بكل المقاييس، يُفترض أن يكون توم هو متعثراً في سداد قرض مصرفي قيمته 730 ألف دولار حصل عليه لتمويل نشاطه في صناعة البلاستيك بالصين. فهو بالكاد يحقق إيرادات تكفي لتغطية النفقات، ولا يستطيع تحمل تكاليف الدين.
لكن بدلاً من المطالبة بسداد القرض، يسمح له مصرفه بتأجيل المدفوعات، ما يبقيه قادراً على الاستمرار، بينما يتجنب البنك تسجيل قرض آخر متأخر السداد في دفاتره.
اقرا أيضا: قنصل الصين لـ"الاقتصادية" : صادراتنا إلى السعودية ارتفعت 19% مطلع 2026
قال هو في مقابلة حديثة، مشيراً إلى أن شركات كثيرة أخرى تعاني أيضاً: "بصراحة، أشعر أن الاقتصاد يزداد سوءاً. لا أريد أن ينتهي بي الأمر على القائمة السوداء الائتمانية، كما أن البنوك لا تريد أيضاً أن ترى قروضها المتعثرة ترتفع".
تتكرر قصص مثل قصة هو في أنحاء الصين، بينما تواجه البنوك تراكماً متزايداً من الديون المتعثرة. من المستحيل قياس الحجم الحقيقي للمشكلة، رغم أن معظم الاقتصاديين يقولون إن نسبة القروض المتعثرة أعلى بكثير من المعدل الرسمي البالغ 1.5%. ويقدّر محلل في "أبسوليوت ستراتيجي ريسيرش" في لندن هذه النسبة بنحو 10%، ما يعني وجود قروض هائلة بقيمة 3 تريليونات دولار كان ينبغي تصنيفها على أنها متأخرة السداد لكنها لم تصنف كذلك. ويقول آخرون إن الرقم ربما يكون ضعف هذا المبلغ.
رغم أن هذا التساهل، الذي يحظى إلى حد كبير بموافقة الجهات التنظيمية في بكين، ساعد في الحفاظ على الاستقرار المالي خلال السنوات القليلة الماضية، فإنه يعني أيضاً أن النظام المصرفي يعيد تدوير رأس المال في شركات غير منتجة بدلاً من تحفيز النمو الحقيقي في الشركات التي يتسم وضعها بالمتانة. ويهدد ذلك بالتحول إلى عبء دائم على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في تحدٍّ للرئيس شي جين بينغ بينما يواجه ضغوطاً خارجية تشمل أزمة الطاقة العالمية وسياسات دونالد ترمب التجارية المتقلبة.
قال فيكتور شيه، الأستاذ المشارك في جامعة كاليفورنيا سان دييغو، الذي ألّف كتاباً عن التمويل في الصين: "لا توجد أزمة مالية، لكن لا يوجد غداء مجاني في الاقتصاد. الثمن هو النمو، وعدم الكفاءة، وانخفاض الإنتاجية".
يبدو الاستقرار الظاهري في معدل القروض المتعثرة الرسمي أكثر إثارة للدهشة؛ بالنظر إلى أن الاقتصاد شهد انهياراً كبيراً في قطاع العقارات، وسجل أبطأ نمو اسمي خارج فترة كوفيد منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي مارس، خفضت الصين مستهدف النمو لعام 2026 إلى ما بين 4.5% و5%، وهو أقل أهدافها طموحاً منذ عام 1991.
قد يهمك: الذهب يتماسك قرب 4720 دولارا رغم تصاعد رهانات رفع الفائدة
انتبهت الجهات التنظيمية إلى ذلك. فرغم ما يبدو من متانة في هوامش رأس المال واستقرار في نسب القروض المتعثرة، تحرك المسؤولون لتعزيز أكبر ستة بنوك في البلاد بأكثر من 100 مليار دولار من رؤوس الأموال الجديدة. لم ترد "الإدارة الوطنية للتنظيم المالي" على طلب للتعليق.
يتمثل السبب الرئيسي وراء الزيادة في القروض المتعثرة في جبل من الائتمان الممنوح لشركات لا تكفي أرباحها لتغطية مدفوعات الفائدة. وعجزت نحو 10% من الشركات غير المالية المدرجة عن تغطية مدفوعات الفائدة من أرباحها قبل الفوائد والضرائب على مدى ثلاث سنوات متتالية، وفقاً لـ"أبسوليوت ستراتيجي ريسيرش". ونتيجة لذلك، فإن نسبة القروض غير العاملة ربما تكون أقرب إلى 10% منها إلى 1.5%، بحسب آدم وولف، اقتصادي الأسواق الناشئة في الشركة.
قال وولف: "ترحيل المشكلة إلى المستقبل لا يفعل سوى إطالة أمد الألم". وأضاف أن ذلك يضغط على أرباح البنوك ويحد من الائتمان المتاح للشركات الأكثر إنتاجية، "ما سيقوض في نهاية المطاف نمو الناتج المحلي الإجمالي".
شركات الزومبي في الصين
وجدت دراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس أن هذه الشركات، التي تُعرف باسم "الشركات الزومبي"، استحوذت على 16% من أصول الشركات غير المالية في الصين في 2024، ارتفاعاً من 5% فقط في 2018. وأظهر التقرير أنه رغم أن قطاع العقارات يسجل أعلى معدل، فإن قطاعي التصنيع والخدمات يشهدان ارتفاعاً أيضاً.
حتى المسؤولون الصينيون لديهم تقديرات قاتمة. فقد استشهدت ورقة حديثة صادرة عن "معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية" بمقابلة مجهولة مع مسؤولين حكوميين من المستوى المتوسط قالوا إن تقديراتهم للنسبة الحقيقية للقروض غير العاملة تتراوح بين 15% و20%. كما يقدّر شيه، من جامعة كاليفورنيا، أن النسبة أقرب إلى 20%.
بافتراض أن نسبة القروض المعدومة تبلغ 10%، فإن ذلك يعادل نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وبالمقارنة، توقع بعض المحللين أن القروض غير العاملة بلغت نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي لليابان خلال أوائل العقد الأول من القرن الحالي.
ينبغي أن يكون هو، البالغ 48 عاماً، ضمن فئة القروض غير العاملة بوضوح، إذ يدير شركة مفرغة من قوتها في مقاطعة تشجيانغ الصناعية قرب شنغهاي. فقد دفعه مزيج ضعف الطلب المحلي وتقلب الصادرات إلى خفض قوته العاملة بنسبة 90%. ومنذ إعادة فتح الاقتصاد بعد الجائحة في أواخر 2022، ظل مصنعه للبلاستيك يتأرجح على حافة الإعسار، مولداً سيولة تكفي بالكاد لتغطية العمليات الأساسية.
قال هو، طالباً عدم ذكر اسم الجهة المقرضة خوفاً من التعرض لإجراءات انتقامية: "أتعامل مع الأمور حسب ما تفرضه الظروف، بلا خطط حقيقية. إذا طالب البنك بسداد القرض، فليس لدي حالياً أي وسيلة لسداد أصل الدين".
لطالما كانت النسبة الرسمية للقروض غير العاملة في الصين غامضة إلى حد ما. ففي أوقات الرواج والركود، نادراً ما ابتعدت كثيراً عن 1.5%، ويقول معظم الاقتصاديين إنها تقلل كثيراً من حجم الضغوط الحقيقية في النظام. ولا يشمل هذا الرقم سوى القروض المصنفة رسمياً على أنها "دون المستوى"، أو "مشكوك في تحصيلها"، أو "خسارة".
تساهل بنوك الصين
في الواقع، غالباً ما يكون التصنيف تقييماً ذاتياً، ولدى البنوك معايير داخلية مختلفة. وتظل كتلة أكبر بكثير من الائتمان المتعثر ضمن فئة "قيد المراقبة الخاصة" -وهي قروض ربما أصبحت بالفعل متأخرة السداد لكنها لم تُصنف بعد على أنها غير عاملة- أو ضمن فئة القروض "العادية"، بفضل الاستخدام المكثف للتساهل المعروف بسياسة الإمهال.
تنص القواعد القائمة على أنه عندما يتأخر سداد قرض لأكثر من 90 يوماً ولا يستطيع المقترض رد المبلغ بالكامل، ينبغي تصنيفه على أنه غير عامل.
يقدّر اقتصاديون، من بينهم وولف، أن نحو 40% من القروض إما مؤهلة للدخول في نوع من برامج الإمهال أو أصبحت بالفعل ضمنها، حيث تُثنى البنوك بشدة عن المطالبة بالسداد أو الاعتراف بالخسائر.
قالت ماي يان، رئيسة أبحاث القطاع المالي الآسيوي في "يو بي إس غروب"، إن مخاطر القروض المعدومة "كان يمكن أن تؤدي إلى أزمة مالية لولا سياسات الإمهال وتدخل الحكومة". وأضافت أن عدم وقوع الصين في أزمة يعكس نجاح هذه الإجراءات.
بعبارة أخرى، بدلاً من تشديد الخناق على المقترضين المتعثرين، تُشجع البنوك الصينية على منحهم بعض المرونة. وعلى مدى سنوات، حثت الجهات التنظيمية البنوك الكبرى على إبقاء نسبة القروض المعدومة المعلنة لديها دون 2%، وفقاً لأشخاص مطلعين على التوجيهات.
من خلال سياسة الإمهال، وهي امتداد لبرامج الدعم التي تعود إلى فترة كوفيد وتم توسيعها لتشمل مطوري العقارات وشركات أخرى، تبعث بكين برسالة مفادها أنها ترغب في الحفاظ على الاستقرار المالي. فهي تريد تجنب موجة من إخفاقات البنوك التي قد تتبع ارتفاعاً حاداً في القروض المتعثرة المعلنة وحالات تخلف الشركات عن السداد.
تمديد آجال القروض للشركات في الصين
مُددت في 2024 سياسة التساهل مع الشركات الصغيرة، التي أُطلقت خلال الجائحة، لتشجيع البنوك على تمديد آجال القروض للشركات التي تواجه صعوبات مؤقتة. وتظل هذه السياسة سارية حتى أواخر العام المقبل، وتنطبق على قروض بقيمة 9.4 تريليون يوان، أي 1.38 تريليون دولار، وفقاً لمسؤولين.
نتيجة لذلك، تعمد البنوك بصورة روتينية إلى تمديد القروض المستحقة، أو إطالة فترات السداد، أو السماح برسملة الفوائد لتجنب تفعيل تصنيف القروض غير العاملة. كما تمارس الحكومات المحلية ضغوطاً على المقرضين للحفاظ على الاستقرار عبر تجنب خفض تصنيفات المخاطر للقروض المرتبطة بقطاعات حساسة. وتشمل تلك القطاعات مطوري العقارات، وديون الحكومات المحلية، والشركات الصغيرة في المناطق الأضعف، وفقاً لاثني عشر مصرفياً أجرت "بلومبرغ نيوز" مقابلات معهم.
يمتد هذا التساهل أيضاً إلى الرهون العقارية التي تفوق قيمتها قيمة المنازل نفسها. فقد تواصلت عدة بنوك مملوكة للدولة مع مقترضين يعانون نقصاً في السيولة، وعرضت عليهم فترات توقف عن سداد أقساط الرهن العقاري تصل إلى عامين، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر. وقال هؤلاء الأشخاص إن بعض المقرضين يعملون مع العملاء لإيجاد مشترين لمنازلهم، بدلاً من دفعهم إلى التخلف عن السداد والحجز على العقارات.
بالنسبة إلى شيه، فإن الأمر يمثل حالة واضحة من الخطر الأخلاقي، حيث تتحمل كيانات مخاطر مفرطة وهي تعلم أنه لا توجد عواقب حقيقية.
قال شيه: "البنوك لا تقرض على أساس الجدوى التجارية لملف المدينين. البنوك تقرض لأن الحكومة طلبت منها الإقراض، وهذا لن يؤدي إلا إلى توليد الكثير من الأصول الرديئة".
أصول غير عاملة في بنوك الصين
أخفى بعض البنوك، مجتمعة، أصولاً غير عاملة تتجاوز قيمتها 800 مليار يوان على مدى السنوات الخمس المنتهية في 2024، وفقاً لحسابات "بلومبرغ" المستندة إلى تقارير نشرها مكتب التدقيق الوطني.
قالت شارلين تشو، كبيرة المحللين في "أوتونومس ريسيرش" (Autonomous Research): "تدرك السلطات أنه لا يمكن أن تكون هناك موجة ضخمة واحدة للاعتراف بالديون المعدومة، وإلا فإن كثيراً من البنوك في البلاد، ولا سيما الأصغر حجماً، ستحتاج إلى خطة إنقاذ".
من الصعب تحديد البنوك الأكثر ميلاً إلى تأجيل مدفوعات القروض، رغم أن هذه الممارسة تميل إلى أن تكون أكثر شيوعاً في البنوك الريفية الأضعف، وفقاً لمحللين. ولم تتضرر أسهم عمالقة القطاع المالي مثل "البنك الصناعي والتجاري الصيني" و"البنك الزراعي الصيني" من تدهور جودة الائتمان. ويميل المستثمرون في هذه الأسهم إلى شرائها من أجل عائد توزيعات الأرباح البالغ 5% والتقييمات الرخيصة نسبياً، وهم واثقون من أن بكين ستوفر دائماً دعماً في أوقات الضغوط. وقفزت أسهم "البنك الصناعي والتجاري الصيني" 12% بالفعل هذا العام في هونغ كونغ.
اقرأ أيضا: الصين والدولار: صراع النفوذ أم "زواج إجباري" في النظام المالي العالمي؟
لمواجهة ضعف دفاتر القروض وتعزيز ميزانيات البنوك، تضخ الحكومة أموالاً في المقرضين. وستصدر الصين سندات سيادية خاصة بقيمة إجمالية تبلغ 300 مليار يوان هذا العام لإعادة رسملة البنوك، إضافة إلى شريان دعم بقيمة 500 مليار يوان في العام الماضي.
يأتي كل هذا التساهل بتكلفة. فالموارد المالية عالقة في شركات غير مربحة، بل وحتى خاملة، ما يعرقل قدرة البنوك على دعم النمو في الشركات السليمة. ويتباطأ نمو القروض إجمالاً بدرجة كبيرة بعدما شهد الاستثمار في الأصول الثابتة انكماشاً غير مسبوق في العام الماضي.
تأثير خفض أسعار الفائدة
قدمت البنوك الصينية العام الماضي أقل حجم من القروض الجديدة منذ 2018. وقالت تشو إن مزيداً من التدهور في نمو القروض قد يعني أن البنوك لم تعد قادرة على تعويض الأثر السلبي لخفض أسعار الفائدة من البنك المركزي على ربحيتها.
فهي تفاقم المخاوف بشأن صحة القطاع المصرفي، الذي أصبح قيداً مهماً على قرارات البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة في السنوات الأخيرة. ومع بلوغ صافي هوامش الفائدة لدى البنوك مستويات قياسية متدنية بالفعل، يخشى صناع السياسات أن تؤدي التخفيضات الإضافية إلى الضغط على قدرتها على تحقيق الأرباح.
في 2025، نفّذ "بنك الشعب الصيني" أقل مقدار من تخفيضات أسعار الفائدة خلال أربع سنوات، مخيباً آمال اقتصاديين كانوا يتوقعون أن يؤدي التيسير النقدي دوراً أكبر في دعم الطلب المحلي. مع ذلك، تظهر مؤشرات أن البنوك تتخذ خطوات لتحسين جودة الائتمان.
تراجعت الأصول المالية عالية المخاطر، التي تشمل القروض غير العاملة لدى البنوك التجارية والديون الخطرة في منصات غامضة مثل بنوك الظل، إلى 4.9% من إجمالي الأصول المالية في نهاية 2025، من ذروة بلغت 30% في 2017. ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم أكثر إلى نحو 3% بحلول 2027، بحسب ريتشارد شو، رئيس أبحاث القطاع المالي الصيني في "مورغان ستانلي".
شطب الأصول الرديئة في بنوك الصين
تسرع البنوك الصينية أيضاً وتيرة شطب الأصول الرديئة ونقلها. فقد تخلص المقرضون من أصول غير عاملة تزيد قيمتها على 3 تريليونات يوان سنوياً منذ 2020، مع ارتفاع الإجمالي إلى نحو 3.8 تريليون يوان في 2024، وهو أعلى مستوى مسجل.
كثفت البنوك عمليات نقل محافظ القروض غير العاملة إلى شركات إدارة الأصول، التي تتولى عادة ابتلاع الأصول الرديئة في الصين. مع ذلك، تعهدت هذه الشركات بتحصيل الديون مجدداً إلى البنوك المنشئة للقروض في كثير من الحالات، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر. وتأتي الأموال المستخدمة في شراء القروض المعدومة إلى حد كبير من البنوك نفسها، ما يعني أن المخاطر لا تُزال بالكامل من النظام المالي.
رغم هذه الجهود، تشير مشكلات الديون المتفاقمة إلى التراجع التدريجي للاقتصاد الصيني، وفقاً لتقرير حديث صادر عن "روديوم غروب" (Rhodium Group). وقال لوغان رايت، الشريك في مركز الأبحاث، إن أفضل توصيف للوضع ليس أزمة أو انهياراً، بل أقرب إلى "تآكل ممتد".
قال رايت: "يقرض النظام المالي نسباً متزايدة من حجم أصغر من الائتمان الجديد إلى حكومات محلية وشركات مملوكة للدولة غير منتجة، لمجرد منعها من الانهيار".

