في يوم التحرير، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من حديقة البيت الأبيض رصاصته الأولى على عصر التجارة الحرة الذي قادته بلاده لعقود، حين صدم الأسواق المالية بفرض رسوم جمركية واسعة على دول العالم، بما في ذلك شركاء تجاريون رئيسيون.
كان الثاني من أبريل عام 2025 يوما فارقا، شكل ملامح أولى لمشهد عالمي جديد، هيمنت عليه توقعات انكماش تجارة البضائع، مع زيادة عدم اليقين في السياسة التجارية وتصاعد الرسوم الجمركية بين الأسواق الرئيسية.
انحسرت المخاوف مع إبرام اتفاقات تجارية بين أمريكا وشركائها، لكن حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية ظلت مهيمنة طوال عام 2025، حيث خلقت أنظمة الرسوم الجمركية التي أدخلتها الاقتصادات الكبرى آثارا مضاعفة عبر سلاسل التوريد.
عاد النمو للانتعاش بأكثر من المتوقع في النصف الثاني من العام، لكنه ظل متخلّفا عن المعايير طويلة الأجل.
مع دخول العام الجديد، تبدو توقعات 2026 أهدأ، وإن كانت هناك قيود هيكلية قائمة وتأثيرات جمركية متأخرة تضعف زخم التجارة العالمية.
انتعاش متواضع بعد ضعف
كانت توقعات منظمة التجارة العالمية لربيع عام 2025 تشير إلى انكماش محتمل في تجارة البضائع. لكن خلال منتصف إلى أواخر العام، راجعت المنظمة توقعاتها لنمو التجارة العالمية للبضائع إلى نحو 2.4% في تقريرها لشهر أكتوبر الماضي، بزيادة حادة عن التوقعات السابقة.
وراء تعديل النظرة السابقة وقفت عدة عوامل، بينها الأداء القوي في قطاعات المنتجات عالية التقنية والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل أشباه الموصلات ومعدات الاتصالات.
على الرغم من أنها جزء صغير من إجمالي التجارة، شكلت المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حصة كبيرة من النمو، على نحو يشير إلى تحولات هيكلية نحو التجارة ذات الاستخدام الرقمي المكثف.
تشير التقديرات إلى أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمية بلغت نحو 371.71 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 2.4 تريليون دولار بحلول عام 2032.

استمرار النمو بين الاقتصادات الناشئة والنامية، ولا سيما في آسيا وإفريقيا، كذلك كان أحد العوامل المهمة لتحسين النظرة في خضم حالة عدم اليقين التي اكتنفت عام 2025.
استمرت تجارة الخدمات كذلك في التوسع أكثر من السلع، وإن كان ذلك بوتيرة متباطئة بلغت 4.6% مقارنة بـ 6.8% في عام 2024.
الصناعات التحويلية والسلع التقليدية واجهت في المقابل رياحا معاكسة تعكس ضغوط التكلفة من الرسوم الجمركية وإعادة تنظيم سلسلة التوريد وضعف الطلب في الأسواق الرئيسية.
آفاق التجارة العالمية في عام 2026
بالنظر إلى المستقبل، فإن مسار التجارة العالمية في عام 2026 يبدو أضعف بشكل ملحوظ مما كان عليه في عام 2025، حيث تشير مؤشرات متعددة إلى تباطؤ الزخم وتزايد المخاطر والتحولات الهيكلية.
وتتوقع منظمة التجارة العالمية تباطؤ نمو حجم التجارة العالمية للبضائع بشكل حاد إلى نحو 0.5% في العام الجديد، انخفاضا من 2.4% في عام 2025.
يقل هذا النمو المتوقع عن تقديرات المنظمة في أغسطس، البالغة 1.8%، إذ تشير إلى آثار متوقعة من رسوم ترمب، إضافة إلى التخلص من المخزون، وضعف الطلب، وتراجع التصنيع.
تشمل العوامل الرئيسية وراء هذا التباطؤ ظهور الآثار المتأخرة لأنظمة الرسوم الجمركية أخيرا في التدفقات التجارية، واستمرار عدم اليقين بشأن السياسات على نطاق واسع، ما يؤدي إلى تفاقم التردد في الاستثمار وإبطاء نشاط تمويل التجارة.
في حين إن نمو التجارة بشكل عام ضعيف، فإن بعض القطاعات والمناطق تقدم نقاطا مضيئة، إذ لا تزال التجارة عالية التقنية والرقمية محركا للنمو، مدعومة بالطلب العالمي المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومعدات الاتصال.
كذلك، فإن شبكات التجارة في الأسواق الناشئة، ولا سيما في آسيا وإفريقيا والتكتلات الإقليمية البينية، تتوسع على نحو يساعد على تنويع هياكل التجارة العالمية.
أبرز تحديات التجارة العالمية في العام الجديد
يتمثل الخطر الأكبر على التجارة العالمية خلال عام 2026 في زيادة التدابير المقيدة للتجارة، ولا سيما التأثير الكامل للرسوم الجمركية الأمريكية، التي ستظهر لمدة عام كامل في عام 2026، بحسب منظمة التجارة العالمية.
تباطؤ الاقتصاد العالمي سيكون كذلك من أبرز تحديات التجارة العالمية في العام الجديد، حيث من المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي قليلا. وسيؤثر ضعف الطلب في الاقتصادات الكبرى في النشاط التجاري.
مع استمرار التوترات الجيوسياسية، ومن بينها الحرب في أوكرانيا والمنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين في مجالات التكنولوجيا الرئيسية مثل رقائق الذكاء الاصطناعي، تثار مخاوف من احتمالات إعادة تشكل التدفقات التجارية وبروز نظام تجاري عالمي أكثر تشرذما.
كذلك، فإن سلاسل التوريد ما زالت عرضة للصدمات المختلفة، بما في ذلك الاضطرابات المادية، فيما يعاني العالم نقصا كبيرا في تمويل التجارة يؤثر بشكل غير متناسب في الاقتصادات النامية والمؤسسات الصغيرة.

