عقود طويلة قضتها الصين كـ "مصنع للعالم"، تكتفي بتركيب كل شيء من هواتف "آيفون" إلى الملابس، بينما ظلت الشركات الوطنية التي تجمع هذه السلع غامضة وقابعة في الظل خلف عبارة "صنع في الصين". اليوم، تبدل المشهد كلياً؛ إذ تخرج موجة جديدة من العلامات التجارية الصينية الواعدة من كواليس التجارة العالمية إلى صدارتها، لتنافس مباشرة على جيوب المستهلكين في أمريكا وأوروبا.
وبحسب موقع "بزنس إنسايدر"، يؤكد نيرجونان تيروشيلفام، رئيس قطاع التكنولوجيا والاستهلاك في مؤسسة "أليثيا كابيتال" للاستشارات الاستثمارية ومقرها هونج كونج، خطورة هذا التحول قائلاً: "تشكل تهديداً كبيراً بالفعل للشركات الغربية".
تخوض الموجة الصينية الجديدة تحدياً هو الأصعب في تاريخها، ألا وهو التحول إلى علامات تجارية تحظى بـ "الجاذبية والمكانة"، وليس فقط بالأسعار الزهيدة أو التكنولوجيا الفائقة.
فشركة "لوكين كوفي" المنطلقة من مقاطعة فوجيان باتت تهدد معاقل "ستاربكس" التاريخية في نيويورك عبر تطبيقات الطلب الذكي ونكهات مبتكرة مثل قهوة جوز الهند. وفي قطاع الموضة، تقود علامات مثل "أوربان ريفيفو" و"سونجمونت" منافسة شرسة ضد ماركات متوسطة مثل "زارا" بأسعار تنافسية. أما شركة "بوب مارت"، فتحولت من مجرد مصنع ألعاب إلى قوة ثقافية عالمية بفضل مجسماتها الشهيرة "لابوبو"، ورغم تراجع أسهمها بنسبة 20% هذا العام بسبب مخاوف استدامة الزخم، إلا أنها نجحت في اختراق الثقافة الأمريكية.
اقرأ أيضا: وول ستريت تغلق مرتفعة بدعم التكنولوجيا .. والنفط يستقر مع عبور ناقلات مضيق هرمز
ويعد هذا التحول التكتيكي طوق نجاة للشركات الصينية في ظل تباطؤ اقتصادي محلي ممتد، وهبوط معدلات المواليد في الصين إلى مستويات قياسية عام 2025. هذه الضغوط المحلية وحروب الأسعار الطاحنة التي تلتهم الهوامش الربحية دفعت الشركات إلى الخارج لتأمين نموها.
معركة الهوية والاعتراف العالمي
تنقسم الشركات الصينية في غزوها للأسواق العالمية إلى اتجاهين. الاتجاه الأول: إخفاء أو تقليص الهوية الصينية، وتقديم أنفسهم منصات رقمية عالمية عابرة للحدود، مثل منصة "تيك توك" وعملاق الأزياء السريعة "شي إن" الذي تشير التوقعات إلى مضاعفة أرباحه العام الماضي، بالتزامن مع نمو إيرادات الشركة الأم لمنصة "تيمو" بنسبة 10% رغم تراجع صافي أرباحها 12%.
أما الاتجاه الثاني فيهدف إلى ترسيخ الجذور الثقافية والجمالية الصينية. حيث تستوحي علامة الحقائب "سونجمونت" تصاميمها من أسقف المعابد البوذية والطائرات الورقية التقليدية بأسعار تقارب 800 دولار، لدرجة جذبت انتباه الملياردير برنارد أرنو، الرئيس التنفيذي لمجموعة "إل في إم إتش" للسلع الفاخرة، والذي زار متجرها في شنجهاي واشترى حقيبتين. كما استحوذت مجموعة "كيرنج" المالكة لـ "جوتشي" على حصة أقلية في علامة الأزياء الراقية "آيسيكل"، وهي علامة تقارن بالعملاق الإيطالي "ماكس مارا".
السياسة لن تكبح رغبات المستهلكين
رغم أن التوترات التجارية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد وضعت شركات التكنولوجيا الصينية تحت المجهر، وحرمت الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة شركة السيارات الكهربائية "بي واي دي" من دخول الولايات المتحدة، إلا أن هذه العقبات لم توقف التمدد الصيني، بل تكيفت الشركات من خلال توطين عملياتها.
ويرى البروفيسور إيونكيو لي، أستاذ التسويق في جامعة "سيراكيوز" في نيويورك، أن الحكومات ستجد صعوبة بالغة في منع المستهلكين من الإقبال على هذه العلامات، لأنها منفصلة إلى حد كبير عن القضايا السياسية. ويضيف أن النجاح الطويل الأجل يرتبط بقدرة العلامات الصينية على نيل "الاعتراف بأنها علامات تجارية فاخرة" تفرض هوامش ربحية مرتفعة.
هذا التحول الجذري يؤكد أن بكين لم تعد تقنع بدور "العضلات التنفيذية" للاقتصاد العالمي. وبعد أن نجحت الصين في الهيمنة على "تصنيع الأشياء" بفضل سلاسل إمدادها فائقة المرونة، بدأت تهيمن اليوم على صياغة أذواق المستهلكين وتحديد ما يرغب فيه العالم.

