في وول ستريت، قد لا يعني الرقم القياسي أن الجميع يربحون. فخلف العناوين الاحتفالية بقمة تاريخية جديدة لمؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500)، الذي يعدّ المقياس الأوسع لأداء سوق الأسهم الأمريكية، ثمّة حركة عكسيّة هادئة تقودها المؤسسات الكبرى، وفجوة متسعة بين ما يقوله المؤشر وما يحدث فعليا داخل السوق.
المؤشر، الذي يضم أكبر 500 شركة، تجاوز في جلسة الجمعة حاجز 7230 نقطة لأول مرة، فيما أظهرت بيانات اطّلعت عليها "الاقتصادية" عبر منصتي "ويل ستريم" و"ماركت كاميليون"، المتخصصتين في تتبع تدفقات السيولة المؤسساتيّة، أنّ عمليّات البيع المؤسساتي الصافية تجاوزت 5 مليارات دولار خلال الجلسة ذاتها.
في المقابل، سجّلت عمليّات الشراء الفردي 4.1 مليار دولار.
قادت 7 شركات فقط نحو 70% من مكاسب المؤشر منذ مطلع العام، فيما لم تتجاوز بقية الشركات الـ 493 نموا نسبته 2% خلال الفترة ذاتها، بحسب تحليلات "جولدمان ساكس" للأبحاث العالمية، التي وصفت تركّز المكاسب في 7 شركات فقط من أصل 500 بأنه الأعلى منذ "فقاعة الدوت كوم".
تتداول 56.85% فقط من أسهم المؤشر فوق متوسطها المتحرك لـ 200 يوم، وفقا لبيانات "بلومبرغ"، وهي نسبة وصفها محللون في "جي بي مورجان" بأنها تعكس صعودا ضيق القاعدة يعتمد على عدد محدود من الأسهم.
نزوح مؤسساتي في جلسة واحدة
بحسب بيانات اطلعت عليها "الاقتصادية"، فقد شهدت المنصات المظلمة "Dark Pools" خلال جلسة أمس الأول الجمعة عمليّات تخارج مؤسساتي بلغت قيمتها 5.2 مليار دولار، مقابل 4.1 مليار دولار من عمليات الشراء الفردي، وهو فارق يتجاوز مليار دولار في جلسة واحدة.
يُعرف هذا النمط في أوساط المتداولين المحترفين بالتوزيع الهادئ، وهو سلوك تلجأ إليه المؤسسات الكبرى لتسييل محافظها عند مستويات سعريّة مرتفعة دون إحداث صدمة في الأسعار، وفقا لما يصفه محللو "بنك أوف أمريكا" في تقاريرهم الدورية عن تدفقات السيولة.
على صعيد صناديق الاستثمار المتداولة "ETFs"، التي تعد مقياسا لشهيّة المستثمرين في الأسواق، فقد سجّلت الصناديق المتخصصة في الأسهم الأمريكية تراجعا في صافي التدفقات من 9112 مليون دولار يوم 27 أبريل إلى 5544 مليونا بنهاية الشهر.
في المقابل، تحوّلت صناديق الدخل الثابت، التي تستثمر في السندات والصكوك، إلى تدفقات سلبيّة بلغت67 مليون دولار في آخر جلستين من أبريل.
وبلغ اجمالي التدفقات التراكمية منذ مطلع الشهر نحو 159 مليار دولار، بحسب "بلومبرغ".
كواليس "أبل" .. هندسة ماليّة أم ثقة حقيقية؟
تمثّل شركة "أبل" أكبر مكوّن في مؤشّر "إس آند بي 500"، بوزن يتجاوز 7% من إجمالي المؤشّر، ما يجعل تحركات سهمها مؤثرة بشكل مباشر في أداء المؤشر ككل.
الشركة خصصت نحو 310 مليارات دولار لإعادة شراء أسهمها خلال 3 سنوات فقط، كان آخرها برنامج بقيمة 100 مليار دولار أعلنت عنه عقب نتائجها المالية للربع الثاني.
كشفت تلك النتائج يوم الأربعاء الماضي عن إيرادات قياسيّة بلغت 111.2 مليار دولار، بنمو 17%.
الإجراء الذي اتخذته "أبل" تلجأ إليه الشركات الكبرى لدعم سعر سهمها في السوق عبر تقليص عدد الأسهم المتاحة للتداول.
إلا أن بيانات اطلعت عليها "الاقتصادية " عبر "بلومبرغ" كشفت أن المؤسسات الاستثمارية تتحرك في الاتجاه المعاكس، إذ تراجعت نسبة ملكيتها في أسهم "أبل" من 68.84% إلى 59.15% حاليا بانخفاض بلغ 9.69%.
فاق عدد المؤسسات البائعة 3776 مؤسسة مقابل 2842 مؤسسة مشترية، بفارق 934 مؤسسة.
وسجّل مستشارو الاستثمار أكبر نسبة تخارج بلغت 4.49%، بينما رفعت البنوك حصتها بنسبة 1.63%.
كما تراجعت ملكية المستثمرين الأمريكيين بنسبة 3.51% لصالح ارتفاع طفيف في الملكية البريطانية والكندية واليابانية.
هيكل ملكية سهم أبل في بورصة ناسداك -02
تقييمات تاريخية وإنذار "شيلر"
ابتكر روبرت شيلر، أستاذ الاقتصاد في جامعة "ييل" وحائز جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2013، مؤشّرا يقيس مدى غلاء الأسهم مقارنة بأرباحها الفعليّة على مدى 10 سنوات، ويعرف بمؤشر "شيلر" للتقييم المعدل دوريا.
سجّل هذا المؤشر مستوى 37.94 نقطة في أبريل 2026، وهو ثاني أعلى مستوى مستدام في تاريخه الممتد لـ 50 عاما.
لم يتجاوز المؤشر هذا المستوى إلا خلال "فقاعة الدوت كوم" بين عامي 1999 و2001.
يصف شيلر نفسه هذه المستويات بأنّها تاريخيّا سبقت فترات من العوائد المنخفضة على المدى الطويل.
ويتداول مؤشر "إس آند بي 500" حاليا عند مكرر ربحية يبلغ 27.49 مرة، متجاوزا متوسطه التاريخي البالغ 16 مرة بعلاوة تصل إلى 62%.
أوسع فجوة منذ 2008 بين معنويات المستهلك وأداء الأسواق
في الوقت الذي تحتفل فيه وول ستريت بقمم تاريخيّة جديدة، سجّل مسح ثقة المستهلك الصادر عن جامعة "ميشيجن"، تراجعا حادا في أبريل الجاري إلى أدنى مستوياته منذ عامين عند 60 نقطة مقارنة بـ 82 نقطة في أغسطس من العام الماضي 2025.
المؤشر هو من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في قياس معنويات الإنفاق لدى المستهلك الأمريكي.
وجاء تراجعه بنسبة تتجاوز 26% خلال 10 أشهر فقط، متاثرا بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل المدخرات بفعل أسعار الطاقة والخدمات داخل الولايات المتحدة.
التقرير المرافق للمسح وصف هذا التباين بين ثقة المستهلك الأمريكي وأداء البورصة بأنه من أوسع الفجوات المسجّلة منذ عام 2008.
"جولدمان ساكس": تصحيح قريب قبل استئناف الصعود
وصف بن سنايدر، كبير إستراتيجيي الأسهم الأمريكية في "جولدمان ساكس"، الصعود الأخير لمؤشر "إس آند بي 500" فوق حاجز 7100 نقطة بأنه مبالغة سعرية على المدى القصير، وليس تعافيا اقتصاديا حقيقيا، مشيرا إلى أن عدد الأسهم التي تشارك فعليّا في هذا الصعود تقلص إلى أدنى مستوياته منذ حقبة الدوت كوم.
وقال "إن الصعود بنسبة 13% منذ نهاية مارس، وهو الأسرع منذ أبريل 2020، جاء مدفوعا بتحسّن المعنويات الجيوسياسية وليس بتحسّن فعلي في الاقتصاد".
حدّد البنك مستهدفا لنهاية عام 2026 عند 7600 نقطة بارتفاع نحو 6% من المستويات الحالية.
هذا المستهدف مبنيّ على توقعات بنمو ربحيّة السهم بنسبة 12% في 2026 و10% في 2027.
ويتداول المؤشّر حاليا عند مكرر ربحية يبلغ 21 مرة، وهو لأعلى من 87% من قراءاته خلال الأربعين عاما الماضية.
إلا أن سنايدر يرى أن هذا التقييم قريب من القيمة العادلة، في ظل أرباح الشركات القياسية وأسعار الفائدة المنخفضة نسبيا.
ووصف حرب إيران والإنفاق على الذكاء الاصطناعي بأنهما أبرز المخاطر على الأسواق في الأسابيع المقبلة.