يعد الاستثمار في استعادة الأراضي الجافة والمتدهورة استثمارا اقتصاديا بامتياز، إذ يعيد كل دولار ينفق فيها فوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تراوح بين 7 و30 دولارا، ومن هنا تبرز قيمة نجاح السعودية في إعادة تأهيل المليون هكتار الأولى من أراضيها الجافة المتدهورة والمعلن عنه نهاية شهر مارس الماضي، كما ذكر لـ "الاقتصادية" في حوار خاص مدير برنامج منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في السعودية، الدكتور نزار حداد.
ووصف الدكتور حداد الإعلان السعودي بالمنجز الاستثنائي الذي تحقق بمعدل 548 هكتارا يوميا على مدار خمس سنوات وفي قلب واحدة من أقسى البيئات الصحراوية، في وقت يفقد فيه الكوكب 100 مليون هكتار من أراضيه الصحية سنويا.
وتطرق الحوار إلى التجربة الزراعية الحديثة عبر برنامج "ريف السعودية"، حيث سجلت قطاعات البن والورد والنحل نجاحات ملموسة، تمثلت في زيادة إنتاجية المزارع النموذجية بنسبة 100% وتحسن جودة الزيوت العطرية والعسل العضوي الذي أوضح حداد أنه يتفوق سعريا على التجاري بأكثر من 10 أضعاف، ما يخرجه من دائرة منافسة النكتار والمنتجات الشبيهة، ليخلق لنفسه فرصة تنافسية حقيقية في الأسواق النوعية وعالية القيمة.
ولفت إلى التحديات الهيكلية في قطاعي الماشية والمحاصيل البعلية، والتي تتأثر بتذبذب الأمطار، وضعف الأصناف الوراثية أو عدم وجودها، وانخفاض كفاءة تربية الماشية، وقلة الوعي بالصحة الحيوانية، وعدم تنوع الأعلاف، حيث شدد مدير الفاو في السعودية على أهمية التحول من الأنماط التقليدية إلى الإدارة المبنية على البيانات والخدمات البيطرية المنتظمة لرفع الكفاءة الإنتاجية والإدارة الاقتصادية السليمة للقطيع، وإلى تفاصيل الحوار.
كيف تقيّم الفاو نجاح السعودية في إعادة تأهيل المليون هكتار الأولى من الأراضي الجافة والمتدهورة؟
من منظور منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فإن هذا المنجز يستحق الإشادة الكاملة، ويُشكّل خطوة جوهرية في الاتجاه الصحيح. ولتقدير حجمه الحقيقي، ينبغي وضعه في سياقه العلمي والدولي.
نحن نعيش اليوم أزمة تدهور أراضٍ غير مسبوقة في تاريخ البشرية. تُشير أحدث تقديرات الفاو إلى أن 1.66 مليار هكتار من الأراضي حول العالم تعاني تدهورا حادا بفعل الأنشطة البشرية، وأن نحو 1.7 مليار شخص يعيشون في مناطق تتراجع فيها غلة المحاصيل جراء هذا التدهور. وفي منطقتنا العربية وحدها، تعاني أكثر من 46 مليون هكتار من الأراضي الزراعية تدهورا ملحوظا. وعلى المستوى العالمي، يفقد كوكبنا سنوياً نحو 100 مليون هكتار من الأراضي الصحية. في ظل هذه التحديات الجسيمة، يأتي إعلان المملكة ليؤكد بوضوح أن التغيير ممكن، وأن الحلول المنهجية موجودة.
ما يجعل هذا النجاح استثنائياً من وجهة نظرنا في الفاو ليس فقط حجمه، بل كونه منجزاً موثقاً بأدلة علمية صارمة وليس مجرد تعهد مستقبلي، والأهم من ذلك، أن هذه المساحة -مليون هكتار- قد أُعيد تأهيلها بمعدل 548 هكتاراً كل يوم، دون توقف، لمدة خمس سنوات متواصلة، وفي بيئة صحراوية تُعدّ من أقسى بيئات العالم.
ما العوائد الاقتصادية التقديرية لإعادة التأهيل هذه على الناتج المحلي الزراعي؟
تستند الفاو في تقييمها الاقتصادي إلى معادلة موثقة علمياً ومُختبرة في عشرات الدول: كل دولار يُستثمر في استعادة الأراضي يُعيد ما بين 7 و30 دولاراً من الفوائد الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة. وعلى المستوى العالمي، تُقدّر الفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أن إعادة تأهيل 350 مليون هكتار من الأراضي الجافة والمتدهورة بحلول 2030 يمكن أن يُولّد ما يصل إلى 9 تريليونات دولار من خدمات النظم البيئية. هذه الأرقام تُثبت أن الاستثمار في البيئة هو في جوهره استثمار اقتصادي بامتياز.
لكن الأثر الاقتصادي لهذا الإنجاز لا يقل أهمية عن أثره البيئي، وهو ما تُدركه الفاو جيداً من خلال عملها الميداني في المنطقة. فعلى صعيد الإنتاج الزراعي المباشر، يعني تحسّن خصوبة التربة وعودة الغطاء النباتي ارتفاعاً ملموساً في إنتاجية المحاصيل في المناطق المحيطة، وتوسيع الرقعة الصالحة للرعي المستدام الذي يُعدّ ركيزة أساسية للاقتصاد الريفي، وتنشيط قطاع تربية الماشية الذي يرتبط مباشرة بأمن الغذاء الوطني.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، تُسهم هذه المشاريع في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات إدارة المراعي والمشاتل والخدمات البيئية والبحث العلمي والسياحة البيئية. كما تتراجع بشكل ملحوظ تكاليف مكافحة التصحر وإصلاح أضرار العواصف الغبارية، التي تُلقي بأعباء اقتصادية ثقيلة على دول المنطقة وفق ما وثّقه البنك الدولي.
أما على صعيد الاقتصاد الأخضر المستقبلي، فتُسفر عمليات إعادة التأهيل عن احتجاز كميات معتبرة من ثاني أكسيد الكربون، ما يفتح الباب أمام المشاركة في أسواق الكربون الدولية المتنامية، التي يمكن أن تُحوّل هذا الرصيد البيئي إلى عائد مالي مباشر يُموّل مراحل التوسع القادمة ويُعزز تنافسية المملكة في الاقتصاد الأخضر العالمي.
كيف يسهم استصلاح هذه المساحات الشاسعة في تعزيز الأمن الغذائي المحلي والإقليمي؟
الأمن الغذائي والأمن البيئي وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما وهذا ما تؤكده الفاو في كل تقاريرها وتوصياتها. تدهور الأراضي يُعدّ اليوم أحد أخطر التهديدات للأمن الغذائي العالمي؛ فقد أدى إلى تراجع إنتاجية المحاصيل بنسبة 10% أو أكثر في مناطق تضم أكثر من 1.7 مليار شخص حول العالم. وفي منطقتنا العربية تحديداً، يُشكّل تدهور الأراضي تهديداً مباشراً لأمن الغذاء في دول تعتمد أصلاً على استيراد ما يزيد على 50% من احتياجاتها الغذائية.
إعادة تأهيل مليون هكتار في المملكة تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي عبر مسارات متعددة ومترابطة. على المستوى المحلي المباشر: تحسّن خصوبة التربة وعودة الغطاء النباتي يوسّعان الرقعة الزراعية الصالحة للإنتاج، ويرفعان إنتاجية المحاصيل في المناطق المحيطة. وانخفاض العواصف الغبارية يحمي المحاصيل الزراعية القائمة من الأضرار المتكررة التي كانت تُكلّف المزارعين خسائر فادحة سنوياً. كما يدعم قطاع الرعي الذي يُعدّ ركيزة أساسية لأمن الغذاء في المجتمعات الريفية والبدوية.
وعلى مستوى الأمن الغذائي المستقبلي: احتجاز ثاني أكسيد الكربون يُسهم في تخفيف حدة التغير المناخي الذي يُعدّ التهديد الأكبر للأمن الغذائي العالمي في العقود القادمة. الفاو تُقدّر أن التغير المناخي يمكن أن يُخفّض الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة تصل إلى 25% بحلول 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات جادة. كل هكتار يُعاد تأهيله اليوم هو استثمار مباشر في أمن الغذاء للأجيال القادمة.
كيف يخدم برنامج ريف السعودية مؤشر الأمن الغذائي العالمي؟
عمليًا، انعكس ذلك في مؤشرات موثقة ذات صلة بالأمن الغذائي، منها مضاعفة إنتاجية الحبوب في المزارع النموذجية التي اعتمدت الأصناف المدخلة، وزيادة إنتاجية البن بنسبة 100% مع تحسين الجودة بنسبة 33%، وزيادة إنتاجية الفواكه شبه الاستوائية بمقدار 25–40% مع انخفاض الفقد في المحاصيل بعد الحصاد بنسبة 20%، إلى جانب زيادة إنتاج العسل بالمناحل المستهدفة بأكثر من 200%، وتحسن أداء الثروة الحيوانية من حيث زيادة عدد المواليد وانخفاض النفوق، وكلها تدخل في صميم رفع كفاءة الإمداد الغذائي المحلي وتعزيز المرونة الريفية. كما تم تدريب 5700 عامل في سلاسل القيمة منذ بداية المشروع، ما يعزز الكفاءة المؤسسية والبشرية في المنظومة الزراعية الريفية، وهو رقم مهم في بناء رأس المال البشري المرتبط بالأمن الغذائي. وهذه كلها عناصر ترفع مرونة الإمداد الغذائي المحلي وتدعم قدرة المملكة على مواجهة تقلبات الأسواق.
ضمن هذه القطاعات، ما القطاع الأنشط والأكثر نجاحًا؟ وأين يقع أكبر قدر من التحديات؟
إذا نظرنا إلى النتائج الموثقة بالأرقام، فإن قطاعات البن والورد والنحل تبرز بوضوح ضمن أكثر القطاعات نشاطًا ونجاحًا. ففي البن، سجلت المزارع النموذجية زيادة في الإنتاجية بنسبة 100% من 3.5 إلى 7 كجم لكل شجرة، إلى جانب تحسن الجودة بنسبة 33%، وتم توزيع 6 آلاف شتلة بن بتقنية زراعة الأنسجة. وفي الورد، ارتفع محصول الزهور بنسبة 30-35 %، وتحسنت إنتاجية وجودة الزيوت العطرية بنسبة 15% كما تم توزيع 30 ألف شتلة من الورد والفواكه شبه الاستوائية على أكثر من1000 مزارع. أما في النحل، فقد ارتفع إنتاج العسل من 2.5 إلى 10 كيلوجرامات للخلية الواحدة سنويا كما حصل 100 من صغار مربي النحل على شهادة النحل العضوي بدعم فني من البرنامج.
أما من حيث التحديات، فإن المحاصيل البعلية وقطاع تربية الماشية وقطاع الاستزراع السمكي والصيد البحري هي الأكثر حساسية للتحديات الهيكلية، حيث تتأثر المحاصيل البعلية مباشرة بتذبذب الأمطار، ومحدودية كفاءة حصاد المياه، وضعف الأصناف الوراثية أو عدم وجودها بشكل مستدام بين المزارعين. بينما قطاع صغار الماشية يتأثر بضعف كفاءة التربية، وقلة الوعي بالصحة الحيوانية، وعدم تنوع الأعلاف، وقلة الوعي بالإدارة الاقتصادية للقطيع. وهذا لا يعني ضعف القطاعين، بل يعني أن نجاحهما يتطلب تدخلًا إرشاديًا وتقنيًا وتنظيميًا مستمرًا أكثر من بعض القطاعات الأخرى. كما أن قطاع الاستزراع السمكي والصيد لا يزال في مرحلة تطوير مكونات البنية الداعمة مثل المفرخات، المزادات الرقمية، وتجهيز النساء العاملات في التصنيع، وهو ما يعكس فرصًا كبيرة لكن أيضًا احتياجات تطوير مستمرة.
هل ترصد الفاو ارتفاع دخل صغار المزارعين منذ إطلاق برنامج ريف؟
نعم، ويمكن القول بدقة إن التقرير يرصد مؤشرات قوية وواضحة على تحسن الدخل والفرص الاقتصادية الريفية. فقد أسهمت أنشطة المشروع في تقديم دعم مباشر لنحو 622 مشروعًا زراعيًا ريفيًا، وأسفرت عن خلق 935 فرصة عمل مباشرة. كما يشير التقرير إلى بناء قدرات عشرات النساء وصغار المنتجين وربطهم بجهات تمويلية، إلى جانب التوسع في أنشطة القيمة المضافة وتجهيز الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية والريفية وتسويقها، وهي كلها تدخلات ترتبط مباشرة برفع الدخل وتحسين مستوى المعيشة.
ويورد التقرير أيضًا مثالًا بالغ الدلالة من خلال قصة نجاح إنتاج وتصنيع التين المجفف، حيث ذكر أحد المستفيدين أن نفق التجفيف الشمسي الذي تم تركيبه في مزرعته مكّنه خلال ثلاثة أشهر من إنتاج نحو 2500 كجم من التين المجفف بقيمة وصلت الي 100 ألف ريال، إلى جانب تجفيف المانجو والبابايا. وهذا مثال عملي ومباشر على أن دعم ما بعد الحصاد والقيمة المضافة لا يرفع الجودة فقط، بل ينعكس على دخل الأسر الريفية بصورة ملموسة، ومكّن بعض المزارعين من تحقيق زيادة تصل إلى 3 ريالات إضافية لكل كيلوجرام من سعر المنتج عند المزرعة، وهو أثر مباشر على العائد التسويقي والدخل. هذه المؤشرات تعني تحسنًا في البيئة الاقتصادية والداعمة للدخل الريفي.
كيف تدعم الفاو تحويل زراعة البن والورد إلى صناعات ذات قيمة اقتصادية؟
دعمت الفاو هذا التحول عبر رفع جودة السلسلة الإنتاجية من الزراعة إلى مرحلة ما بعد الحصاد والتصنيع الأولي. ففي البن، شمل الدعم الفني إدخال زراعة الأنسجة، وإنتاج 6 آلاف شتلة بن بتقنيات زراعة الأنسجة، وتطبيق مجموعة أدوات إدارة جودة البن، إلى جانب تجفيف كرز البن في نفق شمسي معدل، وهي تدخلات تعزز جودة المنتج النهائي وربحيته. هذه التدخلات تنقل القطاع من مجرد زراعة محصول خام إلى منظومة أكثر احترافية في الجودة والمعالجة والقيمة المضافة.
وفي الورد، لم يقتصر الدعم على الإنتاج الزراعي، بل امتد إلى إنتاج وتوزيع 30 ألف شتلة من الورد والفواكه شبه الاستوائية على أكثر من 1000 مزارع في الطائف (مكة المكرمة) وأبها والباحة، كما وثّق التقرير ارتفاع إنتاجية محصول الزهور بنسبة راوحت بين 35 و30% وتحسين إنتاجية وجودة الزيوت العطرية بنسبة 15% وهذا يعني أن الدعم لم يكن زراعيًا فقط، بل كان موجّهًا أيضًا نحو رفع جودة المنتج النهائي ومردوده الاقتصادي، وهو جوهر التحول إلى صناعة ذات قيمة مضافة أعلى.
ما مرئياتكم حول جودة العسل السعودي وقدرته على المنافسة في الأسواق الدولية؟
تؤكد بيانات المشروع أن جودة العسل السعودي وإنتاجيته شهدتا تحسنًا ملحوظًا. فقد ارتفع إنتاج العسل في المناحل المستهدفة من 2.5 إلى 10 كجم/خلية/سنة، كما حصل 100 مستفيد من صغار مربي النحل على شهادة مربي نحل عضوي بدعم فني من الفاو، وتم إدخال حزم تقنيات تربية الملكات وتكاثر الخلايا بما مكّن النحالين النموذجيين من تربية وتوريد ما متوسطه 1000 خلية سنويًا. كما قدم برنامج التعاون الفني مقترحات للترويج للعسل السعودي ونشر ثقافة الاستخدام للطب البديل حيث إن سعر العسل السعودي يصل إلى أكثر من 10 أضعاف سعر العسل التجاري الموجود في الأسواق وبالتالي الفئة المستهدفة من العملاء ليست التي تشتري منتجات شبيهة العسل أو النكتار أو ما شابه ذلك. وعليه، يمكن القول إن العسل السعودي يمتلك فرصة تنافسية حقيقية، خاصة في الشرائح النوعية والعسل عالي القيمة، لأن التحول الجاري ليس فقط في حجم الإنتاج، بل أيضًا في الاعتماد العضوي، وتحسين الإدارة، ورفع المعايير الفنية.
ما نصائح المنظمة لمربي الماشية في “ريف” لضمان التحول من التربية التقليدية إلى أنظمة التربية الحديثة؟
النتائج الميدانية للمشروع توضح أن التحول إلى التربية الحديثة يجب أن يقوم على حزمة خدمات متكاملة، تشمل التغذية المحسنة، والإدارة الصحية، وتحسين التكاثر، والمتابعة الفنية المنتظمة، والرقمنة. فالتقرير يوثق زيادة عدد الحملان/النعاج/السنة بنسبة 66% في المزارع المستهدفة، مع انخفاض معدل النفوق بنسبة 71.4%، كما تم توسيع نموذج تقديم خدمات مزارع الثروة الحيوانية، وتدريب 44 موظفًا على إدارة التكاثر والتقنيات المرتبطة به، إلى جانب تطوير وتحديث تطبيق الجوال "القطيع الذكي السعودي" للتوسع على نطاق أوسع.
وعليه، فالنصيحة العملية لمربي الماشية هي: الانتقال من التربية القائمة على الخبرة التقليدية وحدها إلى الإدارة المبنية على البيانات والخدمة البيطرية المنتظمة؛ تحسين التغذية والخصوبة والتكاثر؛ وربط المربي بحزمة إرشادية وخدمية مستمرة.
كيف يمكن تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار في المحاصيل مثل الدخن والذرة لتقليل الاعتماد على المياه الجوفية؟
يدعم المشروع هذا التوجه عبر الترويج لزراعة الأصناف المحسنة، واتباع الري التكميلي، والممارسات الزراعية المتكاملة. فقد اختبر المشروع 22 صنفًا جديدًا محسّنًا من الحبوب، ويظهر في قصة النجاح الخاصة بالذرة الرفيعة أن صنفًا محسّنًا حقق 3.2 طن/هكتار، ثم أضاف محصول لاحق مدعوم بـ "الري التكميلي" نحو 2.2 طن/هكتار خلال 80 يومًا، ليصل إجمالي الإنتاج إلى 5.2 طن/هكتار. وأثر هذا النجاح سريعًا في تبني أكثر من 100 مزارع لزراعة الأصناف المحسنة.
هذا يعني أن تعظيم الاستفادة من مياه الأمطار لا يعتمد فقط على سقوط المطر، بل على تطبيق نظم إدارة أكثر كفاءة للمياه المتاحة من خلال اختيار الصنف المناسب، وضبط التوقيت الزراعي، واستخدام الري التكميلي حين يلزم، مع تبني الممارسات الزراعية الجيدة التي تزيد من كفاءة استخدام المياه وتقلل المخاطر الإنتاجية.
هل ترون أن المزارعين المحليين في السعودية باتوا جاهزين للتحول الكامل نحو الزراعة العضوية؟
البيانات المتاحة تشير إلى جاهزية متزايدة للتحول التدريجي، لكنها لا تبرر القول بوجود جاهزية كاملة وشاملة في جميع القطاعات. أقوى مؤشر في هذا الموضوع هو حصول 100 من صغار مربي النحل على شهادة مربي نحل عضوي بدعم من الفاو، وهو إنجاز مهم يعكس قدرة بعض القطاعات على التحول إلى نماذج إنتاج ذات معايير أعلى، كما أن البرنامج بنى قدرات آلاف العاملين والمنتجين، ووسع نطاق الممارسات المحسنة والابتكارات.
وعليه، فالإجابة الأدق هي أن التحول الكامل نحو الزراعة العضوية ما زال يتطلب مزيدًا من الوعي والإرشاد، وتوفر جهات التفتيش وإصدار الشهادات، والبنية التحتية، والتنظيم التسويقي لدى المنتجين في بعض السلاسل، وربط الإنتاج بأسواق تستوعب المنتجات المعتمدة وتكافئها سعريًا.
ما حجم التطور الذي رصدته الفاو في سلاسل الإمداد والقيمة المضافة لقطاع الفاكهة والمحاصيل الزيتية؟
فيما يخص الفواكه، يرصد التقرير تقدمًا واضحًا في سلاسل القيمة، فقد ارتفعت إنتاجية الرمان والعنب والتين بنسبة 25-40 % في المزارع التجريبية، وانخفضت معدلات الفقد للمحاصيل بعد الحصاد بنسبة 20% في المزارع المستهدفة. ووجهت الوزارة مبادرة إنشاء 11 مركزًا للخدمات الزراعية والتسويق الزراعي في عدد من المناطق في المملكة يقوم بتنفيذها برنامج ريف بدعم فني من الفاو حيث تمت مراجعة تصميم محطات التعبئة والتغليف، مع تطوير نماذج للزراعة التعاقدية واستراتيجيات للعلامات التجارية. وهذه كلها مؤشرات على انتقال العمل من مجرد الإنتاج إلى تحسين التسويق، القيمة المضافة، والوصول الجيد إلى السوق.





