أقرت هيئة السوق المالية الخميس الماضي إطارا تنظيميا لإدراج شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة (SPACs) في السوق الموازية "نمو"، في خطوة ذكر مختصون لـ"الاقتصادية" أنها تعكس توجها استراتيجيا نحو بناء سوق رأسمال أكثر قدرة على تمويل الشركات في مراحل النمو المتقدمة.
وبينما تبدو الأرقام الأولية متحفظة — وفق خبراء ماليين ومختصين في أسواق الأسهم تحدثوا لـ"الاقتصادية" — مع توقعات بإدراج عدد محدود من شركات SPACs برؤوس أموال تراوح بين 300 و800 مليون ريال، إلا أن القراءة الأعمق تكشف أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الطروحات الأولية، بل في صفقات الاستحواذ اللاحقة، التي قد تعيد رسم خريطة السوق عبر إدراج شركات نمو ذات تقييمات أعلى، ما يبرز الطبيعة التراكمية لهذه الأداة المالية وتأثيرها طويل الأجل في هيكل السوق.
شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة، المعروفة اختصارا بـ (SPACs) أو "شركات الشيك على بياض"، وسيلة تمويلية مبتكرة في الأسواق المالية العالمية، وهي شركات يتم تشكيلها لجمع الأموال من خلال طرح عام أولي حتى تتمكن لاحقا من شراء شركة قائمة أو الاندماج معها.
تبرز SPACs كمشروع استغرق نحو عام من العمل التنظيمي حتى اعتماده وطرحه في 8 أبريل 2025 — بوصفها آلية ديناميكية لا تقتصر على جمع رؤوس الأموال، بل تمتد لتكون جسرا بين رأس المال المؤسسي والفرص الاستثمارية عالية النمو.
قيمة مضافة تصل إلى المليارات والأثر الأكبر عند إتمام الاستحواذ
الخبير بالمخاطر المالية والاستراتيجية المستشار الدكتور عبد الرحمن الزومان، أوضح أن إدراج SPAC لا يمثل مجرد أداة إضافية في السوق المالية، بل توسع في مفهوم السوق العامة ليشمل شركات في مراحل نمو مختلفة، ما يعزز جاذبية السوق لقطاعات التقنية والابتكار والاقتصاد الرقمي، ويقلل من اعتماد الشركات المحلية على الإدراج الخارجي.
الزومان يقول إن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تشكيل تدريجية لهيكل السوق السعودية، من حيث تنوع المستثمرين، وأدوات التمويل، ومعايير الحوكمة، مشيرا إلى أن نجاح هذه التحولات يعتمد بشكل أساسي على استمرار الانضباط التنظيمي ورفع جودة الإفصاح المالي، بما يعزز مكانة السوق السعودية كمنصة إقليمية جاذبة لرؤوس الأموال طويلة الأجل ويعطي المستثمرين الثقة باستدامة عمليات الإدراج.
أضاف "في حال إدراج عدد محدود من شركات SPACs في المرحلة الأولى، برؤوس أموال تراوح بين 300 و800 مليون ريال لكل شركة، فإن القيمة المضافة الأولية قد تصل إلى عدة مليارات من الريالات، على أن يكون الأثر الأكبر عند إتمام صفقات الاستحواذ وإدراج شركات نمو جديدة بقيم سوقية أعلى" .
عد الزومان إدراج SPAC أنه يمثل توسعا في مفهوم السوق العامة، إذ يتيح المجال أمام شركات في مراحل نمو مختلفة، ما يعزز جاذبية السوق لقطاعات التقنية والابتكار والاقتصاد الرقمي، ويقلل من اعتماد الشركات المحلية على الإدراج الخارجي.
تقديرات بجذب نحو 40 مليار ريال خلال المدى المتوسط
من جانبه، أكد الدكتور سليمان الخالدي خبير اقتصادي ومحلل الأسواق المالية وعضو جمعية الاقتصاد السعودية، أن SPAC تمثل نقلة هيكلية حقيقية في السوق المالية السعودية.
وأوضح أن هذه الأداة ستسهم في تعميق السيولة عبر استقطاب رؤوس أموال تبحث عن فرص نمو عالية، وتعزيز تنوع المستثمرين بدخول مستثمرين مؤسسيين أكثر جرأة، إلى جانب توسيع قاعدة الإدراجات للشركات التي لم يكن الطرح التقليدي خيارا مناسبا لها.
وأشار إلى أن هذا التحول سيخلق سوقا أكثر ديناميكية ومرونة، ويقرب السوق من نماذج الأسواق المتقدمة، ويعزز القدرة على استقطاب الشركات ذات القيمة السوقية العالية.
ذكر أن التقديرات الأولية تشير إلى إمكانية جذب ما بين 20 و40 مليار ريال خلال المدى المتوسط، مع إمكانية ارتفاع هذه الأرقام إذا ما تم تنفيذ الطروحات بجودة عالية وثقة مؤسسية.
مطالب بحوكمة صارمة لتفادي السيناريو الأمريكي
الخالدي أشار إلى أن SPACs مرشحة لتكون أحد المسارات الرئيسية لتمويل الشركات الناشئة والشركات التقنية، خاصة في مراحل النمو المتقدمة، إلا أن بناء الثقة سيظل عاملا حاسما يتطلب شفافية عالية وجودة في اختيار الشركات المستهدفة، إضافة إلى سجل ناجح للصفقات الأولى، وهو ما سيحدد سرعة تبني السوق لهذه الأداة الجديدة.
بخصوص التجارب العالمية، لفت الخالدي إلى أن الأسواق مثل أمريكا شهدت في بعض الأحيان تضخما في تقييمات SPACs أعقبها تصحيح حاد، مشيرا إلى أن السوق السعودية أمام فرصة لتفادي هذا السيناريو عبر حوكمة صارمة، وإفصاح متقدم، وربط الحوافز بالأداء طويل الأجل، مع التأكيد على الدور المحوري للجهات التنظيمية في ضبط وتيرة الطروحات ومنع التوسع غير المدروس.
فرص نمو لا تخلو من التحديات
خبير مالي واقتصادي آخر، طلب عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن اعتماد إطار SPACs يمثل تجربة جديدة للسوق السعودية، ويمكن أن يفتح مسارات تمويلية للشركات، خاصة الناشئة والتقنية، إذا ما تم تطبيقه ضمن إطار حوكمة قوي يضمن حماية حقوق المساهمين.
وأضاف: "التحدي الرئيسي للسوق لا يكمن في حجم الطروحات بقدر ما يتعلق بجودة الشركات بعد الإدراج واستدامة أدائها، فبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى نماذج أعمال أكثر قوة واستدامة قبل الطرح، لضمان ألا يتحول الإدراج إلى مجرد قناة للتخارج، بل إلى وسيلة حقيقية لدعم نمو السوق".
كما أشار إلى أن الأسواق الرئيسية والقطاعات القيادية لا تواجه مشكلات جوهرية، إلا أن التحديات تتركز في الشركات ذات القيمة السوقية المتوسطة والصغيرة، ما يستدعي تعزيز معايير الإدراج والحوكمة، ورفع مستوى الشفافية، وتحسين جودة الطروحات، بما ينعكس إيجابيا على ثقة المستثمرين وأداء السوق بشكل عام.
وأكد أن نجاح SPAC في السعودية سيعتمد على التدرج في التطبيق، وتعزيز البيئة التنظيمية، ورفع مستوى الوعي الاستثماري، خصوصا أن المستثمرين الأفراد لا يزالون يشكلون نسبة كبيرة من التداولات، في حين إن الأسواق المتقدمة تعتمد بشكل أكبر على المستثمر المؤسسي، ما يسهم عادة في رفع كفاءة التسعير واستقرار السوق.
كما شدد على أهمية تعزيز المساءلة والحوكمة داخل الشركات المدرجة، خصوصا ما يتعلق بمسؤوليات مجالس الإدارات والإفصاح عن تعارض المصالح، مبينا أن هذه الإجراءات تسهم في حماية حقوق المساهمين، ورفع جودة الشركات التي تتجه للإدراج، والحد من الممارسات غير العادلة، بما يضمن استدامة نمو السوق وربحيتها على المدى الطويل.
الإطار التنظيمي الجديد
مجلس هيئة السوق المالية اعتمد نهاية الأسبوع الماضي الإطار التنظيمي لطرح SPACs في السوق الموازية من خلال تعديل اللائحة التنفيذية لنظام الشركات الخاصة بشركات المساهمة المدرجة، وقواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة، وقائمة المصطلحات المستخدمة في لوائح الهيئة وقواعدها، على أن يُعمل بها من تاريخ النشر.
وتشمل التعديلات شروطا واضحة لضمان حماية المستثمرين، منها أن تكون الشركة مؤسسة من قبل راع، وأن تكون أسهمها قابلة للاسترداد بناء على خيار المساهمين، وألا يقل رأسمال الشركة بعد الطرح عن 100 مليون ريال. كما وضعت الهيئة جدولا زمنيا لإتمام الصفقات خلال 24 شهرا من تاريخ الإدراج، مع إمكانية التمديد لمدة 12 شهرا إضافية بموافقة الجمعية العامة غير العادية، على ألا يشارك الراعي أو تابعوه في التصويت على قرار التمديد.
كما تضمنت التعديلات شروطا صارمة لتنفيذ صفقة الاستحواذ أو الاندماج بين شركة SPAC والشركة المستهدفة لضمان عدم تضارب المصالح وحماية حقوق المستثمرين، منها ألا يمتلك الراعي أو صندوق استثمار يديره أسهما أو حصصا في الشركة المستهدفة، وألا تقل ملكية مساهمي SPAC عن 30% بعد إتمام الصفقة، مع ضرورة أن تمثل قيمة الشركة المستهدفة ما لا يقل عن 80% من المبالغ المودعة في حساب الضمان




