في اقتصاد كرة القدم الحديثة، لم تعد الأندية تبيع المباريات فقط، بل تبيع الانتباه العالمي المصاحب لها. فكل لقطة تلفزيونية، أو صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو احتفال بهدف، يتحول إلى مساحة تجارية قابلة للتسعير، وفقا لمنصة "Finance Football".
وبحسب المنصة المتخصصة في تحليل الشؤون المالية والاقتصادية لكرة القدم، كان قطاع المراهنات خلال العقد الأخير من أكثر القطاعات استعدادا للدفع مقابل هذا الانتباه، واضعًا شعاراته في أبرز نقطة بصرية على القميص، ألا وهي الصدر.
لكن مع اقتراب نهاية موسم 2025/26، يدخل هذا النموذج مرحلة جديدة بعد اتفاق أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على إزالة رعاية المراهنات من مقدمة القمصان.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره تراجعا كبير، إلا أنه من الناحية المالية أقرب إلى إعادة توزيع للأصول منه إلى انسحاب للأموال.
صدر القميص أصل حساس ماليا
صدر القميص هو أكثر أصول الرعاية وضوحا وتأثيرا، لأنه يجمع بين الظهور التلفزيوني المتكرر، والانتشار العالمي عبر الصور ووسائل التواصل، ورسالة تسويقية واحدة يسهل تذكرها.
بالنسبة للأندية المتوسطة والصغيرة، كانت شركات المراهنات شريكا مثاليا، حيث تدفع مبالغ مرتفعة مقابل هذا الأصل دون منافسة شرسة من العلامات التجارية العالمية التي تميل إلى أندية القمة.
يأتي الحظر في وقت تتسع فيه الفجوة المالية؛ إذ تشير تقارير “موني ليج” الصادرة عن Deloitte إلى أن أعلى 20 ناديًا عالميًا حققوا 12.4 مليار يورو في موسم 2024/25، وهو رقم قياسي يعزز تركّز الإيرادات لدى النخبة.
المال لا يختفي.. بل ينتقل
أول مسار واضح هو انتقال الإعلانات إلى الأكمام وأطقم التدريب، واللوحات الرقمية حول الملاعب، والحزم التي تجمع بين الحقوق الميدانية والرقمية، والصفقات الإقليمية، مثل “الشريك الرسمي في آسيا”.
هذه آلية سوقيّة معتادة: عندما يُزال الأصل الأعلى قيمة، يُعاد تجميع الأصول الأخرى لتعويضه وخلق قيمة جديدة.
التحوّل نحو الرعاية القابلة للقياس
النمو الحقيقي لم يعد في القماش، بل في الشاشات.
شركات المراهنات تعمل بنموذج قائم على الأداء: نقرة → تسجيل → إيداع → احتفاظ.
الشعار يعزز الوعي، لكن الإدارة المالية تبحث عن عائد قابل للقياس.
لذلك تتجه الميزانيات نحو: تطبيقات الأندية والإشعارات الفورية، محتوى احتمالات الفوز والتحليلات، لوحات LED المجزأة زمنيا، التعاون مع منصات الإعلام المملوكة للأندية.
النموذج يتحول من “راعٍ واحد – مساحة واحدة” إلى منظومة مخزون إعلاني متعدد ومتجدد.
الامتثال كمخاطرة مالية
تحذيرات UK Gambling Commission بشأن الترويج لمواقع غير مرخصة في بريطانيا أضافت بُعدًا تنظيميًا مكلفًا.
أصبحت الرعاية تتطلب تدقيقًا قانونيًا أكبر، وإدارة مخاطر سمعة، وأحيانًا إنهاء مبكرًا للعقود.
لذلك قد تشهد المرحلة المقبلة تفضيلًا لشركاء أكثر شفافية واستقرارًا.
فالحظر ليس صدمة أخلاقية بقدر ما هو صدمة سعرية في سوق الرعاية، والنتيجة المتوقعة هي إعادة توزيع الإيرادات نحو الأصول الثانوية والرقمية، وتفاوت التأثير بين الأندية حسب اعتمادها السابق، وتسارع التحول نحو الرعاية القائمة على البيانات.
فعندما يُزال أصل عالي القيمة من السوق، لا يتوقف التمويل، بل يعيد ابتكار نفسه بأدوات جديد، وأحيانًا بهوامش ربح مختلفة.



