الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

يدخل قطاع التجزئة الغذائي في السعودية مرحلة جديدة، لم يعد فيها حجم المتجر هو العامل الحاسم في المنافسة، بل أصبحت الكفاءة التشغيلية وسرعة الوصول إلى المستهلك أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل تغيرات متسارعة في سلوك التسوق ونمو القنوات الرقمية.

في مقابلة مع "الاقتصادية"، قال الرئيس التنفيذي لأسواق العثيم موفق بن عبدالله مباره: إن شركات التجزئة تتجه إلى إعادة تصميم متاجرها بمساحات أصغر وأكثر كفاءة، بالتزامن مع تغير نمط إنفاق المستهلكين، الذين باتوا يزورون المتاجر بوتيرة أعلى، لكن بمشتريات أقل في كل زيارة.

هذه التحولات، تأتي في وقت يواجه القطاع ضغوطا واضحة، إذ تشير بيانات "نيلسن" التي استعرضتها الشركة إلى تراجع سوق السلع الاستهلاكية سريعة الدوران في السعودية بنسبة 4.39% خلال الربع الأول من العام على أساس سنوي، وسط اشتداد المنافسة والعروض الترويجية، وتسارع التحول نحو التجارة الإلكترونية.

أحد فروع أسواق العثيم
أحد فروع أسواق العثيم
عثيم

المتاجر أصبحت أصغر... والكفاءة هي الهدف

بحسب مباره، كانت مساحات الهايبر ماركت في السابق تصل إلى نحو 10 آلاف متر مربع، بينما تتجه الشركات اليوم إلى مساحات أصغر، في حين انخفضت مساحة السوبر ماركت النموذجي من نحو 4 آلاف متر مربع إلى ما بين 1500 و2000 متر مربع.

يرى مباره أن تقليص المساحات لا يعكس تراجعا في القطاع، بل يمثّل محاولة لرفع الكفاءة التشغيلية عبر خفض تكاليف الإيجارات والعمالة وتقليل حجم المخزون، وهي عناصر أصبحت أكثر أهمية مع اشتداد المنافسة وضغوط الربحية.

أضاف أن المتاجر الصغيرة جدا، مثل الفروع التي تبلغ مساحتها نحو 500 متر مربع، تحقق وفورات واضحة في التكاليف، إلا أنها تواجه في المقابل ارتفاعا في المصاريف اللوجستية كنسبة من المبيعات، ما يجعل لكل نموذج مزاياه وتحدياته.

تدير أسواق العثيم حاليا 476 فرعا في السعودية ومصر، منها 416 فروع تجزئة وجملة في السعودية، ما يجعلها من أكبر شبكات التجزئة الغذائية في السوق المحلية.

المستهلك يزور أكثر... لكن سلّة المشتريات تتقلص

يرى الرئيس التنفيذي أن التغير الأبرز لا يكمن في عدد المتسوقين، بل في طريقة تسوقهم، موضحا أن متوسط قيمة سلة المشتريات لدى أسواق العثيم وشركات التجزئة المماثلة يبلغ حاليا نحو 100 ريال.

هذا المتوسط انخفض خلال السنوات الثلاث الماضية من مستويات أعلى، نتيجة زيادة عدد زيارات العملاء للمتاجر مقابل انخفاض قيمة المشتريات في كل زيارة.

موفق بن عبدالله مباره، الرئيس التنفيذي لأسواق العثيم
موفق بن عبدالله مباره، الرئيس التنفيذي لأسواق العثيم
مباره

يعكس هذا التحوّل تغيرا في سلوك المستهلك السعودي، مع تفضيل التسوق المتكرر بدلا من شراء احتياجات الأسبوع أو الشهر دفعة واحدة، وهو ما يتوافق مع ما تشير إليه الشركة في إستراتيجيّتها من تحوّل الزيارات التقليدية إلى عمليات شراء أصغر وأكثر تكرارا، مدفوعة بالتجارة الإلكترونية والقنوات الرقمية.

أحد فروع أسواق العثيم
أحد فروع أسواق العثيم
عثيم 2

المنافسة لم تعد بين الهايبرماركت فقط

بحسب مباره، فإن المنافسة التي تواجه شركات التجزئة لم تعد تقتصر على افتتاح فروع جديدة من المنافسين، بل امتدت إلى تغير أولويات الإنفاق لدى المستهلكين.

أوضح أن التوسع في تناول الطعام خارج المنزل، والاعتماد المتزايد على تطبيقات توصيل المطاعم، أصبحا يؤثران في نمو مبيعات السلع الاستهلاكية، متوقعا أن يسجل القطاع نموا منخفضا.

يعني ذلك أن شركات التجزئة أصبحت تتنافس ليس فقط مع بعضها البعض، وإنما أيضا مع المطاعم والمنصات الرقمية على حصة أكبر من إنفاق الأسر.

التسوق الإلكتروني لم يعد خدمة إضافية

أكد الرئيس التنفيذي أن التجربة الرقمية أصبحت جزءا أساسيا من أعمال الشركة، من خلال إستراتيجية قنوات التواصل الموحدة (Omni-Channel Experience) التي تربط بين الفروع التقليدية والتطبيقات الرقمية ومنصات البيع الإلكترونية.

هذا التوجه لا يرتبط بحجم المتجر، وإنما يشمل جميع قنوات البيع، بحسب مباره.

أضاف أن تبني المستهلكين للحلول الرقمية، وظهور شريحة واسعة من المستخدمين الذين يتبنون التقنيات الجديدة مبكرا، يؤكد أن التحول نحو التسوق الإلكتروني يمثل تغيرا هيكليا طويل الأجل، وليس مجرد تغير مؤقت في السلوك الاستهلاكي.

نتائج الربع الأول تُبرز ضغوط السوق

تراجعت مبيعات أسواق العثيم خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 5.8% إلى 2.79 مليار ريال، بينما انخفض صافي الربح العائد إلى المساهمين بنسبة 29.7% إلى 53.7 مليون ريال.

أرجعت الشركة هذا الأداء إلى تأثير تطبيق نظام جديد لتخطيط موارد المنشأة (ERP)، الذي انعكس مؤقتا على العمليات اللوجستية وتوافر المنتجات، إلى جانب التراجع الذي يشهده سوق التجزئة الغذائية بشكل عام، مؤكدة أن المرحلة الأولى من استقرار النظام اكتملت في نهاية الربع الأول.

بالنسبة لأسواق العثيم، فإن مستقبل المنافسة لن يعتمد على افتتاح متاجر أكبر، بل على تحقيق أفضل توازن بين الكفاءة التشغيلية، والانتشار الجغرافي، والتكامل بين الفروع والمنصات الرقمية، في سوق تتغير فيه عادات المستهلك بوتيرة أسرع من أي وقت مضى من قبل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية