لا ترسم شاشة التداول وحدها الصورة الكاملة للطروحات الأولية. فهبوط السهم بعد الإدراج قد يعكس ضيق هامش الأمان في التسعير أو تبدل شهية المستثمرين، لكنه لا يعني بالضرورة أن الشركة ضعيفة أو أن الطرح كان منخفض الجودة.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح عند مقارنة الاكتتابات السعودية بنظيرتها الأمريكية، وهي من أكثر الأسواق الخارجية حضورا لدى المستثمر السعودي. فبينما تمنح السوق الأمريكية كثيرا من الطروحات قفزة أوضح في اليوم الأول للتداول، تكشف البيانات المالية قبل الإدراج أن الشركات السعودية في العينة كانت أكثر نضجا وربحية، وأقل حدة في مكررات التقييم.
جودة مالية أعلى في السعودية
بحسب بيانات بلومبرغ لآخر 12 شهرا، والتي تشمل في السعودية إدراجات السوق الرئيسية "تاسي" والسوق الموازية "نمو"، جاءت الشركات السعودية المدرجة حديثا رابحة عند الطرح، كما سجلت جميعها EBITDA موجبة، بما يعكس ربحية تشغيلية قائمة قبل الإدراج.
في المقابل، أظهرت البيانات الأمريكية حضورا واسعا للشركات غير الرابحة عند الإدراج. فمن إجمالي الشركات الأمريكية المدرجة ضمن البيانات، سجلت 56% خسائر عند الطرح، مقابل السعودية لم تطرح فيها شركات خاسرة.
وتزداد الصورة وضوحا عند الاقتصار على الشركات الأمريكية التي توافرت لها بيانات صافي الدخل، فمن أصل 110 شركات، سجلت 75 شركة خسائر، بما يعادل 68.2% من الشركات ذات البيانات المتاحة. كما جاءت EBITDA سالبة لدى 50 شركة من أصل 84 شركة، أي ما يعادل 59.5%.
ولا تقدم هذه الأرقام حكما نهائيا على جودة كل شركة، لكنها تكشف اختلافا جوهريا في طبيعة السوقين. فالسوق الأمريكية تبدو أكثر استعدادا لاستقبال شركات النمو قبل اكتمال ربحيتها، بينما تميل السوق السعودية إلى استقبال شركات وصلت بالفعل إلى مرحلة الربحية والاستقرار التشغيلي.
التقييمات لا تقول إن السعودية أغلى
عند الانتقال من الربحية إلى التقييم، لا تظهر السعودية أعلى سعرا وفق مكرر الربحية الوسيط. فعند قياس مكرر الربحية للشركات الرابحة فقط، بلغ وسيط المكرر في السعودية 16.6 مرة، مقابل 24.5 مرة في السوق الأمريكية.
كما بدا متوسط المكرر الأمريكي أكثر تأثرا بالقيم المتطرفة، إذ وصل إلى 99.6 مرة مقارنة بـ19.9 مرة في السعودية. ولذلك تبدو قراءة الوسيط أكثر ملاءمة في هذه المقارنة لأنها تقلل أثر الطروحات ذات المكررات المرتفعة جدا.
وبذلك لا تقدم البيانات دعما لفكرة أن الطروحات السعودية أعلى تقييما من الأمريكية عند استخدام مكرر الربحية. بل إن الصورة تميل إلى أن السعودية أقل تطرفا في المكررات وأكثر انتظاما من ناحية الربحية قبل الطرح.
ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن جزءا كبيرا من الشركات الأمريكية غير الرابحة لا يجري تقييمه أساسا عبر مكرر الربحية، بل عبر مضاعفات الإيرادات أو توقعات النمو المستقبلية. لذلك فإن انخفاض المكررات السعودية لا يعني بالضرورة أن جميع الطروحات كانت أرخص، بقدر ما يعكس اختلاف مرحلة النضج بين الشركات المدرجة في السوقين.
جودة الشركة لا تكفي لحماية السعر
رغم ذلك، لم تتحول هذه الأفضلية المالية إلى أداء سعري مماثل بعد الإدراج. فقد سجلت الأسهم السعودية المدرجة حديثا تراجعا وسيطا قدره 19.8% منذ الطرح، بينما سجلت السوق الأمريكية وسيط أداء موجب بلغ 3.2%.
كما أن 78.3% من الشركات السعودية المشمولة في البيانات تتداول دون سعر الطرح، مقابل 42.4% في السوق الأمريكية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية، الشركات السعودية تبدو أقوى ماليا قبل الإدراج، لكنها أضعف سعريا بعده.
هذه الفجوة لا تنفي جودة الشركات، لكنها تفتح زاوية مختلفة. فالأدبيات المالية تميز بين جودة الشركة من جهة، والعائد المتحقق للمستثمر بعد سعر الدخول من جهة أخرى. فقد تكون الشركة ممتازة تشغيليا، لكن ذلك لا يضمن أن يكون سعر السهم عند الطرح جاذبا بما يكفي لتحقيق عوائد مرتفعة لاحقا.
علاوة اليوم الأول تميل لمصلحة أمريكا
تتسع الفجوة عند النظر إلى اليوم الأول للتداول. ففي السوق الأمريكية بلغ وسيط أداء اليوم الأول 7.5%، مقابل أداء شبه مستقر في السوق السعودية.
ويعني ذلك أن السوق الأمريكية كانت أكثر ميلا لمنح المستثمر علاوة سعرية مبكرة بعد الإدراج. أما في السعودية فتبدو أسعار الطرح أقرب إلى مستويات التداول الأولى، ما يقلص مساحة المكاسب السريعة للمكتتب.
وهنا لا يتعلق الفرق بجودة الشركات فقط، بل بطريقة تسعير الطرح، ودرجة شهية المخاطرة، وطبيعة المستثمرين، ومدى استعداد السوق لدفع علاوة بعد بدء التداول.
السوق تعيد اختبار التقييم
تشير البيانات كذلك إلى أن الشركات السعودية الأعلى مكررا تعرضت لضغوط أكبر لاحقا. فقد سجل الربع الأعلى من الشركات السعودية من حيث مكرر الربحية وسيط تراجع بلغ 41.7% منذ الطرح، السوق تبدو أكثر تشددا تجاه الطروحات مرتفعة التقييم.
لا يُنظر إلى سعر الاكتتاب بوصفه تقييما نهائيا للشركة، بل نقطة انطلاق لعملية مستمرة لاكتشاف السعر. فالأدبيات الحديثة في تسعير وأداء الطروحات الأولية تشير إلى أن السوق الثانوية تؤدي وظيفة مختلفة عن السوق الأولية، إذ تخضع التقييمات التي بُني عليها سعر الطرح لاختبار مستمر أمام قاعدة أوسع من المستثمرين وتدفق متواصل للمعلومات الجديدة. لذلك قد تتراجع بعض الأسهم بعد الإدراج رغم ربحية الشركات وجودة أعمالها، ليس بالضرورة بسبب ضعف تلك الشركات، بل لأن السوق تعيد تقييم الافتراضات المتعلقة بالنمو والمخاطر والعائد المطلوب.
وتظهر هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة في أسواق متعددة حول العالم، ما يجعلها جزءا من آلية اكتشاف القيمة في الأسواق المالية أكثر من كونها حالة خاصة بسوق بعينه.
المستثمر يقارن الفرص .. لا الشركات فقط
لا تكشف المقارنة عن اختلاف في جودة الشركات بقدر ما تكشف عن اختلاف في طبيعة الفرص التي تصل إلى السوق. فالشركات السعودية غالبا ما تدخل السوق بعد تجاوز مراحل مبكرة من النمو وتحقيق مستوى أعلى من النضج التشغيلي والمالي، ما يعني أن جزءا من قصة النمو يكون قد تحقق بالفعل قبل الإدراج. وفي مثل هذه الحالات، يصبح أداء السهم أكثر ارتباطا بالتغيرات في التقييم والعائد المطلوب من المستثمرين، وأقل ارتباطا بتحسن الأعمال بحد ذاته.
كما أن ما تظهره البيانات لا يبدو استثناء سعوديا، بقدر ما ينسجم مع ما رصدته الأدبيات المالية في أسواق متعددة، حيث تخضع الشركات بعد الإدراج لإعادة تقييم مستمرة مع تغير ظروف السوق وتبدل البدائل الاستثمارية المتاحة. فالمستثمر لا يقارن السهم بالشركة فقط، بل يقارنه أيضا بالفرص الأخرى داخل السوق وخارجها، وبالعائد الذي يمكن تحقيقه من أصول أقل مخاطرة.
وفي بيئة استثمارية تتغير فيها أسعار الفائدة والعوائد المتاحة على الأصول المنافسة، لا يصبح تقييم السهم معزولا عن بقية البدائل. لذلك، كلما تقلصت علاوة المخاطرة المتاحة للمستثمر مقارنة بالعائد الخالي من المخاطر، أو ظهرت بدائل أكثر جاذبية، ازدادت حساسية الأسهم للتغيرات في المعنويات والتقييمات. ومن هذا المنظور، فإن تراجع بعض الاكتتابات بعد الإدراج قد يكون انعكاسا لتغير متطلبات العائد وإعادة توزيع رأس المال، بقدر ما هو انعكاس لأداء الشركات نفسها أو ضيق هامش الأمان في سعر الطرح.

