حققت الأسهم السعودية أفضل أداء أسبوعي في نحو شهر، بدعم من تحسن تدريجي في شهية المستثمرين واتساع نطاق المكاسب داخل السوق، رغم بقاء صعود المؤشر العام محدودا.
غير أن هذا التحسن لا يبدو كافيا وحده للحفاظ على مسار صاعد أكثر استدامة، فالسوق تحتاج إلى معطيات أقوى ترفع توقعات المستثمرين تجاه نمو أرباح الشركات، بما يبرر تحمل مخاطر الأسهم مقارنة ببدائل تمنح عوائد منافسة ومخاطر أقل، خاصة في ظل استمرار البيئة النقدية المتشددة.
وأغلق مؤشر السوق الرئيسية “تاسي” الأسبوع عند 11042 نقطة، بمكاسب بلغت 0.5%. لكن الدلالة الأهم لم تكن في حركة المؤشر وحدها، بل في تحسن أداء عدد أكبر من الشركات، ما أعطى إشارة إلى أن السوق بدأت تستعيد بعض التوازن بعد فترة من التذبذب.
وتتجه الأنظار خلال الأسبوع الجاري إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بعدما بنت الأسواق في وقت سابق تصورات على أن مسار التيسير النقدي قد يصبح أقرب.
إلا أن الفيدرالي، حتى مع تغير بعض المعطيات السياسية، سيظل حريصا على ربط قراراته بالبيانات الاقتصادية، حفاظا على استقلاليته ومصداقية سياسته النقدية.
ولا تزال البيانات المتاحة لا تمنح إشارات كافية لبدء دورة تيسير واضحة بعد فترة تثبيت أسعار الفائدة، وقد يدفع ذلك الفيدرالي إلى تبني نبرة حذرة أو متشددة نسبيا.
لكن تأثير هذه النبرة سيتوقف على درجتها؛ فالسوق قد تتقبل الحذر، لكنها لن تتعامل بسهولة مع أي إشارات توحي باستمرار التشدد النقدي لفترة أطول من المتوقع.
محليا، تظهر حركة السيولة في “تاسي” أن المستثمرين لم يعودوا بقوة إلى أسهم النمو مرتفعة التقييم، كما لم يتجهوا بالكامل إلى أسهم القيمة منخفضة المكرر.
وبدلا من ذلك، فضّلوا الشركات ذات التقييمات المتوسطة والأنشطة التشغيلية المستقرة، وهذا السلوك يعكس سوقا تبحث عن فرص انتقائية في ظل استمرار عدم اليقين بشأن أسعار الفائدة والظروف العالمية.
وقادت “الكابلات السعودية” قائمة المكاسب الأسبوعية، فيما برزت أسهم في قطاعات التأمين والتعليم والرعاية الصحية ضمن الأكثر ارتفاعا، في مؤشر على توجه جزء من السيولة نحو شركات ذات نشاط تشغيلي واضح، بعيدا عن المراهنات السريعة على حركة المؤشر فقط.
وشملت المكاسب أسهما مثل “ليفا” و”الوطنية للتعليم” و”المتحدة للتأمين” و”الصقر للتأمين”، إلى جانب صعود ملحوظ في “بوبا العربية” و”ميدغلف للتأمين”. ويعكس هذا الأداء ميلا انتقائيا لدى المستثمرين نحو قطاعات أقل ارتباطا بتقلبات أسعار السلع والضغوط الخارجية.
في المقابل، تعرضت بعض الأسهم لضغوط، خاصة في قطاعات الأسمنت والبتروكيماويات والمواد الأساسية، من بينها “أسمنت ينبع” و”بترو رابغ” و”معادن”، إضافة إلى تراجع أسهم أخرى مثل “الدواء” و”هرفي للأغذية”. ويشير ذلك إلى أن التعافي لم يكن شاملا، بل جاء متفاوتا بين القطاعات والشركات.
كما أن تحسن عدد الشركات التي تتداول فوق متوسطاتها طويلة الأجل يشير إلى أن بعض المستثمرين استغلوا فترات التراجع خلال الأسبوع لإعادة بناء مراكزهم، بدلا من الخروج الجماعي من السوق.
وبذلك، لا تكمن أهمية الأسبوع في ارتفاع “تاسي” فقط، بل في التحسن النسبي للبنية الداخلية للسوق، فعودة السيولة تدريجيا إلى شركات تشغيلية، وظهور قطاعات مثل التأمين والتعليم والرعاية الصحية بين قادة الأداء، يعززان فكرة أن السوق تمر بمرحلة فرز بين الشركات، لا بموجة صعود عامة تشمل الجميع.
ومع استمرار الضغط على بعض القطاعات المرتبطة بالسلع والدورات الاقتصادية، يبقى التعافي مرهونا بقدرة السيولة على الاستمرار في دعم قاعدة أوسع من الأسهم، لا الاكتفاء بتحركات محدودة في عدد من الشركات القيادية.




