السبت, 3 أكتوبر 2026|20 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

على مدى عقود، اعتمدت أوروبا على طريقة مُجربة لضمان توافر ما يكفي من الغاز لتجاوز فصل الشتاء إذ كان التجار يشترون الوقود عندما تكون أسعاره أرخص في الصيف، ويخزنونه، ثم يبيعونه بسعر أعلى عند الحاجة إليه.

لكن للعام الثاني على التوالي، انهارت الجدوى الاقتصادية لهذه التجارة.

أدى فقدان إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، التي كانت تتدفق بصورة منتظمة على مدى العام، في أعقاب الحرب في أوكرانيا، إلى زيادة اعتماد أوروبا على إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، كما أدت المخاوف من سوق تُعاني من شح في إمدادات الغاز الطبيعي المسال في 2025 إلى ارتفاع الأسعار الأوروبية في الصيف خلال بعض الفترات. وتكرر الوضع نفسه خلال العام الجاري، لكنه ازداد سوءاً بسبب صراع إيران الذي أدى إلى انقطاع إمدادات حيوية من الشرق الأوسط.

أسعار الغاز

أدى تقلص الفارق بين أسعار الصيف والشتاء إلى جعل ضخ الغاز في مواقع التخزين الضخمة في أوروبا أقل جدوى للتجار التجاريين. وتشمل هذه المواقع حقولاً مستنفدة وطبقات مياه جوفية وحتى كهوفاً ملحية قديمة. ونتيجة لذلك، تتجه القارة إلى موسم التدفئة بمخزون عند أدنى مستوى مسجل على الإطلاق لهذا الوقت من العام، ما يزيد مخاطر حدوث قفزات أكبر في الأسعار خلال الشتاء. ولا توجد أي مؤشرات على أن هذه المشكلة ستختفي في أي وقت قريب.

تدفع معضلة التخزين بعض الحكومات إلى التفكير في الاضطلاع بدور أكبر في عملية بناء المخزون، خصوصاً مع استمرار الغاز كوقود انتقالي ضمن التحول الأخضر لسنوات مقبلة، وهو ما قد يفرض عبئاً مالياً إضافياً على خزائن الدول. وبينما تملك أوروبا منذ فترة طويلة احتياطيات نفطية استراتيجية يمكن اللجوء إليها في أي أزمة، فإنها اعتمدت إلى حد كبير في الغاز على المخزون التجاري، الذي تحركه أسعار السوق في الأساس بدلاً من تدخل الدولة.

إذا ظهرت مُشكلات إضافية في الإمدادات أو شهدت أوروبا شتاء شديد البرودة وتبين أن كميات المخزون غير كافية، فقد تضطر القارة إلى شراء الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة فواتير الطاقة بصورة أكبر، وتصاعد الضغوط التضخمية، وتهديد الاقتصاد. كما أن نشوب حرب مزايدة على شحنات الغاز الطبيعي المسال سيكون خبراً سيئاً للدول الأكثر فقراً، مثل باكستان، التي تواجه انقطاعات متناوبة للكهرباء بعدما عطلت حرب إيران الشحنات من قطر، أكبر مورديها.

جدوى تخزين الغاز

لا يضخ التجار الغاز في مواقع التخزين إلا إذا كان فارق الأسعار واسعاً بما يكفي لتغطية تكاليف التخزين وتحقيق أرباح لهم. وإذا ظلت الجدوى الاقتصادية تمثل مشكلة، فقد تضطر الحكومات الراغبة في زيادة المخزون إلى التدخل لتعويض خسائر التداول المحتملة، أو حتى دفع تكاليف الإمدادات الاستراتيجية. وبدأت شركات الطاقة والسياسيون والمستشارون في بعض الدول، مثل ألمانيا وهولندا، دراسة إنشاء مخزون استراتيجي بقيادة الحكومات.

Mon, 28 2026

مُعظم منشآت تخزين الغاز في أوروبا تجارية، إذ يستطيع التجار وشركات المرافق بيع الغاز للعملاء في أي مكان في المنطقة. أما الاحتياطيات الاستراتيجية فتعمل بطريقة مختلفة، إذ تشتري الحكومات الغاز أو تسيطر عليه، وتخصصه لضمان أمن الإمدادات في دولها، ولا تفرج عنه إلا في ظل ظروف محددة، مثل حدوث اضطراب حاد في الإمدادات.

قال ييرون زانتينغ، العضو المنتدب لشركة "غازوني ترانسبورت سيرفيسز" (Gasunie Transport Services)، التي تقدم المشورة لوزارة المناخ الهولندية بشأن أمن إمدادات الغاز، إنه نظراً إلى أن أوروبا لم يعد بإمكانها الاعتماد بالكامل على السوق، فينبغي أن تكون لديها احتياطيات استراتيجية أو احتياطيات أخرى مدعومة من الدولة.

قال: "تحتاج أوروبا إلى مخزون غاز مضمون يتيح لها مواصلة العمل لعدة أشهر حتى في حال حدوث اضطراب غير متوقع وطويل الأمد. النظام الأوروبي غير مستعد حالياً بما يكفي لمثل هذا السيناريو".

تلبية طلب الغاز

تستطيع منشآت التخزين الضخمة تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي، التي لا يمكن التعرف عليها غالباً إلا من خلال محطات الضخ الموجودة على السطح أو الأنابيب الكبيرة التي تنقل الغاز بين الشبكة وآبار التخزين، استيعاب كميات تكفي لتغطية نحو ثلث احتياجاته السنوية. وفي الأيام الأكثر برودة، عندما يتجاوز الطلب كميات الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، يمكن للإمدادات المخزنة تلبية أكثر من نصف الاستهلاك اليومي.

لكن هذا الاحتياطي أصبح الآن عند أسوأ مستوى على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات في 2009، إذ تبلغ نسبة امتلاء مواقع التخزين الأوروبية نحو 71%، مُقارنةً بمتوسط موسمي يبلغ نحو 87%. وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تبلغ النسبة 57% فقط.

بلغت الأسعار مؤخراً أعلى مستوياتها منذ 2022 في أعقاب مشكلات الإمدادات المحيطة بمضيق هرمز، الذي تمر عبره عادة خمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية. وفي مرحلة ما خلال مارس، كان شراء الغاز في الصيف لبيعه في الشتاء سيسفر عن خسارة تتجاوز 8 يوروهات (9.10 دولار) لكل ميغاواط/ساعة، وذلك حتى قبل احتساب رسوم التخزين. ومنذ ذلك الحين، تقلص الفارق، لكن عقود أكتوبر القريبة الأجل ما زالت أعلى قليلاً من العقود المستقبلية للشتاء.

وبالنظر إلى العام المقبل، يجري تداول عقود الغاز لشهر مايو 2027 حالياً بعلاوة سعرية مقارنة بأسعار عقود نوفمبر التالي.

التخزين التجاري للغاز

قال مايكل شمولتزر، رئيس قسم تنظيم التخزين في شركة "يونيبر إنرجي ستوريدج" (Uniper Energy Storage): "لا يمكنك إعادة الاستثمار، ولا يمكنك تشغيل مواقع التخزين بطريقة مستدامة على المدى الأطول إذا ظلت فروق الأسعار الموسمية سالبة باستمرار وجرى تسويق السعات بأقل من التكلفة".

ومن الأسئلة الرئيسية ما إذا كانت الحكومات ستتحرك لدعم المشتريات، إما من خلال إنشاء مخزون استراتيجي أو تشجيع التخزين التجاري.

تملك 9 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بالفعل احتياطيات استراتيجية، بلغ إجماليها نحو 12 مليار متر مكعب حتى العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. لا يمثل ذلك سوى 12% من إجمالي سعة التخزين في التكتل، ولا يكفي إلا لتغطية نحو 13 يوماً من متوسط استهلاك الغاز. وبالمقارنة، تتجاوز مخزونات النفط الاستراتيجية في بعض الاقتصادات الكبرى في الاتحاد الأوروبي ما يعادل 80 يوماً من صافي الواردات.

قال أغوستينو سكورناينكي، الرئيس التنفيذي لشركة "سنام" (Snam SpA)، المشغلة لشبكة الغاز في إيطاليا، خلال فعالية في ميلانو الشهر الجاري: "التخزين الوطني مورد بالغ الأهمية لأمن منظومة الطاقة". وأضاف أنه في ضوء الانخفاض الحالي لمستويات التخزين في بعض الدول، فإن الوضع يحتاج إلى مراقبة "دقيقة للغاية".

احتياطي غاز استراتيجي

أنشأت بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل النمسا، احتياطيات استراتيجية من الغاز في ذروة الأزمة التي أشعلها الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، بينما بدأت دول أخرى، مثل إيطاليا، في ذلك قبلها. ولا تملك ألمانيا أي احتياطيات استراتيجية، لكنها تخطط لبدء تطويرها في 2027، بما يعادل نحو 10% من سعة التخزين الوطنية لديها. وعادة لا تستخدم هذا المخزون إلا خلال حالات النقص الحاد والحرجة قصيرة الأجل.

تستخدم فرنسا حوافز حكومية لدعم التخزين التجاري منذ عدة سنوات، كما تستخدم إيطاليا هذه الأدوات أيضاً.

ناقلة الغاز الطبيعي المسال

Sat, 21 2026

قالت شارلوت رول، الرئيسة التنفيذية لشركة "ستورينجي" (Storengy) التابعة لشركة "إنجي" (Engie)، وهي أكبر شركة لتخزين الغاز الطبيعي في فرنسا، إنه ربما ينبغي إنشاء الاحتياطيات الاستراتيجية على مستوى كل دولة بدلاً من مستوى الاتحاد الأوروبي، وإلا فقد لا يعمل النظام بكفاءة.

وقالت خلال فعالية أقيمت في باريس في سبتمبر الجاري: "الحاجة إلى أمن الإمدادات والسيادة والمرونة ستظل قائمة. نحتاج إلى إجراء هذه المناقشات سريعاً، ونحتاج إلى إيجاد حلول الآن".

يمكن للاحتياطيات الاستراتيجية الصغيرة أن تساعد خلال الأزمات، لكنها لا تحل مشكلة توفير الحوافز المناسبة للتجار لزيادة المخزون قبل الشتاء المقبل وما بعده، وفقاً لشمولتزر من "يونيبر إنرجي ستوريدج".

وقال: "يظل النهج القائم على ظروف السوق أساساً لسوق تخزين تحقق الجدوى الاقتصادية. لكن في ظل فروق أسعار بالسالب، تحتاج أيضاً إلى نظام يتيح لمشغلي منشآت التخزين تغطية تكاليفهم".

تحظى القارة بنحو 150 مليار متر مكعب من سعة التخزين تحت الأرض، يقع نحو 70% منها في الاتحاد الأوروبي. وبالمُقارنة، لا تملك منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تنافسها أوروبا بشدة على شحنات الغاز الطبيعي المسال، سوى نحو 38 مليار متر مكعب، معظمها في الصين، إذ تعتمد المنطقة بدرجة أكبر على تخزين الغاز الطبيعي المسال في خزانات، بحسب وكالة الطاقة الدولية.

مستهدفات تخزين الغاز

وضع الاتحاد الأوروبي مستهدفات للتخزين قبل 4 سنوات لضمان الإمدادات. وبموجب أحدث المستهدفات الممتدة حتى 2027، يفترض أن تكون مواقع التخزين ممتلئة بنسبة 90% في أي وقت بين أكتوبر وديسمبر. ويمكن خفض هذا المستوى إلى 80% خلال "الظروف الصعبة"، وحتى إلى 75% في حال وجود تحديات "مستمرة".

في ألمانيا- أكبر سعة تخزين في الاتحاد الأوروبي- يقل المخزون عن مستوياته المعتادة حتى في المواقع الأكثر ربحية.

يشمل ذلك إيبه، أحد أكبر مواقع التخزين في الكهوف الملحية في العالم، والواقع بالقرب من الحدود الهولندية، وتديره شركات كبرى من بينها "يونيبر" (Uniper) و"آر دبليو إي" (RWE). وتبلغ نسبة الامتلاء في منشأة "إيبه يونيبر إتش غاز" (Epe Uniper H-Gas)، وهو جزء من المجمع ويحتوي حالياً على أكبر كمية من الغاز بين وحدات التخزين التابعة لـ"يونيبر"، 79% من سعته، أي أقل بكثير من متوسط السنوات الخمس.

وفي مؤشر على الصعوبات التي تواجه سوق التخزين في البلاد، تقدمت شركتا "يونيبر" الحكومية و" بايرنغز" (Bayernugs) بطلبات لإخراج اثنتين من منشآت تخزين الغاز التابعة لهما من الخدمة في العام المقبل.

أكدت ألمانيا مراراً أنها لن تتدخل بشكل مباشرة لتأمين الإمدادات خلال العام الجاري، بعدما أنفقت مليارات اليوروهات على شراء الغاز للمخزونات في ذروة الأزمة خلال 2022. لكنها أجرت محادثات مع شركات طاقة مملوكة للدولة بشأن دعم جهود التخزين.

تخزين إلزامي للغاز

ناقشت ألمانيا مع قطاع الطاقة فكرة إلزام الشركات بملء مخزونات الغاز في العام المُقبل، وفقاً لما أوردته بلومبرغ الأسبوع الماضي، كما أجرت مناقصات تهدف فعلياً إلى دفع أموال للتجار مقابل إبقاء الغاز متاحاً عند الحاجة إليه.

لكن هناك خطراً يتمثل في أن يؤدي تدخل الدولة إلى تشويه الأسعار. فقد قفزت أسعار الغاز الأوروبية في 2022 بعدما بدأت ألمانيا تمويل عمليات الشراء في السوق للمساعدة في ملء المخزون. وترى هيله أوسترغارد كريستيانسن، النائبة الأولى للرئيس لشؤون الغاز والكهرباء في شركة "إكوينور" (Equinor) النرويجية، أن ذلك يمثل معضلة أمام السياسيين.

وقالت إن مهمتهم تتمثل في ضمان الإمدادات، "لكن في الوقت نفسه، إذا تدخلوا أكثر من اللازم في السوق، فإننا نشهد أيضاً، كما تعلمون، أسعاراً مرتفعة". في الوقت الراهن على الأقل، يبدو أن نموذج التخزين في أوروبا قد تغير.

قالت فيرونيكا غريم، عضو مجلس الخبراء الاقتصاديين في ألمانيا، إن سوق منشآت التخزين "ليست معطلة، لكنها شهدت تغيرات هيكلية وتحتاج إلى إيجاد توازن جديد. يتجلى البحث عن توازن جديد، على سبيل المثال، في التطورات غير المعتادة تماماً في الفارق بين أسعار العقود المستقبلية للصيف والشتاء. وسيتعين علينا التعايش مع ذلك لفترة أطول".

منتدى الاقتصادية 2026