يُتوقع أن يكون كأس العالم 2026 الأكبر في تاريخ اللعبة، ليس فقط من حيث عدد المنتخبات والمباريات، بل أيضاً من حيث العوائد التجارية.
ويتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" أن تبلغ إيرادات الدورة التجارية الممتدة بين عامي 2023 و2026 نحو 13 مليار دولار، بزيادة 72% مقارنة بالدورة السابقة، وبما يقارب ضعف الإيرادات المسجلة في دورة 2019-2022 التي اختُتمت بمونديال قطر.
ويعكس هذا النمو توسع البطولة إلى 48 منتخباً، وزيادة عدد المباريات، وتعاظم أهمية السوق الأمريكية، إضافة إلى إدراج بطولة كأس العالم للأندية ضمن المنظومة التجارية لـ "فيفا".
البث والرعاية يقودان الإيرادات
لا تزال حقوق البث التلفزيوني تمثل المصدر الأكبر لإيرادات كأس العالم، مع توقعات بتجاوزها حاجز 5 مليارات دولار خلال الدورة الحالية.
وتأتي بعدها إيرادات التذاكر والضيافة التي يُنتظر أن تتجاوز 3 مليارات دولار، فيما تشكل عقود التسويق والرعاية مصدراً رئيسياً آخر بمليارات الدولارات.
وبذلك يصل الاقتصاد المرتبط بكأس العالم إلى مستويات غير مسبوقة، ما يعزز مكانة البطولة باعتبارها أحد أكبر الأحداث التجارية والرياضية في العالم.
أديداس ونايكي .. بلا مكاسب مضمونة
وبحسب موقع Calcio e Finanza، في قلب هذا المشهد تقف شركتا أديداس ونايكي باعتبارهما أبرز علامتين تجاريتين في قطاع الملابس الرياضية المرتبط بكرة القدم. فـ"أديداس" تنتج الكرة الرسمية للبطولة منذ عام 1970 وترعى عدداً من أبرز المنتخبات الوطنية، بينما تواصل "نايكي" تعزيز حضورها عبر شبكة واسعة من المنتخبات والنجوم العالميين.
ورغم هذا الارتباط الوثيق بأكبر حدث كروي في العالم، فإن البيانات التاريخية تشير إلى أن الزخم الجماهيري والإعلامي لا يتحول بالضرورة إلى مكاسب مباشرة للمساهمين.
أداء الأسهم لا يواكب الضجيج
عند مراجعة النسخ الست الأخيرة من كأس العالم بين عامي 2002 و2022، لا يظهر أي نمط ثابت يربط بين إقامة البطولة وتحسن أداء أسهم الشركتين.
فقد أنهى سهم أديداس شهر البطولة على تراجع في خمس نسخ من أصل ست، بمتوسط أداء بلغ سالب 3.95% ووسيط بلغ سالب 4.7%.
أما سهم نايكي فسجل أداءً أكثر توازناً بمتوسط نمو بلغ 0.56%، لكنه افتقر بدوره إلى اتجاه واضح أو نمط متكرر يمكن البناء عليه.
وتشير البيانات أيضاً إلى أن فترتي ما قبل البطولة وما بعدها لم تقدما دليلاً قوياً على استفادة الشركتين بصورة منتظمة من الحدث العالمي.
الفوز بالكأس لا يضمن عائدا
يُعد الاعتقاد بأن الشركة الراعية للمنتخب الفائز تحقق مكاسب مالية مباشرة من أكثر الأفكار شيوعاً في أوساط المستثمرين، إلا أن الأرقام لا تدعم هذه الفرضية.
رافقت أديداس منتخبات إسبانيا وألمانيا والأرجنتين إلى ألقاب كأس العالم في أعوام 2010 و2014 و2022، لكن أداء سهمها بعد تلك البطولات جاء متفاوتاً بين ارتفاعات قوية وتراجعات حادة.
كما رافقت نايكي البرازيل إلى لقب 2002 وفرنسا إلى لقب 2018، دون أن ينعكس ذلك في نمط استثماري واضح أو مستدام.
وتشير هذه النتائج إلى أن التتويج باللقب العالمي لا يُترجم تلقائياً إلى قيمة إضافية للمساهمين.
الاستراتيجية هي العامل الحاسم
إذا لم يكن كأس العالم هو المحرك الرئيسي لأداء الأسهم، فإن التركيز ينتقل إلى ما يحدث داخل الشركات بين دورة وأخرى.
بالنسبة لأديداس، شكلت عودة الرئيس التنفيذي بيورن جولدين في عام 2023 نقطة تحول مهمة. فقد قاد عملية إعادة هيكلة شاملة للأعمال، شملت تطوير محفظة المنتجات وتعزيز الحضور في الأسواق الرئيسية، ما أعاد الزخم إلى العلامة التجارية.
وخلال الربع الأول من عام 2026، سجلت الشركة نمواً في الإيرادات بنسبة 14% بأسعار صرف محايدة، مع هامش ربح تشغيلي بلغ 10.7% وأرباح تشغيلية قاربت 705 ملايين يورو.
نايكي تواجه تحديات إعادة التوازن
على الجانب الآخر، لا تزال نايكي في مرحلة إعادة ترتيب أعمالها بعد سنوات من التركيز المكثف على نموذج البيع المباشر للمستهلك وتقليص قنوات البيع بالجملة.
ورغم عودة إليوت هيل إلى قيادة الشركة في عام 2024، فإن عملية التعافي ما زالت مستمرة. وخلال الربع الثالث من السنة المالية 2026، تراجعت الإيرادات بنسبة 3% بأسعار صرف محايدة، بينما انخفض هامش الربح الإجمالي إلى 40.2%.
ويعكس ذلك اختلاف المسارين التشغيليين للشركتين أكثر مما يعكس تأثير كأس العالم نفسه.
الدرس الاستثماري من أكبر بطولة رياضية
تكشف تجربة أديداس ونايكي أن كأس العالم، رغم قدرته على جذب مليارات المشاهدين وتوليد مليارات الدولارات من الإيرادات، لا يشكل بالضرورة محفزاً مباشراً لأسعار الأسهم.
فالانتباه العالمي الذي توفره البطولة يمكن أن يعزز مساراً استراتيجياً ناجحاً بالفعل، لكنه نادراً ما يصنع هذا المسار من الصفر. وبينما تتنافس العلامات التجارية على أكبر منصة كروية في العالم، يبقى الأداء التشغيلي والاستراتيجية طويلة الأجل العاملين الأكثر تأثيراً في تقييم المستثمرين.

