تشهد أسواق التجزئة سباق تخفيضات محتدم لجذب المستهلكين، لكن القيمة الحقيقية للتوفير تصطدم بالنتيجة النهائية للفاتورة، إذ تحسمها أسعار سلة المشتريات الكاملة، والقدرة على ضبط الاستهلاك بعيدا عن فخ الشراء الفائض.
يأتي ذلك مع افتتاح فروع لمتجر «كيو» في الرياض مطلع هذا الأسبوع، وقيام عدد من متاجر التجزئة الكبرى بتنفيذ عروض متزامنة وسط اهتمام من المتسوقين بتجربة الوافد الجديد لسوق العاصمة ومقارنة أسعارها بالمتاجر الأخرى، وفقا لما رصدته «الاقتصادية» خلال جولة ميدانية.
وقال فهد الدويش، أحد المتسوقين في محلات كيو، إن التوفير يختلف باختلاف العروض، مشيرا إلى أن بعض المنتجات تباع بعبوات أو كميات كبيرة، ما يجعل مقارنة أسعارها بالمنتجات المماثلة أمرا يتطلب الانتباه إلى سعر الوحدة.
وأوضح أن بعض المنتجات الاستهلاكية، مثل المنظفات والأرز والخضروات، قد توفر فرصا أكبر للتوفير عند شرائها بكميات كبيرة، لكنه رأى أن الحكم على استدامة هذه الميزة السعرية لا يزال مبكرا، وأن ذلك سيعتمد على استمرار العروض وعدم اقتصارها على فترات محددة.
في المقابل، قال مشعل العنزي، الذي يتسوق بانتظام من الصالات الاقتصادية مثل كيو الذي يجربه للمرة الأولى، إن التوفير الذي يلحظه في بعض مشترياته يصل إلى 40% مقارنة بمتاجر أخرى، مشيرا إلى أن الإعلانات والأسعار المنخفضة من أبرز العوامل التي تدفعه إلى الشراء، وتوقع استمرار هذه المتاجر إذا حافظت على مستوى الجودة الحالي.
وقال عبدالمجيد الشيباني إن الأسعار والجودة والإعلانات عبر منصات التواصل الاجتماعي دفعته إلى تجربة هذه المتاجر، مضيفا أن قيمة فاتورة مشترياته انخفضت، بحسب تجربته، من نحو 600 ريال في أحد متاجر التجزئة التقليدية إلى قرابة 300 ريال في الصالات الاقتصادية.
غير أن هذه التجارب الفردية لا تكفي وحدها لتحديد حجم التوفير الذي يمكن أن يحققه المستهلك، إذ تتطلب المقارنة احتساب أسعار سلة متكاملة من المنتجات المتطابقة في العلامة التجارية والحجم والوزن، بدلا من الاقتصار على سلع مختارة أو عروض محددة.
وتبرز هنا مسألة خفض أسعار منتجات محددة لجذب المتسوقين، في حين قد تبقى أسعار منتجات أخرى قريبة من مستويات السوق.
ويجعل ذلك مقارنة سلة المشتريات الكاملة أكثر دلالة على حجم التوفير الفعلي من الاستناد إلى عدد محدود من العروض اللافتة.
وفي هذا السياق، قال عيد عبيد، خبير التسويق الذي تحدث إلى «الاقتصادية»، إن التوفير لا يقاس بانخفاض سعر المنتج وحده، بل بما ينفقه المستهلك في نهاية المطاف مقارنة باحتياجاته الفعلية.
وأضاف أن الأسعار المنخفضة قد تشجع على شراء كميات أكبر أو اقتناء منتجات لم تكن ضمن قائمة المشتريات، ما قد يقلل أثر الوفورات على ميزانية الأسرة.
وأضاف: هذا يطرح تساؤلا بشأن ما إذا كانت هذه المتاجر تخفض الإنفاق فعليا، أم تمنح المستهلك قدرة شرائية أكبر تدفعه إلى زيادة استهلاكه.
في المقابل، لا يرى جميع المتسوقين أن الأسعار في الصالات الاقتصادية أقل بصورة واضحة من نظيراتها في المتاجر الأخرى.
وقال أبو فارس، الذي سبق له التسوق في أحد فروع هذه المتاجر في جدة، إن أسعار بعض المنتجات تبدو متقاربة مع أسعار السوق، مشيرا إلى أن بعض المتسوقين يغادرون بكميات محدودة من المشتريات.
ويرى أن استمرار هذه المتاجر سيعتمد على قدرتها على المحافظة على فارق سعري واضح، إذ إن تقارب الأسعار قد يقلل من دوافع المستهلك لاختيارها على حساب المتاجر التقليدية.
ولا تقتصر المنافسة على الأسعار وحدها، إذ قال يوسف السليمان إن الازدحام داخل الصالات الاقتصادية قد يدفعه إلى التسوق في أماكن أخرى، حتى وإن كانت أسعارها أعلى، بحثا عن تجربة أكثر راحة وسرعة.
وأضاف أن كثافة الإقبال قد تظهر نشاط المبيعات وتسارع تجدد البضائع، لكنه رأى أن الحفاظ على العملاء يتطلب أيضا توافر المنتجات وسهولة التسوق وتقليل أوقات الانتظار.
من جانبه، قال فهد العجمي إن استدامة هذا النموذج يعتمد على أكثر من خفض الأسعار، وتشمل ضبط تكاليف التشغيل والشراء بكميات كبيرة وإدارة المخزون بكفاءة، بما يساعد على المحافظة على ميزة سعرية مقارنة بالمتاجر التقليدية.
وأضاف أن سوق التجزئة يمكن أن يستوعب نماذج متعددة تستهدف شرائح مختلفة من المستهلكين، مستشهدا بالسوق الأمريكية، حيث تتعايش سلاسل مثل «وول مارت» و«تارجت» مع متاجر الخصم مثل «ألدي» و«دولار جنرال»، رغم اختلاف نماذجها التشغيلية وتشكيلة منتجاتها وإستراتيجياتها السعرية.
وأشار إلى أن استمرار هذه النماذج يرتبط بقدرتها على تقديم قيمة واضحة للمستهلك، سواء من خلال الأسعار أو تنوع المنتجات أو تجربة التسوق، إلى جانب تحقيق الربحية والاحتفاظ بالعملاء على المدى الطويل.
بدوره، قال عبدالعظيم محمد إن تكرار زيارة المستهلكين لهذه المتاجر لن يرتبط بالإعلانات والخصومات وحدها، بل بمدى توافر المنتجات وجودتها واستمرار الميزة السعرية.
وأضاف أن العروض قد تشجع المستهلك على تجربة المتجر للمرة الأولى، لكن المحافظة عليه عميلا تتطلب تقديم قيمة ملموسة بصورة مستمرة.




