بين سعر الطرح والسعر الذي يستقر عليه السهم بعد الإدراج، تتكشف الفجوة التي تختبر عندها السوق تقييمات الشركات الجديدة، مع تداول عدد من الأسهم المدرجة حديثًا في السوق السعودية دون أسعار طرحها.
الفجوة تعيد تقييم الشركات في الاكتتابات إلى واجهة النقاش، وسط تقارير صحافية حول توجهات لمراجعة القواعد المنظمة لها.
تطرح المراجعة تساؤلات حول مدى ملاءمة أساليب التقييم والتسعير الحالية، وما قد تفضي إليه التغييرات المرتقبة، خصوصًا مع اختلاف أداء الأسهم بعد الإدراج عن مستويات أسعار الطرح.
من بين 17 شركة تم إدراجها خلال عامي 2025 و2026، تتداول 4 شركات منها فقط فوق سعر الطرح (دار البلد، المسار الشامل، الأندية للرياضة، مسار).
في المقابل يجري تداول أسهم 13 شركة سعرها دون سعر الاكتتاب، أي أن نحو 76% من الشركات المدرجة آخر عامين تتداول تحت سعر الطرح.
"الاقتصادية" استطلعت آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين، إلى جانب خبراء قانونيين، حول ما قد تفضي إليه المراجعة وانعكاساتها المحتملة على تقييم الشركات وتسعير اكتتاباتها.
اقرأ أيضا: كيف حملت الصناديق الأجنبية الأسهم السعودية إلى بورصات العالم ؟ | صحيفة الاقتصادية
فجوة أسعار الأسهم في "تاسي" تعود لعوامل عدة
الخبير الاقتصادي محمد العنقري يرى أن تداول بعض الأسهم بعد الإدراج دون سعر الطرح يعود إلى عوامل عدة، وفقا لما قاله لـ "الاقتصادية".
من بين هذه العوامل المبالغة في التسعير، ووضع مكررات ربحية تتماشى مع متوسط مكررات القطاع وفق الأسعار السوقية، بدلًا من الاستناد إلى المعايير العالمية لمكررات كل قطاع.
تقييم الاكتتابات يتأثر كذلك بالعائد والتوزيعات مقارنة بمستويات أسعار الفائدة، إلى جانب ظروف السوق، بحسب العنقري.
يشير الخبير الاقتصادي إلى أن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية العالمية قد تسهم في تراجع أسعار بعض الأسهم بعد الإدراج.
وبينما يرى أن قواعد الاكتتابات تحتاج إلى تغيير شامل، فإنه يقترح الإبقاء على آلية بناء سجل الأوامر للشركات الكبرى، وإلغائها للشركات المتوسطة والصغيرة لتصبح آلية الإدراج المباشر هي المعتمدة لها.
يدعو العنقري إلى تحميل مدير الاكتتاب مسؤولية أي مبالغة في التقييم والتسعير، أو إخفاء معلومات تتضح لاحقًا ويكون لها أثر سلبي في تقييم الشركة.
ويشير إلى أهمية إلغاء مبدأ التخارج عبر الاكتتابات للشركات المتوسطة والصغيرة، والشركات العائلية تحديدًا، بحيث يكون طرحها للاكتتاب العام لزيادة رأس المال بقصد التوسع أو تمويل أعمالها.
اقرأ أيضا: بلومبرغ: تغييرات سوق المال السعودية تعيد التدفقات الأجنبية للواجهة | صحيفة الاقتصادية
مراجعة قواعد التقييم قد تشكل نقطة تحول في تسعير الطرح
المستشار المالي محمد الشميمري يرى بدوره أن مراجعة هيئة السوق المالية لقواعد تقييم الشركات في الاكتتابات قد تشكل نقطة تحول في مسار تسعير الطروحات.
ويتوقع أن تحد مثل هذه المراجعة من الاعتماد المفرط على أسلوب «المضاعفات النسبية» للشركات المماثلة، الذي قد يستخدم لتبرير تقييمات مرتفعة خلال فترات انتعاش السوق.
التعديلات المتوقعة قد تشمل، بحسب الشميمري، إلزام المستشارين الماليين بنماذج تقييم أكثر صرامة، تعتمد على التدفقات النقدية المخصومة بافتراضات نمو واقعية، إلى جانب تحميل المستشار المالي ومدير الاكتتاب مسؤولية أكبر في تبرير الفجوة بين القيمة الدفترية للشركة وسعر الطرح، مع تدقيق أعمق في التدفقات النقدية التاريخية مقارنة بالتوقعات المستقبلية الواردة في نشرة الإصدار.
ضبط قواعد التقييم يرفع جودة الشركات المتقدمة للإدراج
تداول بعض الأسهم دون سعر الطرح بعد الإدراج بفترة قصيرة، أرجعه الشميمري إلى عاملين رئيسيين، أولهما المبالغة في التقييم، إذ قد يسعى الملاك والمستشارون الماليون إلى تعظيم حصيلة الاكتتاب، ما يترك السهم دون هامش أمان كافٍ للمستثمر الجديد.
العامل الثاني من وجهة نظره هو آلية بناء سجل الأوامر، إذ قد تدخل بعض الصناديق والمؤسسات بأسعار مرتفعة بهدف الحصول على التخصيص ثم التخارج سريعًا بعد الإدراج.
يؤكد الشميمري أن ضبط قواعد التقييم من شأنه رفع جودة الشركات المتقدمة للإدراج، مشيرًا إلى أن الحد من التقييمات المبالغ فيها قد يعزز تدفق السيولة الاستثمارية المؤسسية طويلة الأجل، ويدعم ثقة المستثمرين.
فيما يتعلق بحماية المستثمرين، شدد على أهمية تعزيز الإفصاح، بحيث تتضمن نشرة الإصدار توضيحًا صريحًا للمخاطر المرتبطة بالتقييمات المرتفعة، مع تبرير مضاعف الربحية إذا تجاوز متوسط القطاع بشكل كبير، وإتاحة بيانات واضحة تقارن بين التكلفة التاريخية لأسهم المؤسسين وسعر الطرح.
يقترح الشميمري الاستعانة بجهة استشارية مستقلة لإعداد تقييم مالي منفصل عن تقييم مدير الاكتتاب لتحقيق مزيد من العدالة في الاكتتابات، إلى جانب تطوير آلية تخصيص المؤسسات بما يراعي نيتها الاستثمارية طويلة الأجل، ودراسة حصة الأفراد للحد من التدافع في الأيام الأولى للإدراج.
ويدعو إلى تطبيق فترات حظر متدرجة للملاك بدلًا من انتهاء فترة الحظر دفعة واحدة، بما يسمح بالتخارج بنسب محددة على مراحل، ويمنح السوق قدرة أكبر على استيعاب الكميات المطروحة دون التسبب في ضغوط بيعية حادة على السهم.
اقرأ أيضا: "تاسي" أمام سابقة .. طرح يلغى رغم التغطية الكاملة | صحيفة الاقتصادية
تطوير آليات الطروحات يعزز استقلالية وشفافية التسعير
يرى المستشار القانوني سلطان المخلفي أن تطوير آليات الطروحات يمكن أن يسهم في تعزيز استقلالية وشفافية التسعير، من خلال اشتراط إجراء تقييم مستقل إضافي أو الحصول على رأي عدالة سعري للطروحات التي تتجاوز معايير موضوعية محددة.
ويقترح تعزيز الإفصاح الموجه للمستثمرين، عبر توضيح منهجيات التقييم والافتراضات الرئيسية التي تستند إليها، إلى جانب الإفصاح عن نطاق القيمة العادلة ومبررات السعر النهائي للطَرح، بما يتيح للمستثمرين تكوين رؤية أكثر وضوحا حول الأسس التي بُني عليها التسعير.
فيما يتعلق بآليات التخصيص، يرى المخلفي أهمية وضع إطار أكثر توحيدا يضمن حصول صغار المكتتبين على قدر متساوٍ من الأسهم قبل توزيع الكمية المتبقية بصورة تناسبية، مع مراجعة حصة الأفراد وفقا لحجم الطرح ومستوى السيولة فيه.
كما يقترح تطوير فترات حظر كبار المساهمين، بحيث ترتبط بطبيعة الطرح ونسبة الأسهم التي يبيعها الملاك، مع اعتماد آلية لفك الحظر تدريجيا بدلا من انتهائه دفعة واحدة.
من شأن ذلك، بحسب المخلفي، الحد من مخاطر زيادة المعروض والضغوط البيعية على السهم، وتحقيق توازن أفضل بين مصالح الشركة المصدرة والمساهمين الحاليين والمستثمرين الجدد.

