دخلت سوق الألمنيوم العالمية مرحلة جديدة من الاضطراب بعد استهداف إيران منشآت إنتاج رئيسية في دول الخليج العربي، التي تمثل، وفقاً لـ"وود ماكنزي"، نحو 23% من الإنتاج العالمي للمعدن خارج الصين، فأصبح إنتاج الخليج البالغ 3.5 مليون طن من الألمنيوم معرضاً للخطر بسبب حرب إيران، وهو ما قد يطلق أزمة إمدادات عالمية.
جاء ذلك مع توقف عمليات مصنع "الطويلة" التابع لشركة "الإمارات العالمية للألمنيوم" في أبوظبي، ومصهر شركة "ألمنيوم البحرين" (ألبا)، وهو الأكبر من نوعه خارج الصين. وفي أقل من خمسة أسابيع، تفاقمت الأزمة لتنذر بتعميق اضطرابات المعروض العالمي في وقت يشهد فيه المعدن طلباً متزايداً من قطاعات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، ومراكز البيانات.
تعرض موقع "الطويلة" التابع لشركة "الإمارات العالمية للألمنيوم" لأضرار جراء القصف الإيراني، وأُخلي بالكامل ودخل في "إيقاف طارئ"، حيث أوضحت الشركة في بيان لها أن استعادة الإنتاج الكامل قد تمتد حتى 12 شهراً؛ لأنها تتطلب إصلاح البنية التحتية وإعادة تشغيل خلايا الاختزال تدريجياً.
وفي البحرين، أوقفت "ألمنيوم البحرين" (ألبا) خطوط الاختزال 1 و2 و3 في مصنعها والتي تمثل 19% من طاقتها الإنتاجية، وعزت ذلك إلى اضطرابات الإمداد والعبور عبر مضيق هرمز، بينما أوضحت إفصاحات الشركة أن إعلان "القوة القاهرة" ارتبط بتعطل الشحن والتسليم لا بتوقف المصهر بالكامل. أما شركة "قطر لصناعة الألمنيوم"، فقد بدأت إيقافاً بعد إخطار من "قطر للطاقة" بقرب تعليق إمدادات الغاز، قبل أن تستقر لاحقاً عند نحو 60% من الطاقة بعد تأكيد استمرار الإمدادات بمستويات مخفضة.
يعود سبب عدم الاكتفاء بـ"التأجيل" إلى طبيعة صناعة الألمنيوم نفسها، إذ تعتمد المصاهر على تشغيل متواصل وعلى تدفق ثابت للطاقة والمواد الأولية، ولا تملك عادة سوى مخزونات من الألومينا تكفي نحو ثلاثة إلى أربعة أسابيع، بينما تمر كميات كبيرة من البوكسيت والألومينا عبر مضيق هرمز لتغذية هذه المصاهر، وفق تقديرات "آي إن جي إيكونوميكس" (ING Economics). لذلك، عندما تتضرر البنية التشغيلية كما حدث في "الطويلة"، أو تتعطل الشحنات كما في البحرين، أو يتعرض الوقود الأساسي للتقليص كما في قطر، يصبح الخفض أو الإيقاف المنظم إجراءً ضرورياً لحماية ما تبقى من القدرة التشغيلية، وليس مجرد قرار يمكن ترحيله إلى وقت لاحق.
ما الصناعات العالمية التي ستتضرر من شح ألمنيوم الخليج؟
تواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للألمنيوم ضغوطاً متزايدة بفعل الأزمة، وفي مقدمتها قطاع السيارات، ولا سيما السيارات الكهربائية، والتي تتمثل في مزيج من ارتفاع تكاليف المدخلات وزيادة الطلب المرتبط باضطرابات الطاقة. انعكس ذلك في تحذيرات من شركات مثل "فورد" و"بوينغ" بشأن قفزة تكاليف المواد الخام واحتمال تأخر الإنتاج، بينما لجأت مصانع مكونات السيارات إلى تعزيز المشتريات الآجلة، والبحث عن بدائل في ظل تراجع المخزونات. يمتد الضغط أيضاً إلى قطاع الفضاء، الذي يواجه صعوبة أكبر بسبب محدودية البدائل المعتمدة تقنياً لسبائك الألمنيوم.
تتسع التداعيات إلى قطاعات التعبئة والتغليف والبناء والطاقة المتجددة. فقد حذّرت "صن كيميكال" (Sun Chemical) من زيادات واسعة في تكاليف المواد الخام والطاقة والخدمات اللوجستية في قطاع التغليف. ويعاني قطاع البناء من تأخيرات في تسليم المواد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، في حين تواجه صناعة الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح مفارقة ضاغطة، إذ يدعم ارتفاع أسعار الطاقة الطلب على هذه التقنيات، لكنه في الوقت نفسه يقلّص هوامش أرباح المنتجين بسبب ارتفاع كلفة الألمنيوم.
ذكرت "أوتوموتيف مانوفاكتشرينغ سوليوشنز" أنه مع استبعاد الألمنيوم الروسي، الذي لا يزال إلى حد كبير بعيداً عن متناول المشترين الغربيين، تتضح الأهمية الاستراتيجية للخليج بالنسبة إلى الشركات المصنّعة في أوروبا وأميركا الشمالية واليابان. بالنسبة إلى المنتجين الأميركيين وحدهم، يأتي نحو 20% من واردات الألمنيوم من الخليج.
كيف أثرت حرب إيران على أسعار الألمنيوم؟
منذ بدء حرب إيران شهدت أسعار الألمنيوم ارتفاعاً ملحوظاً، بعدما أدت الحرب إلى كبح الإمدادات من المنطقة. وفي 12 مارس الماضي وصلت أسعار المعدن إلى أعلى مستوى منذ نحو أربع سنوات في بورصة لندن للمعادن، مع توقعات بحدوث اضطرابات أعمق في الإمدادات من المنتجين في المنطقة.

وفي الثامن من أبريل الجاري عاود المعدن قفزاته الكبيرة، حيث ارتفع سعره إلى 3478 دولاراً للطن. وعلى مدار الشهر الماضي، ارتفع سعر الألمنيوم بنسبة 2.76% تقريباً.
ويتوقع محللون تحدثوا إلى "رويترز" استمرار ارتفاع أسعار المعدن على المدى القصير على الأقل وسط هدنة الحرب الهشة، واستمرار التوترات العسكرية في المنطقة، التي تهدد منشآت إنتاج المعدن وتمنع وصول شحناته للخارج وسط إغلاق مضيق هرمز.
كيف أدت صدمة الإمدادات من الخليج إلى إعادة رسم خريطة المورّدين؟
بمجرد أن أُقفل مضيق هرمز أمام الشحن، سارعت المستودعات الأوروبية والأمريكية إلى تحويل طلباتها. فقد ارتفعت الأوامر بشأن معادن مستودعات LME الموجودة في ماليزيا إلى أعلى مستوياتها منذ سبتمبر، فيما قفز العائد التصديري للصفائح الألمنيومية الصينية بنسبة 43% شهرياً ليصل إلى 590 دولاراً للطن بحلول 26 مارس. وتوقعت "فاست ماركتس" (Fastmarkets) ارتفاع صادرات الصين من الألمنيوم بنسبة 12% و18% عن التوقعات السابقة. في المقابل، تستفيد شركات مثل "ريو تينتو"، التي تعمل بطاقة كهرومائية في أستراليا وكندا- من تدفق طلبيات جديدة نحو مصاهرها.
أزمة الإمدادات كشفت عن قيمة متزايدة للألمنيوم المنتَج بطاقة متجددة. بموجب آلية ضبط الحدود القصوى للكربون (CBAM) التي دخلت مرحلتها النهائية في الأول من يناير 2026، بات المعدن النرويجي والكندي المنتَج بالطاقة الكهرومائية يحظى بأسعار أعلى في السوق الأوروبية مقارنةً بنظيره المنتَج بالطاقة الحرارية، حتى أن المنتجين النرويجيين والكنديين يستفيدون من هذا التحول الهيكلي نحو الطاقة الخضراء.
غير أن التحول إلى موردين جدد ليس سلساً؛ فالطاقة البديلة في أستراليا والنرويج وكندا محدودة، إذ يصل مجموع إنتاجها إلى نحو 4.5 مليون طن دون توسعات كبرى مخططة. أما الحل الصيني فيعني رسوخاً أعمق للصين في سلاسل الإمداد الغربية، وهو ما ينعكس على التوترات التجارية القائمة وتداعيات قانون الطاقة النظيفة الأميركي. كذلك يواجه أي تحول في التوريد تكاليف شحن إضافية تتراوح بين 300 و600 دولار للطن عبر مسارات بديلة. ولا تزال الصين تهيمن على إنتاج الألمنيوم عالمياً، إذ استحوذت على أكثر من 60% من الإنتاج العالمي في 2025 بكمية تقارب 45 مليون طن، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

من يستفيد من ارتفاع أسعار الألمنيوم إذا توقف الخليج عن التصدير؟
تشير تقديرات محللي "ماكواري" إلى أن خسائر الإنتاج الحالية ستبلغ 800-900 ألف طن خلال 2026، مما يدفع السوق العالمية نحو عجز سنوي كامل. ذكرت صحيفة "إنرجي نيوز" أن تعطل جزء من المعروض الخليجي أدى إلى ارتفاع الأسعار العالمية وتحسن هوامش الربح للمصدرين الصينيين. جاء ذلك في وقت يعاني فيه الطلب المحلي في الصين من الضعف، لا سيما في قطاع العقارات، ما دفع مزيداً من الكميات نحو التصدير، مستفيداً أيضاً من تراجع المخزونات في الأسواق الغربية وارتفاع الاستفسارات والطلبات من المشترين في الخارج.
وفقاً لصحيفة "كرونيكل جورنال"، برزت "ريو تينتو" (Rio Tinto) في أستراليا وكندا باعتبارها من أبرز المستفيدين بفضل طاقتها الكبيرة في صهر الألمنيوم المعتمد على الكهرباء المائية، إلى جانب القيمة الإضافية لمعدنها منخفض الانبعاثات عبر شراكتها في تقنية "إيليسيز" (ELYSIS)، كما زاد اهتمام المشترين بعمليات "ساوث 32" (South32) في جنوب أفريقيا وأستراليا بوصفها بديلاً غير خليجي. في المقابل، استفادت العمليات النرويجية لشركة "نورسك هيدرو" (Norsk Hydro).
ما هي تداعيات أزمة الطاقة على تكاليف إنتاج الألمنيوم وهيكل الصناعة؟
تُظهر بيانات رابطة الألمنيوم الأوروبية (European Aluminium) أن الكهرباء تمثل في المتوسط ما يصل إلى 40% من تكلفة إنتاج الألمنيوم الأولي في أوروبا، وأن طفرة أسعار الكهرباء منذ صيف 2021 – التي وصلت في بعض الحالات إلى نحو أربعة أضعاف مستويات ما قبل الأزمة – كانت كافية لمحو هوامش الربحية وإجبار ما يصل إلى نصف المصاهر الأوروبية على تقليص إنتاجها أو إيقافه. ومع تصاعد حرب إيران الحالية وتداعياتها على إمدادات الطاقة وأسعار الغاز والكهرباء، تخشى الصناعة من تكرار سيناريو شتاء 2021–2022 أو تفاقمه، بما يوسع فجوة التكاليف بين أوروبا والمناطق المنافسة ويهدد استدامة الإنتاج المحلي من الألمنيوم الأولي.
في هذا السياق، أرسلت الرابطة برسالة إلى قادة الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية في 19 مارس الماضي تحذر فيها من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يفرض ضغوطاً إضافية على سلسلة قيمة الألمنيوم الأوروبية من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل مسارات التجارة، بما في ذلك مضيق هرمز. وأشارت في الوثيقة إلى أن أوروبا فقدت بالفعل نحو 50% من طاقتها في الألمنيوم الأولي منذ بداية أزمة الطاقة، وأن الحرب الحالية تفاقم هذه الهشاشة.

