الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

في سوق لا تقاس فيها القيمة بالوزن، بل بالهيبة والنسب والندرة، تتحول الصقور في الرياض من موروث ثقافي إلى أصول ذات قيمة اقتصادية متصاعدة. هنا لا تُعرض الطيور للبيع فحسب، بل تُطرح سلالات موثقة وتاريخ وأصالة وفرص استثمارية، فيما تحدد المنافسة بين المشترين قيمة كل طير، بحسب مستثمرين في السوق، تحدثوا لـ"الاقتصادية".

في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور، الذي ينظمه المركز الوطني للصقور في مَلهم شمال الرياض، تلتقي الثقافة بمنطق السوق؛ فالصقر يحمل شهادة نسب، ويخضع للفحص الطبي والتوثيق، وتتم صفقته وفق إجراءات منظمة، فيما تنتقل الأموال عبر القنوات المالية الرسمية.

وبذلك، لم يعد اقتصاد الصقور نشاطاً هامشياً مرتبطاً بالهواية فقط، بل أصبح سوقاً متخصصة تجمع الإنتاج والتربية والاستثمار والتجارة والخدمات المرتبطة بها، وتستقطب منتجين ومشترين من السعودية وخارجها.

صقر بمليون ريال .. أصل "يطير"

يصف المستثمرون الصقر النادر بأنه أحد الأصول التي يمكن أن ترتفع قيمتها مع مرور الوقت، خصوصاً عندما تجتمع فيه عوامل السلالة والجودة والندرة والقدرة على المنافسة.

ويقول وليد الصقعبي، صقار ومستثمر، إن قيمة الطير النادر يمكن أن ترتفع مع الوقت، إلى جانب المتعة المرتبطة باقتنائه، واصفاً الصقر بأنه "أصل مثل الذهب لكنه يطير".

وأوضح أن المزاد يوفر فرصة للهواة ومحبي الصقور والراغبين في الاستثمار، مشيراً إلى أن الأسعار متفاوتة، وقد تصل إلى مليون ريال بحسب السلالة والمواصفات.

Screenshot 2026-08-09 143306

وتكشف هذه الأسعار عن اقتصاد قائم على الندرة؛ فكلما قل المعروض من السلالات المتميزة وارتفع الطلب عليها، ارتفعت القيمة السوقية للطير، في نموذج يشبه أسواق الأصول النادرة التي تعتمد قيمتها على الأصالة والمواصفات والطلب المتخصص.

من الخيمة والدلال إلى منصة استثمارية عالمية

لم يعد مزاد الصقور كما كان في السابق، حين كانت الخيمة والدلال والصوت المرتفع أدوات البيع الأساسية. اليوم، أصبحت العملية أكثر تنظيماً، مع منصة مزاد، وبث مباشر، وتوثيق للطيور، ومشاركة منتجين ومشترين من دول مختلفة.

ويرى منتجون ومهتمون بسوق الصقور أن محدودية المعروض مقابل الطلب المتزايد منحت السوق قدرة على جذب رؤوس الأموال والهواة والمستثمرين، خصوصاً مع تنامي الاهتمام الخليجي بالسلالات المتميزة، والطلب الخارجي على الطيور ذات الصفات النادرة.

ويعني هذا التحول أن سلسلة القيمة لم تعد تتوقف عند شراء الصقر وامتلاكه، وإنما تمتد إلى مزارع الإنتاج، والرعاية البيطرية، والتغذية، والتوثيق، والنقل، والتجارة، والمسابقات والفعاليات المرتبطة بالصقور.

المزاد يربط الإنتاج بالمنافسة

قال المتحدث الرسمي لنادي الصقور وليد الطويل، إن المزاد يوفر منصة موثوقة لنخبة الصقور من العالم، من خلال مزاد تنافسي مباشر وسريع، يجمع الصقارين والمنتجين السعوديين من شتى دول العالم.

وأضاف أن فعاليات المزاد تنقل عبر القنوات التلفزيونية الناقلة للحدث، إلى جانب البث المباشر عبر حسابات المركز الوطني للصقور على منصات التواصل الاجتماعي، ما يوسع قاعدة المتابعين والمشترين المحتملين ويمنح السوق نطاقاً أوسع من الوصول.

وأشار إلى أن المزاد يتميز هذا العام بتخصيص جميع أشواط فئة "الفرخ" في مسابقات الملواح للصقور المبيعة في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور، وهو ما يربط الطيور المعروضة والمبيعة بمسار المنافسة.

وبحسب الطويل، يمنح ذلك الصقارين الباحثين عن صقور للمشاركة في هذه الأشواط فرصة الاختيار مباشرة من إنتاج المزارع المحلية والدولية، بما يعزز القيمة الاقتصادية للصقر باعتباره ليس مجرد طير مقتنى، وإنما أصلاً يمكن أن يدخل لاحقاً في المنافسات.

540 ألف ريال لصقرين في الليلة الأولى

كشفت نتائج الليلة الأولى من منصة المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور 2026 عن حجم الطلب على الطيور المتميزة، إذ شهدت بيع صقرين من إنتاج مزرعة جيم ولسون الكندية بقيمة إجمالية بلغت 540 ألف ريال، وسط حضور لافت من الصقارين والزوار والمهتمين بالموروث.

وتظهر الصفقة، التي تعادل في المتوسط 270 ألف ريال للصقر الواحد، قدرة المزاد على توليد قيم مالية مرتفعة خلال فترة قصيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنتاج مزارع متخصصة وسلالات تحظى بطلب من المشترين.

سوق تقوم على الندرة وليس الكثرة

الخصوصية الاقتصادية لسوق الصقور تكمن في أن نمو القيمة لا يرتبط بزيادة المعروض، كما يحدث في كثير من السلع التقليدية، وإنما قد يرتبط بالعكس تماماً؛ فندرة السلالة وجودة الإنتاج وخصائص الطير ترفع قدرته على جذب المشترين.

وهنا يتحول الصقر إلى أصل له مجموعة من محددات القيمة، من بينها السلالة، والنسب، والجودة، والعمر، والحالة الصحية، وسمعة المزرعة المنتجة، والقدرة على المنافسة، إضافة إلى سجل الطير في المسابقات.

وتوجد هذه العوامل سوقاً متخصصة ذات طبيعة مختلفة، يستطيع فيها طير واحد أن يتجاوز سعر سيارة فارهة، فيما تصل بعض الصقور النادرة إلى مستويات سعرية تقارب قيمة بعض الأصول الاستثمارية الأخرى.

اقتصاد متكامل خلف كل صفقة

ولا تتوقف القيمة الاقتصادية للمزاد عند سعر البيع. فكل صفقة هي جزء من منظومة اقتصادية أوسع تضم مزارع إنتاج الصقور، والمختصين في التربية، والأطباء البيطريين، وموردي الأغذية، والخدمات اللوجستية، والتوثيق، والنقل، والتأمين، إضافة إلى المسابقات والفعاليات والمعارض والسياحة المرتبطة بهذا القطاع.

ومع توسع مزارع الإنتاج المحلية والدولية، تتحول الصقور إلى منتج له دورة اقتصادية كاملة تبدأ من التربية والإنتاج، مروراً بالفحص والتوثيق والتسويق، وصولاً إلى المزاد والبيع والمشاركة في المنافسات.

وهذا يعني أن تطوير سوق الصقور لا ينعكس على قيمة الطيور فقط، بل يمكن أن يوسع قاعدة الأنشطة الاقتصادية والخدماتية المحيطة بها.

الرياض .. وجهة إقليمية لسوق الصقور

يؤكد حمدان المري، هاوٍ من دولة قطر، أن مزاد الرياض أصبح الوجهة الأولى للمهتمين بالصقور، لما يشهده من تنظيم وشفافية وتوثيق.

ويشير ذلك إلى عامل مهم في اقتصاد المزادات: الثقة. فكلما ارتفعت مستويات التنظيم والتوثيق والشفافية، أصبحت السوق أكثر قدرة على جذب المشترين من خارج الدولة، وارتفعت فرص تحول المدينة المستضيفة إلى مركز إقليمي للقطاع.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل المزاد حدثاً موسمياً فقط، وإنما منصة يمكن أن تسهم في بناء سوق إقليمية متخصصة في إنتاج الصقور وتداولها والخدمات المرتبطة بها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية