الخميس, 29 أكتوبر 2026|17 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


يشهد قطاع تكرير النفط اضطرابات تاريخية، لكنه لم يكن في أي وقت مضى أكثر ربحية مما هو عليه الآن.

تسببت الهجمات في الشرق الأوسط وروسيا في نقص هائل في سعة إنتاج الوقود على مستوى العالم خلال العام الجاري، ما أجبر المصافي في مناطق أخرى على العمل بأقصى طاقتها، وأتاح لها فرض أسعار مرتفعة. وتضاعفت هوامش أرباح التكرير على ساحل الخليج الأميركي أكثر من 3 مرات خلال العام الجاري، لتصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق عند 72 دولاراً للبرميل في سبتمبر الماضي. وسجلت هوامش التكرير مكاسب مماثلة في أوروبا وآسيا، مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات.

طفرة أرباح قطاع تكرير النفط

يمثل ذلك نوعاً من النهضة لقطاع التكرير، الذي حذر كثيرون من أنه يسير نحو تراجع لا يمكن وقفه مع انتشار السيارات الكهربائية والهجينة والعمل عن بُعد. وتعد شركات "ماراثون بتروليوم" (Marathon Petroleum) و"فاليرو إنرجي" (Valero Energy) و"فيليبس 66" (Phillips 66)، التي انفصلت جميعها عن شركاتها الأم قبل أكثر من عقد، من بين أفضل 20 شركة أداءً على مؤشر "إس آند بي 500" خلال العام الجاري، بعدما ارتفعت أسهمها بأكثر من 100% منذ يناير.

قال جيف ويل، كبير المحللين لدى "نيوبرغر بيرمان" (Neuberger Berman)، التي تدير أصولاً تبلغ قيمتها نحو 600 مليار دولار، إن الصراعات الجيوسياسية خلال العام الجاري "تبرز مدى الأهمية الحقيقية لهذه الشركات". وأضاف: "لم نستثمر كثيراً في إنتاج المنتجات النفطية المكررة، رغم أنها شريان الحياة للاقتصاد. ومن المؤكد أن السوق أدركت هذه الحقيقة الآن".

من المتوقع أن تحقق "إكسون موبيل هولدينغز" أرباحاً من نشاط التكرير خلال الربع الأخير تفوق ما تحققه من عملياتها الضخمة لإنتاج النفط والغاز الطبيعي، رغم ارتفاع أسعار النفط 42%، بمتوسط بلغ 91 دولاراً للبرميل خلال الفترة. وإذا صحت توقعات المحللين، فستكون هذه المرة الأولى منذ عام 2017 التي تتفوق فيها أرباح التكرير لدى "إكسون موبيل" على أرباح الإنتاج. ومن المرجح أن تكون هوامش التكرير لدى "شل" قد بلغت مستوى قياسياً في الربع الثالث.

اضطرابات إمدادات الوقود العالمية

توقفت سعة تكريرية تعادل نحو 10% من إجمالي السعة العالمية خلال العام الجاري، وسط الصراعات في الشرق الأوسط، والهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، وقيود التصدير التي فرضتها بكين وموسكو. لكن نقص الإمدادات بدأ يتشكل منذ فترة طويلة.

تراجع التكرير الغربي يصطدم بحرب إيران ولا حلّ سهلاً لأزمة الوقود.

Sun, 04 2026

أُغلقت عشرات المصافي في أميركا الشمالية وأوروبا خلال العقد الماضي، بينما أعادت شركات تهيئة مصافٍ أخرى لإنتاج الوقود الحيوي. ولم تبنِ الولايات المتحدة الأميركية مصفاة نفط جديدة منذ عام 1977، وأُغلقت فيها مصفاتان كبيرتان خلال العام الماضي وحده. وتوقف بناء مصافٍ جديدة في أوروبا أيضاً، مع تزايد عمليات الإغلاق. وعلى مستوى العالم، انخفض الاستثمار في سعة التكرير بأكثر من النصف منذ عام 2015، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

قال ماركوس ماكغريغور، المدير الإداري لأبحاث السلع الأولية لدى "كونينغ" (Conning)، التي تدير أصولاً تبلغ قيمتها نحو 191 مليار دولار: "يمكنك التخلص من جانب العرض بوتيرة أسرع من قدرتك على تقليص جانب الطلب. تستفيد شركات التكرير بالتأكيد من هذه الديناميكيات في الوقت الحالي".

إعادة هيكلة قطاع تكرير النفط

شهد القطاع تحولاً هيكلياً في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، عندما كانت أسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل، إذ فصلت عدة شركات نفط كبرى أنشطة التكرير التابعة لها أو قلصتها للتركيز على أعمالها الأساسية في استخراج النفط والغاز. وفصلت "ماراثون أويل" قسم التكرير التابع لها لتأسيس "ماراثون بتروليوم" في عام 2011، ثم فصلت "كونوكو فيليبس" (ConocoPhillips) شركة "فيليبس 66" بعد عام. كما تخلت شركتا "ميرفي أويل" (Murphy Oil) و"هيس" (Hess) عن أقسام التكرير التابعة لهما.

Wed, 21 2026

باعت شركات "إكسون موبيل" و"شل" و"بي بي" و"توتال إنرجيز" عشرات المصافي أو حولتها إلى استخدامات أخرى خلال العقدين الماضيين، للتركيز على أكبر مجمعات التكرير التابعة لها وأكثرها تطوراً، والتي تحقق هوامش ربح أعلى. واستفادت "شل" و"بي بي" من عمليات التكرير التي احتفظتا بها لمنح وحدات التداول الداخلية الضخمة ميزة تنافسية، إذ تستخدمان هذه المنشآت لتعزيز الأرباح بطرق تتجاوز مجرد تحويل الخام إلى وقود.

قال ألين غود، المحلل لدى "مورنينغ ستار" (Morningstar): "حتى المصفاة التي لا تتمتع بجودة عالية ضمن محفظة أصول شركة نفط متكاملة، يمكن للمتداول تحقيق أرباح منها بطرق متعددة، بحسب السعر المدفوع مقابل الاستحواذ عليها".

نمو الطلب العالمي على الوقود

ورغم وجود بعض مجالات النمو، مثل توسعة "إكسون موبيل" لمصفاتها في بومونت بولاية تكساس، وبناء منشآت جديدة في الصين والشرق الأوسط، فإن ذلك لم يكن كافياً لمواكبة الطلب. وارتفع الاستهلاك العالمي للوقود السائل بمقدار 4 ملايين برميل يومياً بين عامي 2019 و2025، في حين زادت السعة الإنتاجية لهذا الوقود بمقدار 2.3 مليون برميل يومياً فقط، وفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس.

Thu, 29 2026

وأدى ذلك إلى افتقار شبكة التكرير العالمية إلى القدرة الكافية على التعامل مع الدمار والاضطرابات الناجمة عن الصراعين بين الولايات المتحدة وإيران، وبين روسيا وأوكرانيا. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة الأميركية 83% خلال العام الجاري، وزادت أسعار البنزين 50%، ما أدى إلى ارتفاع التضخم العالمي وزيادة الضغوط على الحكومات القائمة في أنحاء العالم، بما فيها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في 3 نوفمبر.

أوضح ويل: "أرى أن هذه الشركات وهذه الأصول يُفترض أن تحافظ على تقييمات مرتفعة مقارنة بمستوياتها السابقة، إلى أن نستثمر بما يكفي لتلبية الطلب، وقد يستغرق ذلك سنوات".

وما يشكل عبئاً على المستهلكين يثبت أنه مصدر أرباح لشركات النفط الكبرى التي واصلت نشاطها في التكرير.

أرباح قياسية لشركات النفط الكبرى

يتوقع المحللون أن تحقق شركات "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"شل" و"توتال إنرجيز" و"بي بي" أرباحاً مجمعة تبلغ نحو 50 مليار دولار، عندما تعلن نتائج أعمالها للربع الثالث خلال الأيام المقبلة. وستكون هذه ثالث أعلى أرباح فصلية في تاريخ هذه الشركات، ولم تتجاوزها سوى الأرباح المسجلة في عام 2022، عندما ارتفعت أسعار السلع الأولية أيضاً عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وفقاً لبيانات جمعتها "بلومبرغ".

لكن هذه المكاسب الاستثنائية لا تتوزع بالتساوي. فقد ضغطت أجرة شحن ناقلات النفط القياسية وارتفاع أسعار الخام على هوامش التكرير في أوروبا وآسيا، في حين عززت الخصومات على المواد الخام المستخدمة في التكرير الهوامش في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية جديدة، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

Wed, 28 2026

قال غود، المحلل لدى "مورنينغ ستار": "إذا كنت تمتلك مصفاة على ساحل الخليج الأميركي، فأنت تجني الأموال بغزارة". وأضاف أن شركات التكرير في أوروبا وآسيا ما زالت تحقق أداءً جيداً، لكن ارتفاع تكاليف النفط والشحن يعني أن أرباحها الفعلية أقل مما توحي به هوامش أرباح التكرير القياسية، وقد يشهد الربع الرابع انخفاض نسبي في أرباح معالجة الوقود.

أزمة تكرير النفط قد تستمر بعد فتح هرمز

رغم ذلك، قد تستمر أزمة نقص سعة التكرير حتى بعد انتهاء الصراع نفسه. وقالت كيم فوستييه، المحللة لدى "إتش إس بي سي" (HSBC)، إنه حتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز غداً، فمن المرجح أن تنخفض أسعار الخام سريعاً، كما حدث خلال وقف إطلاق النار في الصيف، لكن إعادة بناء سعة إنتاج الوقود المفقودة ستستغرق وقتاً أطول بكثير.

وأضافت: "الجانب الوحيد الذي يصعب إيجاد حل له بدرجة أكبر بكثير هو التكرير".

Wed, 21 2026

لكن ذلك لا يعني أن شركات النفط الكبرى ستسارع إلى بناء منشآت جديدة إنما رجحت فوستييه أن هذه الشركات "ستجمد أي إجراءات تتعلق بمزيد من عمليات التخارج من الأصول أو إغلاق المصافي أو تحويلها إلى استخدامات أخرى. هذا هو المسار الأسهل".

توقعات هوامش أرباح التكرير حتى 2027

يتوقع ماكغريغور استمرار ارتفاع هوامش أرباح التكرير حتى منتصف عام 2027 أو أواخره، قبل أن تعود في نهاية المطاف إلى مستويات أكثر اعتيادية مع زيادة أحجام الشحن عبر مضيق هرمز. وبناءً على ذلك، ينبغي للمديرين التنفيذيين ألا يندفعوا كثيراً وراء الأرباح الاستثنائية.

"غولدمان ساكس": حرب إيران ترفع تكاليف شحن النفط 7 أضعاف.. تفاصيل أكثر هنا

اختتم: "ربما يكون أفضل ما يمكن فعله هو الاحتفاظ بالموارد المالية المتاحة وعدم التسرع في استخدامها. نحن لا نفضل فرق الإدارة التي تتخذ قرارات متسرعة استجابة لهذه القفزات السعرية، لأن التاريخ يعلمنا أنها تكون أحياناً قصيرة الأجل للغاية".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية