية مع الصناعات التحويلية، وما أبرز المشاريع الجديدة أو المستهدفة حيال هذا الملف؟
يسهم الربط المباشر بين المصانع والموانئ في خفض التكاليف اللوجستية بشكل ملحوظ، حيث يقلل من تكاليف النقل ويرفع في الوقت ذاته من تنافسية المنتج السعودي في الأسواق العالمية. كما توفر شبكة السكك الحديدية وسيلة نقل ضخمة ومستدامة قادرة على نقل آلاف الأطنان في رحلة واحدة، ما يعزز المرونة والسرعة في عمليات الشحن، ويحد من الاعتماد على الشاحنات، الأمر الذي ينعكس إيجابا على البيئة وكفاءة سلاسل الإمداد.
كما يجري تطوير ميناء مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية ليكون بوابة لوجستية متكاملة على البحر الأحمر، تدعم الصناعات التعدينية والغذائية وتيسر وصولها إلى الأسواق العالمية. إضافة إلى ذلك، تعمل الهيئة على توسعة المناطق اللوجستية الذكية من خلال إنشاء مراكز تخزين وإعادة تصدير مؤتمتة في مدنها الصناعية، مرتبطة مباشرة بالأرصفة الصناعية، بما يعزز مفهوم "المصنع المتصل بالميناء" ويرفع كفاءة العمليات اللوجستية.

"القلب النابض" لممرات التجارة الدولية ضمن منظومة صناعية ولوجستية
• ما دور مدن الهيئة في إعادة رسم سلاسل الإمداد الإقليمية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا؟
تلعب مدن الهيئة الملكية للجبيل وينبع دورا محوريا في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية، حيث تمثل "القلب النابض" لممرات التجارة الدولية بفضل موقعها الإستراتيجي الفريد على ساحلي الخليج العربي والبحر الأحمر، ما يتيح ربط قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا ضمن منظومة صناعية ولوجستية متكاملة.
فعلى الساحل الغربي، تمثل مدينتا ينبع وجازان بوابة البحر الأحمر ونقطة الارتكاز الأقرب إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية، حيث توفران مراكز متقدمة لتصنيع وتوزيع السلع النهائية، ما يعزز سرعة الوصول إلى تلك الأسواق ويزيد من كفاءة عمليات التصدير. وفي المقابل، يشكل محور الخليج الذي يضم مدينتي الجبيل ورأس الخير القاعدة الصناعية الكبرى التي تمد الأسواق الآسيوية باللقيم والطاقة والمواد الخام، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي على الخليج العربي.
كما أسهم إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة في رأس الخير وجازان في تعزيز جاذبية مدن الهيئة للاستثمارات العالمية، إذ تتيح هذه المناطق للشركات الدولية تخزين منتجاتها وإعادة تصديرها دون رسوم جمركية، الأمر الذي يقلل المسافات الزمنية والمكانية بين المورد والمستهلك ويزيد من مرونة سلاسل الإمداد.
ويكتمل هذا التكامل من خلال مشروع "الجسر البري" الذي يربط موانئ البحر الأحمر بموانئ الخليج العربي عبر شبكة سكك حديدية متطورة، محولا السعودية إلى منصة عبور قارية (Transcontinental Hub) تختصر مسارات الشحن التقليدية، وترفع من موثوقية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية، بما يعزز مكانة مدن الهيئة الملكية كمحور إستراتيجي في حركة التجارة الدولية.







